*إِنكَارُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: جُذُورُهُ وَصُوَرُهُ وَشُبُهَاتُهُ وَأَقوَالُ العُلَمَاءِ فِي الرَّدِّ عَلَيهِ*
*❖ مُقَدِّمَةٌ*
❁ بَعدَ بَيَانِ أَصلِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَمَكَانَتِهَا فِي بُنيَانِ الدِّينِ، يَنتَقِلُ هٰذَا المَقَالُ إِلَى تَتَبُّعِ مَسلَكِ إِنكارِ السُّنَّةِ فِي جُذُورِهِ وَصُوَرِهِ وَتَطَوُّرِهِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ لَم يَكُن فِي تَارِيخِ الأُمَّةِ مَذهَبًا مُستَقِرًّا يُمَثِّلُ جُمهُورَ المُسلِمِينَ، بَل كَانَ يَظهَرُ فِي صُوَرٍ مُتَفَرِّقَةٍ، تَارَةً فِي رَدٍّ انتِقَائِيٍّ لِبَعضِ السُّنَنِ، وَتَارَةً فِي تَحكِيمِ العَقلِ فِي قَبُولِ الأَخبَارِ وَرَدِّهَا، ثُمَّ تَطَوَّرَ فِي العَصرِ الحَدِيثِ إِلَى دَعوَى تَرفَعُ شِعَارَ «القُرآنِ وَحدَهُ».
❁ وَالمَقصُودُ مِن هٰذِهِ المَقَالَةِ أَن تُبَيِّنَ أَنَّ هٰذَا المَسلَكَ لا يَقِفُ عِندَ حَدِّ الخِلافِ العِلمِيِّ فِي آحادِ الأَخبَارِ، بَل يُفضِي فِي نِهَايَتِهِ إِلَى تَفكِيكِ بُنيَانِ الدِّينِ، وَإِسقَاطِ مَرجِعِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ، وَتَحويلِ الشَّرِيعَةِ إِلَى فُهُومٍ مُتَقَلِّبَةٍ. وَلِذٰلِكَ سَيَأتِي بَيَانُ صُوَرِهِ التَّارِيخِيَّةِ وَالحَدِيثَةِ، ثُمَّ نُقُولُ أَئِمَّةِ الإِسلامِ فِي تَثبِيتِ السُّنَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى مُنكِرِيهَا.
*❖ أَوَّلًا: الخَوارِجُ وَالرَّدُّ الاِنتِقائِيُّ لِلسُّنَّةِ*
❁ إِذا نَظَرنا فِي تَاريخِ الخَوارِجِ وَفِرَقِهِم، وَجَدنا أَنَّهُم لَم يُنكِروا السُّنَّةَ جُملَةً عَلَى النَّحوِ الَّذي فَعَلَهُ القُرآنيُّونَ المُعاصِرُونَ، وَلٰكِنَّهُم سَلَكُوا مَسلَكَ الرَّدِّ الاِنتِقائِيِّ، فَقَبِلوا ما ناسَبَ أَهواءَهُم وَرَدُّوا ما عارَضَ أُصولَهُم الفاسِدَةَ. وَقَد ذَكَرَ أَهلُ العِلمِ أَنَّ مِن أُصولِهِمُ المُتفَقِ عَلَيها الأَخذَ بِما دَلَّ عَلَيهِ القُرآنُ، وَرَدَّ ما زادَ عَلَيهِ مِنَ الحَديثِ مُطلَقًا فِي الجُملَةِ، وَهٰذا مَعناهُ أَنَّ بَذورَ الاِحتِجاجِ بِظاهِرِ القُرآنِ عَلَى مُعارَضَةِ السُّنَّةِ كانت مَوجودَةً عِندَهُم، وَإِن لَم تَتَحَوَّل يَومَئِذٍ إِلَى مَذهَبِ «القُرآنِ وَحدَهُ» بِصُورتِهِ المُعاصِرَةِ.
❁ وَمِن أَمثِلَةِ اِنحِرافِ بَعضِ فِرَقِهِم أَنَّ الأَزارِقَةَ أَسقَطوا الرَّجمَ؛ بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَيسَ مَذكورًا فِي القُرآنِ، وَأَسقَطوا حَدَّ القَذفِ عَمَّن قَذَفَ المُحصَنينَ مِنَ الرِّجالِ، وَأَوجَبوا عَلَى الحائِضِ الصَّلاةَ وَالصِّيامَ فِي حَيضِها، وَقالَ بَعضُهُم إِنَّهُ لا صَلاةَ واجِبَةً إِلَّا رَكعَةٌ بِالغَداةِ وَرَكعَةٌ بِالعَشِيِّ، وَذَهَبَ بَعضُهُم إِلَى شُذوذاتٍ أُخرَى فِي الأَنسابِ وَالمُحَرَّماتِ، بَل حُكِيَ عَن طائِفَةٍ مِنهُم إِنكارُ أَن تَكونَ سُورَةُ يُوسُفَ مِنَ القُرآنِ. وَتَكشِفُ هٰذِهِ النَّمَاذِجُ أَنَّ رَفعَ شِعارِ «الاِكتِفاءِ بِالقُرآنِ» بِفَهمٍ مُجرَّدٍ عَن سُنَّةِ الرَّسولِ ﷺ لا يُنتِجُ صَفاءً فِي الدِّينِ، بَل يُنتِجُ شُذوذًا وَفَوضى وَتَلاعُبًا بِالأَحكامِ.
❁ وَمِن أَوضَحِ مَا يُكشِفُ تَناقُضَ الخَوارِجِ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ عَبدِ اللهِ بنِ خَبّابِ بنِ الأَرَتِّ، حِينَ سَأَلَهُ الخَوارِجُ أَوَّلًا أَن يُحَدِّثَهُم بِحَديثٍ سَمِعَهُ مِن أَبِيهِ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا حَدَّثَهُم قَتَلُوهُ وَبَقَرُوا بَطنَ أَمِّ وَلَدِهِ. وَفِي هٰذِهِ الوَاقِعَةِ عِبَرَةٌ عَظيمَةٌ؛ إِذ جَمَعُوا بَينَ طَلَبِ الحَديثِ وَرَدِّ مَدلولِهِ، وَبَينَ التَّدَيُّنِ الظّاهِرِ وَالإِجرامِ الباطِنِ، وَبَينَ الدِّقَّةِ فِي بَعضِ الأُمورِ الدُّنيوِيَّةِ وَالفَظاعَةِ فِي سَفكِ الدِّماءِ. وَهٰكَذا يَصنَعُ الهَوى إِذا تَزَيَّا بِزِيِّ التَّديُّنِ.
*❖ ثَانِيًا: المُعتَزِلَةُ وَتَحكِيمُ العَقلِ فِي رَدِّ بَعضِ السُّنَّةِ*
❁ أَمَّا المُعتَزِلَةُ، فَلَم يَكونوا مُنكِرينَ لِلسُّنَّةِ جُملَةً، بَل كانَ فيهم رُواةٌ وَمُحتَجُّونَ بِأَحاديثَ كَثيرَةٍ، غَيرَ أَنَّهُم جَعَلوا عُقولَهُم وَأُصولَهُم الكَلامِيَّةَ حاكِمَةً عَلَى ما يَبلُغُهُم مِنَ الأَخبارِ، فَكانوا يَقبلونَ ما وَافَقَ تَصَوُّرَهُم، وَيَرُدُّونَ ما خالَفَهُ، وَيُؤَوِّلونَ نُصوصًا كَثيرَةً تَأوِيلًا بَعيدًا. وَمِن هٰنا كانَ اِنحِرافُهُم فِي بَعضِ أَبوابِ الصِّفاتِ وَالغَيبيّاتِ نَتيجَةً مُباشِرَةً لِتَقديمِ النَّظَرِ العَقليِّ المُجرَّدِ عَلَى ما ثَبَتَ بِالنَّقلِ الصَّحيحِ.
❁ وَمِن أَمثِلَةِ ذٰلِكَ رَدُّهُم أَحاديثَ رُؤيَةِ اللهِ تَعالى فِي الآخِرَةِ، وَتَأوِيلُهُم لِما وَرَدَ فِيها، وَرَدُّ بَعضِ رِجالِهِم لِأَحاديثَ صَحيحَةٍ مَشهُورَةٍ بِدَعوى مُخالَفَتِها لِما يَرَونَهُ أَدِلَّةً قاطِعَةً. وَالصَّوَابُ أَنَّ هٰذِهِ «الأَدِلَّةَ القاطِعَةَ» لَيسَت فِي كَثيرٍ مِنَ الأَحيانِ إِلَّا مُقَدِّماتٍ عَقليَّةً خاصَّةً بِمَدرَسَتِهِم، ثُمَّ يُبنَى عَلَيها رَدُّ الخَبَرِ أَو تَأوِيلُهُ. وَهٰذا المَسلَكُ ـ وَإِنِ اختَلَفَت دَرَجَتُهُ وَسِياقاتُهُ ـ يُشبهُ فِي جُملَتِهِ ما يَفعَلُهُ القُرآنيُّونَ المُعاصِرُونَ؛ إِذ يَجعَلونَ العَقلَ الشَّخصِيَّ حَكَمًا عَلَى الوَحيِ، لا خادِمًا لَهُ وَمُستَضيئًا بِنورِهِ.
*❖ ثَالِثًا: مِنَ الرَّدِّ الجُزئِيِّ إِلَى الإِنكارِ الكُلِّيِّ*
❁ إِنَّ أَخطرَ ما فِي مَسارِ إِنكارِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لا يَقِفُ غالبًا عِندَ حَدٍّ. فَالمُبتَدِئُ بِالرَّدِّ عَلَى حَديثٍ أَو بابٍ، بِداعِي العَقلِ أَو التَّجدِيدِ أَو مُوافَقَةِ العَصرِ، يَنتَقِلُ بَعدَ ذٰلِكَ إِلَى التَّشكيكِ فِي الرُّواةِ، ثُمَّ فِي دَواوينِ السُّنَّةِ، ثُمَّ فِي أَئِمَّةِ الحَديثِ، ثُمَّ فِي الصَّحابَةِ أَنفُسِهِم، ثُمَّ لا يَلبَثُ أَن يَجِدَ نَفسَهُ أَمامَ دِينٍ جَديدٍ لا يَشبَهُ الإِسلامَ الَّذي عُرِفَ عَبرَ القُرونِ. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ التَّاريخَ يُثبِتُ أَنَّ الرَّدَّ الاِنتِقائِيَّ لِلسُّنَّةِ كانَ مَرحَلَةً تَمهيدِيَّةً فِي كَثيرٍ مِنَ الأَحيانِ لِوُلادَةِ مَذاهِبَ أَشدَّ خُروجًا وَأَبعَدَ اِنفِصالًا عَن سَبيلِ المُؤمِنينَ.
❁ وَلِذٰلِكَ يَنبَغِي أَلّا يُتَعامَلَ مَعَ دَعوى إِنكارِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّها مُجرَّدُ «وِجهَةِ نَظَرٍ» فِي بابٍ مِن أَبوابِ التُّراثِ؛ فَإِنَّها فِي جَوهَرِها مَشروعُ تَفكيكٍ لِلنِّظامِ العِلميِّ وَالتَّعبُّدِيِّ الَّذي حَفِظَ الدِّينَ، وَنَقَلَهُ، وَبَيَّنَهُ، وَأَقَامَ عَلَيهِ حَياةَ الأُمَّةِ. وَمَن أَسقَطَ الثِّقَةَ بِالسُّنَّةِ، فَقَد فَتَحَ البَابَ لِإِسقاطِ الثِّقَةِ بِالنَّقلِ كُلِّهِ، وَبِالتَّاريخِ، وَبِالمَوروثِ العِلميِّ، وَبِسِلسِلَةِ التَّلَقِّي كُلِّها.
*❖ رَابِعًا: الجُذورُ الحَديثَةُ لِلدَّعوةِ إِلَى إِسقاطِ السُّنَّةِ*
❁ فِي العُصورِ المُتَأَخِّرَةِ، وَخُصوصًا مَعَ اِنفِتاحِ العالَمِ الإِسلامِيِّ عَلَى ضُغوطِ الاِستِعمارِ وَالفِكرِ الغَربِيِّ وَدَعاوَى التَّجدِيدِ المُنفَلِتِ، عادت دَعوةُ الاِكتِفاءِ بِالقُرآنِ بِصُورٍ أَوضَحَ وَأَصرَحَ. فَقَد ظَهَرَ فِي شِبهِ القارَّةِ الهِندِيَّةِ مَن دَعَوَا إِلَى التَّشكيكِ فِي الحَديثِ، ثُمَّ إِلَى إِنكارِهِ، ثُمَّ إِلَى اِبتِداعِ صُوَرٍ جَديدَةٍ فِي الصَّلاةِ وَالأَذانِ وَالتَّشريعِ، وَصارَ لِهٰذَا الاِتِّجاهِ رُموزٌ وَكُتُبٌ وَمَنابِرُ. وَبِهٰذا اِنقَلَبَ الخِلافُ مِن مَواقفَ فَردِيَّةٍ مُتَناثِرَةٍ إِلَى خِطابٍ مُنَظَّمٍ يُبشِّرُ بِـ«القُرآنِ وَحدَهُ» وَيَستَهدِفُ تَفريغَ الدِّينِ مِن سُنَّتِهِ.
❁ ثُمَّ سَرَى هٰذا الاِتِّجاهُ فِي العالَمِ العَرَبِيِّ بِصُوَرٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَكانَ مِنهُ مَن يَستَعمِلُ شِعارَ الإِصلاحِ وَالتَّنويرِ، وَمِنهُ مَن يَتَّخِذُ مِن نَقدِ التُّراثِ سُلَّمًا إِلَى هَدمِ السُّنَّةِ، وَمِنهُ مَن يَتَجَرَّأُ عَلَى دَواوينِ الحَديثِ وَأَئِمَّتِهِ، ثُمَّ يَنتَهِي بِهِ الأَمرُ إِلَى إِنكارِ مَصدرِيَّتِها كُلِّيًّا. وَهٰذا يُظهِرُ أَنَّ المَسأَلَةَ لَيسَت وَلِيدَةَ بَيئَةٍ وَاحِدَةٍ، بَل هِيَ مَسارٌ فِكرِيٌّ يَلتَقِي فِيهِ الهَوى، وَسُوءُ الفَهمِ، وَالتَّأَثُّرُ بِالخارِجِ، وَالرَّغبَةُ فِي التَّخَفُّفِ مِن سُلطانِ الشَّريعَةِ.
*❖ شِبهُ القَارَّةِ الهِندِيَّةِ وَبِدَايَةُ التَّنظِيرِ الحَدِيثِ*
❁ فِي العَصرِ الحَديثِ، وَخُصوصًا مَعَ التَّأَثُّرِ بِالفِكرِ الغَربِيِّ وَضُغوطِ الاِستِعمارِ وَمَوجاتِ التَّجدِيدِ المُنفَلِتِ، ظَهَرَ فِي شِبهِ القارَّةِ الهِندِيَّةِ مَن دَعَوَا إِلَى الاِعتمادِ عَلَى القُرآنِ دُونَ السُّنَّةِ فِي التَّشريعِ. وَقَد مَرَّت هٰذِهِ الدَّعوةُ بِمَراحِلَ؛ بَدَأَت بِالتَّشكيكِ فِي الحَديثِ، ثُمَّ تَطَوَّرَت إِلَى إِنكارِهِ، ثُمَّ إِلَى اِبتِداعِ صُوَرٍ جَديدَةٍ فِي العِباداتِ وَالتَّشريعِ. وَمِن بَينِ الأَسماءِ الَّتي بَرَزَت فِي هٰذا السِّياقِ: السَّيِّدُ أَحمَدُ خان، ثُمَّ مَن جاءَ بَعدَهُ مِمَّن وَسَّعُوا دائرَةَ التَّشكيكِ وَالاِكتِفاءِ بِالقُرآنِ، وَمِن بَعدِهِم مَن أَقامَ لِهٰذِهِ الدَّعوى كِيانًا فِكريًّا وَحَرَكيًّا أَوضَحَ.
❁ وَمِن أَظهَرِ الأَمثِلَةِ فِي هٰذا البَابِ مَن دَعا إِلَى إِنكارِ الأَحاديثِ جُملَةً، وَصَنَّفَ فِي ذٰلِكَ رَسائلَ، وَاِبتَدَعَ لِأَتباعِهِ طَريقَةً جَديدَةً فِي الصَّلاةِ، وَرَأَى أَنَّ الأَذانَ وَالإِقامَةَ بِالصُّورَةِ المَعرُوفَةِ بَينَ المُسلِمينَ بِدعَةٌ. وَهٰذِهِ الصُّورَةُ تُثبِتُ أَنَّ إِقصاءَ السُّنَّةِ لا يَبقَى قَضِيَّةً نَظَرِيَّةً، بَل يَتَحَوَّلُ مُباشَرَةً إِلَى إِعادَةِ صِياغَةِ الدِّينِ عَمَلِيًّا، وَإِلَى تَوليدِ شَعائِرَ جَديدَةٍ، وَأَشكالٍ مُحدَثَةٍ مِنَ التَّعبُّدِ.
*❖ العَالَمُ العَرَبِيُّ وَتَهيِئَةُ البِيئَةِ لِخِطَابِ «القُرآنِ وَحدَهُ»*
❁ أَمَّا فِي العالَمِ العَرَبِيِّ، فَقَد تَهَيَّأَتِ التُّربَةُ لِهٰذِهِ الدَّعواتِ عَلى يَدِ شَخصِيّاتٍ وَاتِّجاهاتٍ تَجَرَّأَت عَلَى كُتُبِ الحَديثِ وَالتُّراثِ الفِقهِيِّ وَالتَّفسِيرِيِّ، وَرَفَعَت شِعارَ الإِصلاحِ وَالتَّنويرِ وَالتَّجديدِ، فَفَتَحَت بَابَ التَّهوينِ مِن قَدرِ السُّنَّةِ، وَالتَّشكيكِ فِي رُواتِها وَأَئِمَّتِها، وَجَعَلَت ذٰلِكَ مُقدِّمَةً لِظُهورِ خِطابٍ أَشدَّ صَراحَةً فِي رَفضِ السُّنَّةِ نَفسِها. وَيَكشِفُ ذٰلِكَ أَنَّ الظَّواهِرَ الكُبرى لا تَهبِطُ فَجأَةً، بَل يُمَهَّدُ لَها خِطابٌ يَكسِرُ الهَيبَةَ، وَيُسقِطُ الثِّقَةَ، وَيُضعِفُ مَكانَةَ المَرجِعِيَّاتِ العِلميَّةِ.
❁ وَمَعَ الزَّمَنِ، اِنتَقَلَ الأَمرُ مِن تَهيِئَةِ المِزاجِ الفِكريِّ إِلَى تَشكُّلِ جَماعَاتٍ تَرفَعُ رَايةَ «أَهلِ القُرآنِ» وَتُعلِنُ رَفضَها لِلسُّنَّةِ عَلَى وَجهِ العُمومِ، وَتَستخدِمُ المِنَصّاتِ الإِلِكتُرونِيَّةَ وَالإِعلامِيَّةَ فِي نَشرِ هٰذَا المَذهَبِ، وَتَستَقطِبُ لَهُ كُتّابًا وَمُتَعاطِفينَ، بَل وَتَفتَحُ مَجالًا لِمُعادِينَ لِلإِسلامِ نَفسِهِ كَي يَجدُوا فِي هٰذِهِ المَساحَةِ مِنبرًا يَلتَقُونَ فِيهِ مَعَ مُنكِرِي السُّنَّةِ عَلَى هَدفٍ واحِدٍ؛ وَهُوَ تَفكيكُ مَرجِعِيَّةِ الإِسلامِ مِن داخِلِها.
*❖ خَامِسًا: القُرآنيُّونَ المُعاصِرُونَ وَبِناءُ مَذهَبِ «القُرآنِ وَحدَهُ»*
❁ لَم يَعُدِ الأَمرُ فِي العَصرِ الحَديثِ مُجرَّدَ اِنحِرافاتٍ فَردِيَّةٍ، بَل ظَهَرَت جَماعَاتٌ تُعلِنُ صِراحَةً أَنَّها لا تُؤمِنُ إِلَّا بِالقُرآنِ، وَأَنَّ كُلَّ ما نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَذِبٌ وَافتراءٌ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لَيسَت مَصدرًا لِلتَّشريعِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَملِكُ حَقَّ البَيانِ التَّشرِيعِيِّ عَلَى النَّحوِ الَّذي أَجمَعَ عَلَيهِ المُسلِمونَ. وَقَد عَمِلَت هٰذِهِ الجَماعَاتُ عَلَى نَشرِ أَفكارِها عَبرَ المَقالاتِ، وَالمَواقِعِ الإِلِكتُرونِيَّةِ، وَالمُؤتَمَراتِ، وَالمِنَصّاتِ الإِعلامِيَّةِ، فَأَصبَحَ لَها خِطابٌ مُوَجَّهٌ وَجُمهورٌ يَتَلَقَّى.
❁ وَمِن أَخطَرِ ما فِي هٰذا الخِطابِ أَنَّهُ لا يَقِفُ عِندَ رَفضِ السُّنَّةِ فَحَسبُ، بَل يَمتَدُّ إِلَى سَلبِ النَّبِيِّ ﷺ حَقَّ الحُكمِ وَالبَيانِ، وَإِلَى إِنكارِ الأُصولِ التَّشريعِيَّةِ الَّتي بُنِيَ عَلَيها الفِقهُ الإِسلامِيُّ، كَالإِجماعِ وَالقِياسِ وَمَكانَةِ أَقوالِ الصَّحابَةِ، وَإِلَى الحَطِّ مِن قَدرِ الفِقهِ السُّنِّيِّ وَالسُّخريَةِ بِهِ، وَإِلَى تَصويرِ التُّراثِ كُلِّهِ عَلَى أَنَّهُ عِبءٌ يَجِبُ التَّخَلُّصُ مِنهُ. وَهٰذا المَسلَكُ يَعني فِي نِهايَتِهِ أَن يَبقَى كُلُّ إِنسانٍ مَعَ القُرآنِ وَحدَهُ بِفَهمِهِ الخَاصِّ، فَيَصنَعَ لِنَفسِهِ دِينًا يَختارُهُ عَلَى قَدرِ ما يَشاءُ.
*❖ سَادِسًا: سِماتُ خِطابِ القُرآنيِّينَ المُعاصِرُونَ*
❁ مِن أَبرَزِ سِماتِ هٰذا الخِطابِ أَنَّهُ يَتَزَيَّا بِشِعارِ تَعظيمِ القُرآنِ، وَيُوهِمُ النّاسَ أَنَّهُ يَدعوهُم إِلَى النَّقاءِ وَالأَصلِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَستَخدِمُ القُرآنَ شِعارًا لِضَربِ مَرجِعِيَّةِ الرَّسولِ ﷺ. فَهُوَ يَستَدِلُّ بِآياتٍ فِيها تَعظيمُ كِتابِ اللهِ لِيُبطِلَ بِها مَا أَثبَتَهُ القُرآنُ نَفسُهُ مِن طاعَةِ الرَّسولِ ﷺ وَالأَخذِ عَنهُ. وَهُوَ يَرفَعُ رايَةَ العَقلِ، ثُمَّ يَقَعُ فِي تَناقُضاتٍ فَجَّةٍ، حِينَ يَقبَلُ مِنَ التّاريخِ ما يَهوى، وَيَرُدُّ مِن نَقلِ الأَخبارِ ما لا يُوافِقُهُ. وَهُوَ يَدَّعي تَحريرَ الدِّينِ مِنَ التُّراثِ، ثُمَّ يَبقى أَسيرًا لِقِراءَةٍ شَخصِيَّةٍ مُضطَرِبَةٍ لَا سِندَ لَها وَلَا مِعيارَ.
❁ وَمِن سِماتِهِ أَيضًا التَّطاوُلُ عَلَى الصَّحابَةِ وَالسَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الحَديثِ وَالفِقهِ، وَالاِستِهانَةُ بِجُهودِ الأُمَّةِ فِي الحِفظِ وَالنَّقلِ وَالتَّدوينِ. وَهٰذا لَيسَ أَمرًا عارِضًا، بَل هُوَ نَتيجَةٌ لازِمَةٌ؛ لِأَنَّ مَن أَرادَ هَدمَ السُّنَّةِ، لا بُدَّ لَهُ أَن يَهدِمَ الحَمَلَةَ الَّذينَ نَقَلوها، وَالعُلَماءَ الَّذينَ مَيَّزوا صَحيحَها مِن سَقِيمِها، وَالأُمَّةَ الَّتي تَلَقَّتها بِالقَبولِ. فَيُصبِحُ الطَّعنُ فِي الرُّواةِ وَالعُلَماءِ وَالتُّراثِ قبلَةً لَهم، لِأَنَّهُ الجِسرُ الَّذي يَعبُرونَ عَلَيهِ إِلَى إِبطالِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ.
*❖ سَابِعًا: أَمثِلَةٌ عَمَلِيَّةٌ عَلَى ثَمَرَةِ إِنكارِ السُّنَّةِ*
❁ إِنَّ أَبِينَ دَلِيلٍ عَلَى فَسادِ المَنهَجِ هُوَ فَسادُ ثَمَرَتِهِ. فَحِينَ تُنزَعُ السُّنَّةُ مِن بُنيانِ الدِّينِ، تَتَفَسَّخُ الأَحكامُ، وَتَتَعَدَّدُ صُوَرُ العِبادَةِ عَلَى وَجهٍ لا ضابِطَ لَهُ، وَتُفتَحُ أَبوابُ الاِجتِرَاءِ عَلَى المُحَرَّماتِ وَالمَعلُوماتِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ. وَلِذٰلِكَ رَأَينا فِي تَاريخِ مَن سَلَكُوا هٰذا المَسلَكَ اِنحِرافاتٍ صَريحَةً فِي الصَّلاةِ وَالحَجِّ وَالحُدودِ وَالمَحرَّماتِ وَالمَوقِفِ مِنَ الغَيبيّاتِ، بَل وَفِي بَعضِ الأَحيانِ فِي مَتنِ القُرآنِ نَفسِهِ. وَمَا ذٰلِكَ إِلَّا لِأَنَّ مَن يَفتَح بَابَ الرَّدِّ بِالهَوى لَا يَملِكُ أَن يُغلِقَهُ عِندَ حَدٍّ مُعَيَّنٍ.
❁ وَإِذا كانَ بَعضُ مَن يَدَّعُونَ الاِكتِفاءَ بِالقُرآنِ يَزعُمونَ أَنَّهُم يَرفُضونَ الأَخبارَ وَالرِّواياتِ، فَإِنَّهُم عَمَلِيًّا يَقَعونَ فِي التَّناقُضِ؛ إِذ يُكثِرونَ مِنَ الاِحتِجاجِ بِالتّاريخِ، وَيَبنُونَ أَحكامَهُم عَلَى قِصَصٍ عَنِ الصَّحابَةِ وَالتّابِعينَ وَالعُلَماءِ وَالخُلَفاءِ وَوَقائِعِ القُرونِ الأُولى، مَعَ أَنَّ كَثيرًا مِن هٰذِهِ الأُمورِ لَا يَردُ فِي القُرآنِ أَصلًا. فَإِذا كانَ بابُ الأَخبارِ مَسدودًا عِندَهُم، فَمِن أَينَ عَرَفوا أَسماءَ الصَّحابَةِ، وَسِيرَتَهُم، وَوَقائِعَ الدَّعوَةِ، وَأَحوالَ الأُمَّةِ بَعدَ النُّبُوَّةِ؟ وَإِنَّمَا هُوَ التَّناقُضُ الَّذي يَكشِفُ أَنَّ المَسأَلَةَ لَيسَت أُصولًا مَعرفِيَّةً مُنضَبِطَةً، بَل رَفضًا اِنتِقائِيًّا لِما لا يُوافِقُ الهَوى.
*❖ ثَامِنًا: كَيفَ يَكونُ الرَّدُّ الصَّحيحُ عَلَى مُنكِرِي السُّنَّةِ؟*
❁ لَيسَ الرَّدُّ عَلَى مُنكِرِي السُّنَّةِ مُجرَّدَ تَكرارِ أَحكامِ التَّبديعِ أَو التَّكفيرِ، وَإِن كانَ لِلعِلماءِ كَلامٌ فِي ذٰلِكَ، بَل الرَّدُّ النّاجِعُ يَقومُ عَلَى بَيانِ التَّناقُضِ فِي مَذهَبِهِم، وَإِلزامِهِم بِنُصوصِ القُرآنِ الَّتي تُثبِتُ طاعَةَ الرَّسولِ ﷺ وَالأَخذَ عَنهُ، وَبِالمُقتَضَياتِ العَقليَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ الَّتي لا يَستَقِيمُ الدِّينُ إِلَّا بِها. وَلِهٰذا كانَ مِنَ التَّنبُّهِ المَنهَجِيِّ المُهِمِّ أَنَّ الاِحتِجاجَ عَلَى مَن يُنكِرُ السُّنَّةَ بِالسُّنَّةِ وَحدَها لا يَكفِي فِي المُناظَرَةِ، بَل لا بُدَّ مِن بَيانِ أَنَّ القُرآنَ نَفسَهُ يَقتَضِي وُجودَ البَيانِ النَّبَوِيِّ، وَأَنَّ الوَاقِعَ الدِّينِيَّ لِلإِسلامِ لا يُمكِنُ أَن يُفهَمَ أَو يُمارَسَ بِغَيرِ ذٰلِكَ.
❁ وَيَنبَغي أَيضًا أَلّا يُتَعامَلَ مَعَ هٰذِهِ الدَّعوى بِسَذاجَةٍ أَو تَهوينٍ؛ فَإِنَّها دَعوى تَملِكُ مِن جاذِبِيَّةِ الشِّعارِ وَبَريقِ العِبارَةِ ما قَد يَستَميلُ بَعضَ النّاسِ، خُصوصًا مَعَ ضَعفِ التَّأصِيلِ، وَقِلَّةِ الفِقهِ، وَكِثرَةِ الشُّبُهاتِ. فَلا بُدَّ مِن تَحصينِ العَوامِّ وَطَلَبَةِ العِلمِ، وَبَثِّ مَعاني تَعظيمِ السُّنَّةِ، وَتَعليمِ مَكانَتِها، وَبَيانِ مَنهَجِ الأُمَّةِ فِي نَقلِها وَفَهمِها، حَتّى لا يَنفُذَ إِلَى القُلوبِ شُبهَةُ «القُرآنِ وَحدَهُ»، وَهِيَ فِي الحَقيقَةِ دَعوى إِقصاءِ الرَّسولِ ﷺ عَن وَظيفَتِهِ، وَإِبقاءِ النَّصِّ عُرضَةً لِلتَّأويلِ المُنفَلِتِ.
*❖ نَقدُ دَعوى «القُرآنِ وَحدَهُ» نَقدًا مَنهَجِيًّا والتَّنَاقُضُ بَينَ الشِّعَارِ وَالوَاقِعِ*
❁ أَوَّلُ ما يُؤخَذُ عَلَى دَعوى «القُرآنِ وَحدَهُ» أَنَّها دَعوى تَنهارُ عِندَ أَوَّلِ اِختِبارٍ عَمَلِيٍّ. فَإِنَّ قائِلَها لا يَستَطيعُ أَن يُبَيِّنَ لِلنّاسِ كَيفِيَّةَ الصَّلاةِ وَأَعدادَ رَكَعاتِها وَتَفاصيلَها، وَلَا أَن يُفصِّلَ أَحكامَ الزَّكاةِ وَالحَجِّ وَغَيرِها، إِلَّا إِذا رَجَعَ إِلَى مَا نَقَلَتهُ الأُمَّةُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ. فَإِمَّا أَن يَفعلَ ذٰلِكَ فَيَكونَ نَقَضَ شِعارَهُ بِنَفسِهِ، وَإِمَّا أَن يَرفُضَهُ فَيُفضِي بِالنّاسِ إِلَى فَوضى شَعائِرِيَّةٍ لا حَدَّ لَها. وَقَد بَرَزَت فِعلًا هٰذِهِ الفَوضى عِندَ بَعضِ مَن سَلَكُوا هٰذا المَسلَكَ، فَاختَلَفَت عِندَهُم صُوَرُ العِبادَةِ اِختِلافًا فاحِشًا.
*❖ مذهبهم نَقضُ دَلَالَاتِ القُرآنِ بِاسمِ القُرآنِ*
❁ أَخطرُ وَجهٍ مِن وُجوهِ الخَلَلِ فِي هٰذَا المَذهَبِ أَنَّهُ يَدَّعي الاِعتِصامَ بِالقُرآنِ، وَهُوَ فِي الحَقيقَةِ يَنقُضُهُ بِاسمِهِ. فَالقُرآنُ هُوَ الَّذي أَثبَتَ طاعَةَ الرَّسولِ ﷺ، وَأَمَرَ بِالأَخذِ عَنهُ، وَجَعَلَ الاِستِجابَةَ لَهُ مِن صُلبِ الاِستِجابَةِ لِلَّهِ، وَأَقامَ لَهُ وَظيفَةَ البَيانِ وَالتَّعليمِ. فَمَن جاءَ بَعدَ ذٰلِكَ يَقولُ: نَأخُذُ بِالقُرآنِ وَلَا نَأخُذُ بِالسُّنَّةِ، فَهُوَ فِي الوَاقِعِ لا يَأخُذُ بِالقُرآنِ كُلِّهِ، بَل يَنتَقي مِنهُ ما يُوافِقُ هَواهُ، وَيُهمِلُ مِنهُ ما يُثبِتُ مَرجِعِيَّةَ الرَّسولِ ﷺ. وَهٰذَا أَظهَرُ وُجوهِ التَّناقُضِ.
*❖ الِانتِقَائِيَّةُ فِي قَبُولِ النَّقلِ وَرَدِّهِ*
❁ يُعلِنُ مُنكِرُو السُّنَّةِ رَفضَهُم لِلأَخبارِ وَالرِّواياتِ، ثُمَّ يَقَعونَ فِي تَناقُضٍ مَنهَجِيٍّ صَريحٍ؛ إِذ يَستَعمِلونَ التّاريخَ، وَيَبنُونَ عَليهِ صُوَرًا ذِهنيَّةً عَنِ الصَّحابَةِ وَالعُلَماءِ وَالمَذاهِبِ، وَيَحتَجُّونَ بِوَقائِعَ لا يَعرِفونَها إِلَّا عَن طَريقِ النَّقلِ. فَإِن كانَ النَّقلُ مَردودًا فِي أَصلِهِ، فَلا يَحِلُّ لَهُم أَن يَبنُوا عَليهِ مَعارِفَهُم التَّاريخِيَّةَ، وَإِن كانَ مَقبولًا بِشُروطٍ، فَلِمَ لا يَقبَلونَ مِن نَقلِ السُّنَّةِ ما ثَبَتَ بِأَقصَى دَرَجاتِ التَّمحيصِ العِلميِّ؟ وَيَكشِفُ ذٰلِكَ أَنَّ المَعيارَ الحَقِيقِيَّ عندهم لَيسَ هُوَ مَبدَأُ النَّقلِ، بَل مُوافَقَتُهُ لِلهَوى أَو مُخالَفَتُهُ لَهُ.
*❖ إِفضَاءُ المَذهَبِ إِلَى تَفكِيكِ بُنيَانِ الدِّينِ*
❁ لَيسَتِ المُشكِلَةُ فِي هٰذَا المَذهَبِ أَنَّهُ يُنكِرُ مَصدرًا عِلميًّا فَحَسبُ، بَل فِي أَنَّهُ يُفكِّكُ بُنيانَ الدِّينِ تَفكيكًا كامِلًا. فَإِذا سَقَطَت مَرجِعِيَّةُ السُّنَّةِ، سَقَطَت مَعَها حُجِّيَّةُ فَهمِ الصَّحابَةِ، وَقِيمَةُ الإِجماعِ، وَمَكانَةُ العُلَماءِ، وَمَنظومَةُ التَّشريعِ الَّتي اِنتَظَمَ بِها الفِقهُ الإِسلامِيُّ. وَعِندَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ إِنسانٍ مُفَسِّرًا لِلدِّينِ بِحَسبِ نَظرِهِ، وَتَتَعَدَّدُ الأَديانُ تَحتَ عُنوانِ الإِسلامِ، وَتَضيعُ مَعالِمُ الشَّريعَةِ فِي زِحامِ القِراءاتِ الشَّخصِيَّةِ. وَهٰذِهِ هِيَ النَّتيجَةُ النِّهائِيَّةُ الَّتي يَنبَغي التَّنَبُّهُ لَها.
*❖ تَاسِعًا: الخُلاصَةُ وَالمَوقِفُ الواجِبُ*
❁ إِنَّ إِنكارَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ لَيسَ مَسأَلَةً فَرعِيَّةً يَتَّسِعُ لَها بابُ التَّساهُلِ، بَل هُوَ مَنفَذٌ عَظيمٌ إِلَى هَدمِ الشَّريعَةِ، وَنَقضِ حُرمةِ النُّبُوَّةِ، وَتَفكيكِ بُنيانِ الدِّينِ. وَالتَّاريخُ القَديمُ وَالحَديثُ يَشهَدُ أَنَّ كُلَّ مَسارٍ بَدَأَ بِالتَّهوِينِ مِن قَدرِ السُّنَّةِ اِنتَهَى إِلَى صُوَرٍ مِنَ الاِضطِرابِ وَالاِنحِرافِ وَالتَّلاعُبِ بِالنُّصوصِ وَالأَحكامِ. وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ الوَاجِبَ عَلَى أَهلِ العِلمِ وَالدَّعوَةِ وَالقَلَمِ أَن يُبَيِّنُوا لِلنّاسِ خَطَرَ هٰذا المَسلَكِ، وَأَن يَرُدُّوا شُبُهاتِهِ بِالعِلمِ وَالبَصيرَةِ وَالحُجَّةِ، لَا بِالاِنفِعالِ المُجرَّدِ وَلا بِالعِباراتِ المُقتَضَبَةِ.
❁ وَإِنَّ مِن أَعظَمِ ما يَنبَغي تَقرِيرُهُ فِي النُّفوسِ أَنَّ الاِعتِصامَ بِكِتابِ اللهِ لا يَتَحَقَّقُ بِإِقصاءِ سُنَّةِ رَسولِهِ ﷺ، بَل يَتَحَقَّقُ بِالجَمعِ بَينَهُما عَلَى وَجهِهِما الصَّحيحِ؛ فَالقُرآنُ أَصلٌ، وَالسُّنَّةُ بَيانٌ، وَكِلَاهُما وَحيٌ مِن عِندِ اللهِ فِي الجُملَةِ، وَالأُمَّةُ لَم تَنجُ وَتَستَقِم إِلَّا بِهِما جَميعًا. فَمَن أَرادَ سَلامَةَ دِينِهِ فَليَحذَر مِن دَعاوَى التَّجريدِ الَّتي تُقصِي الرَّسولَ ﷺ عَن مَقامِهِ، وَمِن شُبُهاتِ التَّنويرِ الَّتي تُحوِّلُ الوَحيَ إِلَى نَصٍّ مُعَلَّقٍ فِي فَراغِ التَّأويلِ، بَل عَلَيهِ أَن يَعتَصِمَ بِما اَعتَصَمَ بِهِ الصَّحابَةُ وَالسَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ، فَفِيهِ النَّجاةُ وَالهِدايَةُ وَالرَّشادُ.
❁ وَقَد اشتَدَّت عِبارَةُ السُّيوطِيِّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي بَيانِ خُطورَةِ الإِنكارِ المُطلَقِ لِحُجِّيَّةِ السُّنَّةِ، فَقالَ فِي [مِفتاحِ الجَنَّةِ]: «فَاعلَمُوا، رَحِمَكُمُ اللهُ، أَنَّ مَن أَنكَرَ كَونَ حَديثِ النَّبِيِّ ﷺ، قَولًا كانَ أَو فِعلًا بِشَرطِهِ المَعرُوفِ فِي الأُصولِ، حُجَّةً، كَفَرَ وَخَرَجَ عَن دائِرَةِ الإِسلامِ». وَهٰذَا الحُكمُ إِنَّما يُذكَرُ فِي بَابِ الجُحودِ الكُلِّيِّ لِأَصلِ الحُجِّيَّةِ، لا فِي بَابِ النِّزاعِ فِي صِحَّةِ حَديثٍ بِعَينِهِ أَو فَهمِ دَلالَتِهِ.
*❖ نُقُولُ أَئِمَّةِ الإِسلامِ فِي حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى مُنكِرِيها*
❁ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لَا تَعلَمُونَ﴾، [سورة الأنبياء: 7]، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيمٌ﴾، [سورة يوسف: 76]، وَقَد وَرَدَ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُم» رَوَاهُ مُسلِمٌ.
❁ أَمَرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى المُسلِمِينَ بِاتِّبَاعِ الشَّرعِ، وَمَدَحَ مَن يَقِفُونَ عِندَ حُدُودِهِ، وَنَهَى عَنِ اعتِدَاءِ الحُدُودِ الَّتِي حَدَّهَا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ، وَفَضَّلَ اللهُ تَعَالَى العُلَمَاءَ عَلَى غَيرِهِم مِنَ النَّاسِ فَقَالَ: ﴿قُل هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ﴾، [سورة الزمر: 9]، وَمَا هَذَا إِلَّا لِأَنَّ العُلَمَاءَ مَنَارَةُ الهُدَى الَّتِي تَهتَدِي بِهَا الخَلِيقَةُ إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، فَكَانَ المَطلُوبُ مِن عَامَّةِ النَّاسِ أَن يَقِفُوا عِندَ قَولِهِم فِي الشَّرعِ، لِأَنَّهُم يَستَمِدُّونَ أَحكَامَهُم مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُم وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ الَّذِينَ وَرِثُوا عِلمَهُم وَوَظِيفَتَهُم فِي الدَّعوَةِ إِلَى دِينِ اللهِ وَالدِّفَاعِ عَنهُ وَالذَّبِّ عَن حِيَاضِهِ.
❁ لِذَلِكَ فَإِنَّ اعتِمَادَ الأُمَّةِ فِي مَعرِفَةِ مَا أَشكَلَ عَلَيهِم مِن أُمُورِ دِينِهِم عَلَى العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، يَقِفُونَ عِندَ قَولِهِم، وَيَصدُرُونَ عَلَى رَأيِهِم، وَيَهتَدُونَ بِهَديِهِم، لِأَنَّهُم أَصحَابُ الدَّلِيلِ، يَقُولُونَ بِالقُرآنِ وَالتَّنزِيلِ، وَيَحكُمُونَ بِمَا أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِهِ، وَيَهتَدُونَ بِهَديِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَا يُقبَلُ قَولُ الوَاحِدِ مِنهُم إِلَّا بِالدَّلِيلِ.
❁ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُل هَاتُوا بُرهَانَكُم إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾، [سورة البقرة: 111]، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيسَ البَيَانُ كَثرَةَ الكَلَامِ، وَلَكِنَّ البَيَانَ الفَصلُ فِي الحَقِّ» رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
❁ وَقَد تَكَلَّمَ العُلَمَاءُ فِي مَسأَلَةٍ مِن مَسَائِلِ الدِّينِ المِفصَلِيَّةِ، وَرَدُّوا شُبَهَ المُخَالِفِينَ فِيهَا وَفَنَّدُوا أَقوَالَهُم بِالدَّلِيلِ، وَهِيَ مَسأَلَةُ العَمَلِ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبِمَا جَاءَ عَنهُ مِن أَقوَالٍ وَأَفعَالٍ وَأَحوَالٍ، وإِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى سَنَزِيدُ البَيَانَ فِي تَفنِيدِ هَذِهِ الشُّبَهِ اعتِمَادًا عَلَى أَقوَالِ عُلَمَاءِ الإِسلَامِ فِيهَا.
*❖ أَقوالُ العُلَماءِ فِي الرَّدِّ عَلَى مُنكِرِي السُّنَّةِ*
*❖ مِن كَلامِ الإِمامِ الشّافِعِيِّ*
❁ ذَكَرَ الزَّركَشِيُّ فِي البَحرِ المُحِيطِ وَغَيرُهُ أَنَّ الإِمَامَ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَوَى يَومًا حَدِيثًا وَقَالَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَتَقُولُ بِهِ يَا أَبَا عَبدِ اللهِ؟ فَاضطَرَبَ وَقَالَ: يَا هَذَا أَرَأَيتَنِي كَافِرًا؟ أَروِي حَدِيثًا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا أَقُولُ بِهِ؟!.
❁ وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الرِّسَالَةِ وَنَقَلَهُ عَنهُ البَيهَقِيُّ فِي المَدخَلِ: قَد وَضَعَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ مِن دِينِهِ وَفَرضِهِ وَكِتَابِهِ المَوضِعَ الَّذِي أَبَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ عَلَمًا لِدِينِهِ بِمَا افتَرَضَ مِن طَاعَتِهِ وَحَرَّمَ مِن مَعصِيَتِهِ، وَأَبَانَ مِن فَضِيلَتِهِ بِمَا قَرَنَ بَينَ الإِيمَانِ بِرَسُولِهِ الإِيمَانَ بِهِ، فَفَرَضَ اللهُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ وَحيِهِ وَسُنَنَ رَسُولِهِ (أَي شَرِيعَتَهُ)، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَقَد مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِن أَنفُسِهِم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، [سورة آل عمران: 164]، مَعَ آيٍ سِوَاهَا ذَكَرَ فِيهِنَّ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ.
❁ وَفِي الأُمِّ لِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: أَخبَرَنَا سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ عَن سَالِمٍ أَبِي النَّضرِ عَن عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبِي رَافِعٍ عَن أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأتِيهِ الأَمرُ مِمَّا أَمَرتُ بِهِ أَو نَهَيتُ عَنهُ، فَيَقُولُ: لاَ أَدرِي، مَا وَجَدنَا في كِتَابِ اللهِ اتَّبَعنَاهُ»، وَمِثلُ هَذَا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالحَجَّ جُملَةً فِي كِتَابِهِ، وَبَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعنَى مَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى مِن عَدَدِ الصَّلَاةِ وَمَوَاقِيتِهَا، وَعَدَدِ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَسُنَنِ الحَجِّ وَمَا يَعمَلُ المَرءُ مِنهُ وَيَجتَنِبُ، وَأَيِّ المَالِ تُؤخَذُ مِنهُ الزَّكَاةُ، وَكَم، وَوَقتِ مَا تُؤخَذُ مِنهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا تَكُونُ سُنَّةٌ أَبَدًا تُخَالِفُ القُرآنَ، وَاللهُ تَعَالَى المُوَفِّقُ.
❁ وَرَوَى الخَطِيبُ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فَرَضَ اللهُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ وَحيِهِ وَسُنَنَ رَسُولِهِ (أَي شَرِيعَتَهُ)، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿رَبَّنَا وَابعَث فِيهِم رَسُولًا مِنهُم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَيُزَكِّيهِم إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، [سورة البقرة: 129]، وَقَالَ: ﴿كَمَا أَرسَلنَا فِيكُم رَسُولًا مِنكُم يَتلُو عَلَيكُم آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُم وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَا لَم تَكُونُوا تَعلَمُونَ﴾، [سورة البقرة: 151]، وَقَالَ: ﴿لَقَد مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِن أَنفُسِهِم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، [سورة آل عمران: 164]، وَقَالَ: ﴿وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللَّهِ عَلَيكُم وَمَا أَنزَلَ عَلَيكُم مِنَ الكِتَابِ وَالحِكمَةِ يَعِظُكُم بِهِ﴾، [سورة البقرة: 231]، وَقَالَ اللهُ: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيكَ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَم تَكُن تَعلَمُ وَكَانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظِيمًا﴾، [سورة النساء: 113]، وَقَالَ: ﴿وَاذكُرنَ مَا يُتلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِن آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، [سورة الأحزاب: 34]، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَذَكَرَ اللهُ الكِتَابَ وَهُوَ القُرآنُ، وَذَكَرَ الحِكمَةَ، فَسَمِعتُ مَن أَرضَى مِن أَهلِ العِلمِ بِالقُرآنِ يَقُولُ: الحِكمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا يُشبِهُ مَا قَالَ – وَاللهُ أَعلَمُ – لِأَنَّ القُرآنَ ذُكِرَ وَأَتبَعَهُ الحِكمَةَ، وَذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مَنَّهُ عَلَى خَلقِهِ بِتَعلِيمِهِمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ، فَلَم يَجُز -وَاللهُ أَعلَمُ – أَن يُقَالَ الحِكمَةُ هَا هُنَا إِلَّا سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَقرُونَةٌ مَعَ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
❁ وَرُوِيَ عَن قَتَادَةَ: ﴿وَاذكُرنَ مَا يُتلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِن آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، [سورة الأحزاب: 34]، قَالَ: القُرآنُ وَالسُّنَّةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَد سَنَّ (أَي شَرَعَ حُكمًا فِي الدِّينِ) رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ كِتَابِ اللهِ، وَسَنَّ فِيمَا لَيسَ فِيهِ بِعَينِهِ نَصُّ كِتَابٍ، وَكُلُّ مَا سَنَّ فَقَد أَلزَمَنَا اللهُ اتِّبَاعَهُ (أَيِ الشَّرِيعَةِ)، وَجَعَلَ فِي اتِّبَاعِهِ طَاعَتَهُ، وَفِي عَدَمِ اتِّبَاعِهَا (أَيِ الشَّرِيعَةِ) مَعصِيَتَهُ الَّتِي لَم يَعذُر بِهَا خَلقًا، وَلَم يَجعَل لَهُ مِن تَركِ اتِّبَاعِ سُنَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (أَيِ الشَّرِيعَةِ) مَخرَجًا، وَمَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَي شَرَعَ) فِيمَا لَيسَ للهِ فِيهِ حُكمٌ فَبِحُكمِ اللهِ سَنَّهُ، وَكَذَلِكَ أَخبَرَنَا اللهُ تَعَالَى فِي قَولِهِ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾، [سورة الشورى: 52].
*❖ مِمّا نَقَلَهُ الخَطيبُ البَغدادِيُّ عَن أَهلِ العِلمِ*
❁ رَوَى الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ في [الفَقِيهِ وَالمُتَفَقِّهِ] عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّنَّةِ فَقَالَ: السُّنَّةُ (أَيِ الشَّرِيعَةُ) مَا سَنَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي الدِّينِ مَا لَم يَنزِل بِهِ كِتَابٌ، فَأَمَّا مَا بُيِّنَ فِي الكِتَابِ فَذَلِكَ أَمرُ اللهِ وَقَضَاؤُهُ، فَيُقَالُ: هَذَا كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ ﷺ، قُلتُ: فَالسُّنَّةُ مَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ، فَيَلزَمُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ (أَيِ الشَّرِيعَةِ)، لِأَنَّ اللهَ أَوجَبَ طَاعَتَهُ عَلَى الخَلقِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ﴾، [سورة آل عمران: 131-132]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾، [سورة النساء: 69]، وَقَالَ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحذَرُوا فَإِن تَوَلَّيتُم فَاعلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا البَلَاغُ المُبِينُ﴾، [سورة المائدة: 92]، وَقَالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرسَلنَاكَ عَلَيهِم حَفِيظًا﴾، [سورة النساء: 80]، وَقَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾، [سورة الحشر: 7].
❁ وَعَن أَبِي بَكرٍ الهُذَلِيِّ عَنِ الحَسَنِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ﴾، [سورة البقرة: 129]، قَالَ: الكِتَابُ القُرآنُ، وَالحِكمَةُ السُّنَّةُ.
*❖ مِن كَلامِ الإِمامِ البَيهَقِيِّ*
❁ قَالَ البَيهَقِيُّ في [المَدخَلِ] بَعدَ إِحكَامِهِ هَذَا الفَصلَ: وَلَولَا ثُبُوتُ الحُجَّةِ بِالسُّنَّةِ (أَي مَا وَرَدَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ) لَمَا قَالَ ﷺ فِي خُطبَتِهِ بَعدَ تَعلِيمِ مَن شَهِدَهُ أَمرُ دِينِهِم: «أَلَا فَليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنكُمُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوعَى مِن سَامِعٍ»، ثُمَّ أَورَدَ حَدِيثَ: «نَضَّرَ اللهُ امرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوعَى مِن سَامِعٍ» وَهَذَا الحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ.
*❖ مِن كَلامِ الإِمامِ السَّمعانِيِّ*
❁ وَفِي [أَدَبِ الإِملَاءِ وَالِاستِملَاءِ] لِلسَّمعَانِيِّ: وَأَلفَاظُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا بُدَّ لَهَا مِنَ النَّقلِ وَلَا تُعرَفُ صِحَّتُهَا إِلَّا بِالإِسنَادِ الصَّحِيحِ، وَالصِّحَّةُ فِي الإِسنَادِ لَا تُعرَفُ إِلَّا بِرِوَايَةِ الثِّقَةِ عَنِ الثِّقَةِ وَالعَدلِ عَنِ العَدلِ.
*❖ مِن كَلامِ الإِمامِ الماوَردِيِّ*
❁ وَفِي [الحَاوِي الكَبِيرِ] لِلمَاوَردِيِّ: قَولُهُ ﷺ: «مَا جَاءَكُم عَنِّي فَاعرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى»، فَمَعنَاهُ: مَا لَم يَكُن فِي كِتَابِ اللهِ نَصٌّ يَدفَعُهُ فَخُذُوا بِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا أُلفيَنَّ أَحَدَكُم مُتَّكِئًَا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأتِيهِ الأَمرُ مِن أَمرِي مِمَّا أَمَرتُ بِهِ أَو نَهَيتُ عَنهُ فَيَقُولُ: لاَ أَدرِيَ، مَا وَجَدنَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى اتَّبَعنَاهُ»، هَذَا مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾، [سورة الحشر: 7].
*❖ مِن كَلامِ الإِمامِ الشّاطِبِيِّ*
❁ وَفِي [المُوَافَقَاتِ] لِلشَّاطِبِيِّ: كُلُّ أَبوَابِ الفِقهِ لَيسَ مِنهَا بَابٌ إِلَّا وَلَهُ أَصلٌ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَعلَمُهُ وَالحَمدُ للهِ، حَاشَ القِرَاضَ، فَمَا وَجَدنَا لَهُ أَصلًا فِيهِمَا أَلبَتَّةَ، إِلَى آخِرِ مَا قَالَ: وَأَنتَ تَعلَمُ أَنَّ القِرَاضَ نَوعٌ مِن أَنوَاعِ الإِجَارَةِ، وَأَصلُ الإِجَارَةِ فِي القُرآنِ ثَابِتٌ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ إِقرَارُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعَمَلُ الصَّحَابَةِ بِهِ، وَلِقَائِلٍ أَن يَقُولَ: إِنَّ هَذَا غَيرُ صَحِيحٍ، لِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ المَسَائِلِ وَالقَوَاعِدِ غَيرِ المَوجُودَةِ فِي القُرآنِ، وَإِنَّمَا وُجِدَت فِي السُّنَّةِ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ مِن قَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا أُلفيَنَّ أَحَدَكُم مُتَّكِئًَا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأتِيهِ الأَمرُ مِن أَمرِي مِمَّا أَمَرتُ بِهِ أَو نَهَيتُ عَنهُ فَيَقُولُ: لاَ أَدرِيَ، مَا وَجَدنَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى اتَّبَعنَاهُ»، وَهَذَا ذَمٌّ، وَمَعنَاهُ اعتِمَادُ السُّنَّةِ أَيضًا، وَيُصَحِّحُهُ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذَٰلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلًا﴾، [سورة النساء: 59]، قَالَ مَيمُونُ بنُ مَهرَانَ: الرَّدُّ إِلَى اللهِ الرَّدُّ إِلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ إِذَا كَانَ حَيًّا، فَلَمَّا قَبَضَهُ اللهُ فَالرَّدُّ إِلَى سُنَّتِهِ ﷺ.
*❖ مِن كَلامِ القاضِي عِياضٍ*
❁ وَفِي [الشِّفَا] لِلقَاضِي عِيَاضٍ قَالَ: وَأَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَامتِثَالِ سُنَّتِهِ (أَي شَرِيعَتِهِ) وَالِاقتِدَاءِ بِهَديِهِ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللَّهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [سورة آل عمران: 31]، وَقَالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ﴾، [سورة الأعراف: 158].
❁ وَقَالَ: وَمُخَالََفَةُ أَمرِهِ وَتَبدِيلُ سُنَّتِهِ (أَي شَرِيعَتِهِ) ضَلَالٌ وَبِدعَةٌ مُتَوَعَّدٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِ بِالخِذلَانِ وَالعَذَابِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَليَحذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أَمرِهِ أَن تُصِيبَهُم فِتنَةٌ أَو يُصِيبَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، [سورة النور: 63].
❁ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلَيُذَادُنَّ رِجَالٌ عَن حَوضِي كَمَا يُذَادُّ البَعِيرُ الضَّالُّ، فَأُنَادِيهِم: أَلَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُم قَد بَدَّلُوا بَعدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحقًا، فَسُحقًا، فَسُحقًا»، وَقَالَ ﷺ: «مَن رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي»، وَالسُّنَّةُ هُنَا الشَّرِيعَةُ.
❁ وَمِن أَعظَمِ مَا أَحتَجَّ بِهِ أَئِمَّتُنَا عَلَى بُطلَانِ هَذَا المَذهَبِ وَفَسَادِهِ مَا أَخرَجَهُ البَيهَقِيُّ بِسَنَدِهِ عَن شُعَيبِ بنِ أَبِي فَضَالَةَ المَكِّيِّ أَنَّ عِمرَانَ بنَ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ذَكَرَ الشَّفَاعَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: يَا أَبَا نُجَيدٍ إِنَّكُم تُحَدِّثُونَنَا بِأَحَادِيثَ لَم نَجِد لَهَا أَصلًا فِي القُرآنِ، فَغَضِبَ عِمرَانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَقَالَ للرَّجُلِ: قَرَأتَ القُرآنَ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَهَل وَجَدتَ فِيهِ صَلَاةَ العِشَاءِ أَربَعًا، وَوََجَدتَ المَغرِبَ ثَلَاثًا، وَالغَدَاةَ رَكعَتَينِ، وَالظُّهرَ أَربَعًا، وَالعَصرَ أَربَعًا قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَمَّن أَخَذتُم ذَلِكَ؟ أَخَذتُمُوهُ وَأَخَذنَاهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَ أَشيَاءَ فِي أَنصِبَةِ الزَّكَاةِ، وَتََفَاصِيلِ الحَجِّ وَغَيرِهِمَا، وَخََتَمَ بِقَولِهِ: أَمَا سَمِعتُمُ قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾، [سورة الحشر: 7]، قَالَ عِمرَانُ: فَقَد أَخَذنَا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَشيَاءَ لَيسَ لَكُم بِهَا عِلمٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ وَالحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ.
*❖ مِن كَلامِ الإِمامِ السُّيوطِيِّ*
❁ أَلَّفَ الفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ مُؤَلَّفًا فِي الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ مُنكِرِي الِاحتِجَاجِ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَفَنَّدَ أَقوَالَهُم وَنَقَلَ أَقوَالَ أَهلِ العِلمِ فِي الرَّدِّ عَلَيهِم، وَكِتَابُهُ المَذكُورُ هُوَ (مِفتَاحُ الجَنَّةِ فِي الِاحتِجَاجِ بِالسُّنَّةِ)، قَالَ فِي بِدَايَتِهِ: اعلَمُوا – يَرحَمُكُمُ اللهُ – أَنَّ مِنَ العِلمِ كَهَيئَةِ الدَّوَاءِ. وَمِنَ الآرَاءِ كَهَيئَةِ الخَلَاءِ. لَا تُذكَرُ إِلَّا عِندَ دَاعِيَةِ الضَّرُورَةِ، وَأَنَّ مِمَّا فَاحَ رِيحُهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَكَانَ دَارِسًا (أَي مُنقَضِيًا فَانِيًا) بِحَمدِ اللهِ تَعَالَى مُنذُ أَزمَانٍ، وَهُوَ أَنَّ قَائِلًا أَكثَرَ فِي كَلَامِهِ أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّة وَالأَحَادِيثَ المَروِيَّةَ – زَادَهَا اللهُ عُلُوًّا وَشَرَفًا – لَا يُحتَجُّ بِهَا، وَأَنَّ الحُجَّةَ فِي القُرآنِ خَاصَّةً.اهـ وَخَتَمَهُ بِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ عَن رَسُول الله ﷺ وَقُلتُ قَولًا فَأَنَا رَاجِعٌ عَن قَولِي وَقَائِلٌ بِذَلِكَ»، وَأَخرَجَ عَنِ الزَّعفَرَانِيِّ قَالَ: «إِذَا وَجَدتُم لِرَسُولِ اللهِ ﷺ سُنَّةً فَاتَّبِعُوهَا وَلَا تَلتَفِتُوا إِلَى قَولِ أَحَدٍ»، انتَهَى وَاللهُ أَعلَمُ.اهـ
❁ وَمِمّا يَزيدُ مَنهَجَ السُّيوطِيِّ وُضوحًا أَنَّهُ لَم يَجعَلِ الكَلامَ فِي السُّنَّةِ مُجرَّدَ تَقرِيرٍ نَظَرِيٍّ، بَل ساقَ الآياتِ وَالأَحاديثَ وَآثارَ الصَّحابَةِ وَنُقولَ الأَئِمَّةِ لِيُثبِتَ أَنَّ دَعوى «الحُجَّةُ فِي القُرآنِ خاصَّةً» دَعوى قَديمَةٌ فاسِدَةٌ، وَأَنَّ الحَديثَ المَنسوبَ إِلَى عَرضِ كُلِّ حَديثٍ عَلَى القُرآنِ بِصُورَةٍ تُبطِلُ حُجِّيَّةَ السُّنَّةِ حَديثٌ باطِلٌ لا يَصِحُّ، بَل يَنعَكِسُ عَلَى نَفسِهِ؛ إِذ لَيسَ فِي القُرآنِ دَلالَةٌ عَلَى رَدِّ ما صَحَّ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ. [مفتاح الجنة، ص 9-10]
*❖ خاتِمَةُ نُقُولِ العُلَماءِ*
❁ لِيُعلَم أَنَّ الحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ أَو حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سُنَّتِهِ، كَمَا أَنَّ الوَاجِبَ مَا أَوجَبَهُ اللهُ أَو أَوجَبَهُ رَسُولُهُ ﷺ، وَمَن زَعَمَ الِاكتِفَاءَ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ وَالِاستِغنَاءَ بِهِ عَنِ السُّنَّةِ فَقَد خَلَعَ رِبقَةَ الإِسلَامِ مِن عُنُقِهِ، وَكَانَ فِي زَعمِهِ لِلإِسلَامِ وَاكتِفَائِهِ بِالقُرآنِ كَاذِبًا.
❁ وَقَد أَمَرَ اللهُ تَعَالَى الأُمَّةَ أَن تَتَّبِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ مِن عِندِ اللهِ، يَقُولُ اللهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرسَلنَاكَ عَلَيهِم حَفِيظًا﴾، [سورة النساء: 80].
❁ وَقَد وَرَدَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَو كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ.
❁ فَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ شَارِحَةٌ لِلقُرآنِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، وَقَد تَأتِي مُنشِئَةً لِلأَحكَامِ، لِأَنَّهَا وَحيٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِلَى رَسُولِهِ الكَرِيمِ ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي القُرآنِ الَّذِي يَزعُمُ هَؤُلَاءِ أَنَّهُم يَتَّبِعُونَهُ: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ * إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحَىٰ﴾، [سورة النجم: 3،4].
❁ فَمَن رَدَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ الشَّرِيفَةَ وَزَعَمَ الِاكتِفَاءَ بِالقُرآنِ لَم يُمكِنهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ وَلَا إِخرَاجُ الزَّكَاةِ وَلَا الحَجِّ وَلَا أَدَاءُ كَثِيرٍ مِنَ العِبَادَاتِ الَّتِي وَرَدَ تَفصِيلُهَا فِي السُّنَّةِ، فَأَينَ يَجِدُ المُسلِمُ فِي القُرآنِ أَنَّ صَلَاةَ الصُّبحِ رَكعَتَانِ، وَأَنَّ الظُّهرَ وَالعَصرَ وَالعِشَاءَ أَربَعٌ، وَالمَغرِبَ ثَلَاثٌ؟ وَهَل يَجِدُ فِي القُرآنِ كَيفِيَّةَ أَدَاءِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ وَبَيَانَ مَوَاقِيتِهَا؟ إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحكَامِ، وَإِنَّ السُّنَّةَ تَستَقِلُّ بِإِيجَابِ بَعضِ العِبَادَاتِ، وَتَستَقِلُّ بِتَحرِيمِ بَعضِ الأُمُورِ أَيضًا، فَبِهَذَا يُعلَمُ قَطعًا أَنَّهُ لَا يُمكِنُ لِأَحَدٍ أَن يَكتَفِيَ بِالقُرآنِ وَحدَهُ دُونَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ الصَّحِيحَةِ.
❁ وَفِي الأَخِيرِ نُنَبِّهُ إِلَى خَطَأِ وَخَطَرِ تَسمِيَةِ مُنكِرِي السُّنَّةِ بِالقُرآنِيِّينَ!! فَمَا هُم بِقُرآنِيِّينَ، لِأَنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ أَوجَبَ طَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا يَقرُبُ مِن مِائَةِ آيَةٍ، وَاعتَبَرَ طَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ مِن طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَل إِنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ الَّذِي يَدَّعُونَ التَّمَسُّكَ بِهِ نَفَى الإيمَانَ عَمَّن رَفَضَ طَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ وَلَم يَقبَل حُكمَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾، [سورة النساء: 65]، فَلَو كَانُوا يَتَّبِعُونَ القُرآنَ كَمَا يَزعُمُونَ لَمَا أَنكَرُوا مَا أَوجَبَ اللهُ اتِّبَاعَهُ، بَل هُم زَنَادِقَةٌ وَأَهلُ زَيغٍ وَخُسرَانٍ، حَفِظَنَا اللهُ مِنَ الزَّلَلِ وَالزَّيغِ وَالضَّلَالِ.
*❖ خَاتِمَةٌ*
❁ وَبَعدُ؛ فَإِنَّ الكَلامَ عَلَى إِنكارِ السُّنَّةِ لَيسَ حَديثًا عَن فِرقةٍ عابِرَةٍ وَحسبُ، بَل هُوَ حَديثٌ عَن مَنهَجٍ يَتَكرَّرُ فِي التَّاريخِ كُلَّما ضَعُفَ العِلمُ، وَقَوِيَ الهَوى، وَتَزَيَّا الباطِلُ بِشِعارِ الحَقِّ. وَأَنَّهُ يَبدَأُ بِالدَّعوَةِ إِلَى تَعظيمِ القُرآنِ، ثُمَّ يَنتَهِي إِلَى تَعطيلِ دَلالاتِهِ، وَإِسقاطِ مَرجِعِيَّتِهِ العَمَلِيَّةِ، لِأَنَّهُ يَفصِلُهُ عَمَّن أُنزِلَ عَلَيهِ، وَعَمَّن بَيَّنَهُ لِلنّاسِ، وَعَمَّن تَلَقَّوهُ عَنهُ بِفَهمٍ وَعَمَلٍ وَتَطبيقٍ.
❁ فَنَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يَحفَظَ عَلَى المُسلِمينَ دِينَهُم، وَأَن يَرزُقَهُم تَعظيمَ كِتابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَأَن يَقِيَهُم فِتَنَ الشُّبُهاتِ وَالأَهواءِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن أَهلِ الاِتِّباعِ وَالبَصيرَةِ وَالصِّدقِ، وَأَن يُعيذَنا مِن مَسالِكِ الغُلُوِّ وَالجَفاءِ، وَمِنَ الاِنتِقاصِ لِمَقامِ النُّبُوَّةِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
وَكَتَبَهُ الرّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبّاغُ
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
________________________________________
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
________________________________________
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي:
00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
________________________________________
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
________________________________________.
|
|