*حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَمَكَانَتُهَا فِي بُنيَانِ الدِّينِ وَمَنهَجُ الصَّحَابَةِ فِي العَمَلِ بِهَا*
*❖ مُقَدِّمَةٌ*
❁ تَتَنَاوَلُ هٰذِهِ المَقَالَةُ أَصلًا عَظِيمًا مِن أُصولِ فَهمِ الدِّينِ، وَهُوَ حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَمَكَانَتُهَا فِي بُنيَانِ الشَّرِيعَةِ، وَعَلاقَتُهَا بِالقُرآنِ الكَرِيمِ بَيَانًا وَتَفصِيلًا وَتَطبِيقًا. وَالمَقصُودُ هُنا تَثبِيتُ الأَصلِ العِلمِيِّ الَّذِي تَقُومُ عَلَيهِ سَائِرُ الرُّدُودِ عَلَى مُنكِرِي السُّنَّةِ؛ إِذ لا يَستَقِيمُ الكَلَامُ عَلَى الجُذُورِ وَالشُّبُهَاتِ وَالفِرَقِ قَبلَ بَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ وَحيٌ وَحُجَّةٌ، وَأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَم يَكُن مُجَرَّدَ مُبَلِّغٍ لِلَّفظِ القُرآنِيِّ، بَل كانَ مُبَيِّنًا وَمُعَلِّمًا وَمُزَكِّيًا وَقُدوَةً فِي العَمَلِ وَالتَّطبِيقِ.
❁ وَتَظهَرُ أَهَمِّيَّةُ هٰذَا الأَصلِ عِندَ النَّظَرِ فِي مَنهَجِ الصَّحَابَةِ وَالخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّهُم كَانُوا يَرجِعُونَ إِلَى خَبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَترُكُونَ الرَّأيَ وَالاِجتِهَادَ عِندَ ثُبُوتِ السُّنَّةِ، وَيَرَونَ أَنَّ مُعَارَضَةَ الخَبَرِ الثَّابِتِ بِالرَّأيِ أَو الذَّوقِ أَو الفَهمِ المُجَرَّدِ خُرُوجٌ عَن سَبِيلِ الاِتِّبَاعِ. وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ تَتَأَسَّسُ هٰذِهِ المَقَالَةُ.
*❖ تَمهِيدٌ*
❁ إِنَّ الخِلَافَ حَولَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ لَيسَ خِلَافًا فِي مَسأَلَةٍ فَرعِيَّةٍ، وَلَا نِزَاعًا فِي رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ يُمكِنُ حَصرُهُ فِي بَابِ التَّصحِيحِ وَالتَّضعِيفِ؛ بَل هُوَ خِلَافٌ يَمَسُّ مَعنَى الرِّسَالَةِ، وَمَكَانَةَ الرَّسُولِ ﷺ، وَالطَّرِيقَ الَّذِي تُفهَمُ بِهِ الشَّرِيعَةُ وَتُطَبَّقُ أَحكَامُهَا.
❁ فَإِذَا نُزِعَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَقُّ البَيَانِ وَالتَّعلِيمِ وَالحُكمِ، تَحَوَّلَ القُرآنُ عِندَ كُلِّ قَارِئٍ إِلَى نَصٍّ يُعِيدُ تَشكِيلَهُ وَفقَ رَأيِهِ وَثَقَافَتِهِ وَهَوَاهُ، وَانقَطَعَتِ الأُمَّةُ عَنِ التَّطبِيقِ النَّبَوِيِّ الَّذِي نَقَلَ الوَحيَ مِنَ المَعنَى النَّظَرِيِّ إِلَى الحَيَاةِ العَمَلِيَّةِ.
❁ وَلِهٰذَا فَإِنَّ الدِّفَاعَ عَنِ السُّنَّةِ لَيسَ دِفَاعًا عَن تُرَاثٍ بَشَرِيٍّ مُجَرَّدٍ، بَل هُوَ دِفَاعٌ عَنِ البَيَانِ الَّذِي أَمَرَ القُرآنُ بِاتِّبَاعِهِ، وَعَنِ المَنهَجِ الَّذِي فَهِمَ بِهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ دِينَ اللهِ، وَعَنِ الصِّلَةِ الَّتِي تَجمَعُ الكِتَابَ بِمُبَيِّنِهِ وَمُعَلِّمِهِ ﷺ.
❁ وَيَزيدُ هٰذَا المَعنى وُضوحًا ما قَرَّرَهُ الحافِظُ جَلالُ الدِّينِ السُّيوطِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي صَدرِ كِتابِهِ [مِفتاحُ الجَنَّةِ فِي الاِحتِجاجِ بِالسُّنَّةِ]؛ إِذ قالَ فِي بَيانِ مَكانَةِ السُّنَّةِ: «فَإِنَّ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ ﷺ وَحيٌ أَوحاهُ اللهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهِيَ مَعَ كِتابِ اللهِ العَزِيزِ أَساسُ الدِّينِ الإِسلامِيِّ وَمَصدَرُهُ، وَهُما مَعًا مُتَلازِمانِ تَلازُمَ شَهادَةِ أَن لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَشَهادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، وَمَن لَم يُؤمِن بِالسُّنَّةِ لَم يُؤمِن بِالقُرآنِ».
*❖ مُقَدِّمَةٌ فِي خَطَرِ مَسلَكِ إِنكَارِ السُّنَّةِ*
❁ ولَا يَصِحُّ أَن يُنظَرَ إِلَى الهُجُومِ عَلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ مَسأَلَةٍ عِلمِيَّةٍ مَحضَةٍ، وَلَا خِلافًا مَنهَجِيًّا مَحدودًا فِي بَعضِ طُرُقِ التَّثَبُّتِ وَالاِستِنباطِ، بَل كانَ ـ فِي جُملَتِهِ ـ مَدخلًا إِلَى نَزعِ سُلطانِ النُّبُوَّةِ، وَفَصلِ القُرآنِ عَن بَيانِ الرَّسولِ ﷺ، وَإِطلاقِ العَقلِ وَالهَوى فِي نُصوصِ الوَحيِ بِغَيرِ ضابِطٍ وَلَا مِيزانٍ. وَمَن تَأَمَّلَ تَارِيخَ الفِرَقِ وَالمَذاهِبِ وَالاتِّجاهاتِ المُحدَثَةِ، رَأَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يَبدَأُ بِهِ المُنحَرِفونَ هُوَ التَّهوينُ مِن قَدرِ السُّنَّةِ، ثُمَّ الاِعتِراضُ عَلَى بَعضِها، ثُمَّ رَدُّها بِالعُقولِ، ثُمَّ الاِكتِفاءُ بِالقُرآنِ دُونَ بَيانِ الرَّسولِ ﷺ، ثُمَّ لا يَلبَثُ الأَمرُ أَن يَنقَلِبَ فَوضى فِي العَقيدَةِ، وَاضطِرابًا فِي العِبادَةِ، وَانفِلاتًا فِي الأَحكامِ.
❁ وَالحَقُّ أَنَّ القَضِيَّةَ فِي جَوهَرِهَا لَيسَت دِفاعًا عَن مَصدَرٍ فَرعِيٍّ فِي مُقابِلِ مَصدَرٍ أَصلِيٍّ، كَما يُرادُ لِلنّاسِ أَن يَفهَمُوا، بَل هِيَ دِفاعٌ عَن بُنيانِ الرِّسالَةِ نَفسِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعالى لَم يُنزِلِ القُرآنَ كِتابًا مَفصولًا عَن صَاحِبِهِ، وَلَا شَريعَةً مُجرَّدَةً عَن مُبَيِّنِها، بَل جَعَلَ الرَّسولَ ﷺ مُبَلِّغًا وَمُبَيِّنًا وَمُعَلِّمًا وَمُزَكِّيًا، وَجَعَلَ طاعَتَهُ مِن طاعَتِهِ، وَالأَخذَ عَنهُ مِن صُلبِ الاِمتِثالِ لِوَحيِهِ. وَمِن هُنا كانَ إِنكارُ السُّنَّةِ فِي حَقيقَتِهِ نَيلًا مِن مَقامِ الرِّسالَةِ، وَنَقضًا لِمَعنى الاِتِّباعِ، وَتَحويلًا لِلدِّينِ مِن وَحيٍ مُتَّبَعٍ إِلَى فَهمٍ شَخصِيٍّ مُتَقَلِّبٍ تَحكُمُهُ الأَمزِجَةُ وَالتَّأوِيلاتُ.
❁ وَإِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى قَد جَعَلَ طَاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ مِن طَاعَتِهِ، وَالأَخذَ عَنهُ مِن صُلبِ الامتِثالِ لِوَحيِهِ، فَإِنَّ تَركَ سُنَّتِهِ لَيسَ أَمرًا هَيِّنًا، بَل هُوَ مِن أَخطَرِ أَبوابِ الانحِرافِ عَن مَنهَجِ النُّبُوَّةِ. وَقَد أَورَدَ البَيهَقِيُّ بِإِسنادِهِ عَن عائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنها، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «سِتَّةٌ لَعَنَهُمُ اللهُ، وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجابُ الدَّعوَةِ: الزّائِدُ فِي كِتابِ اللهِ، وَالمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ، وَالمُتَسَلِّطُ بِالجَبَروتِ لِيُذِلَّ بِذٰلِكَ مَن أَعَزَّ اللهُ، وَيُعِزَّ مَن أَذَلَّ اللهُ، وَالمُستَحِلُّ لِحَرَمِ اللهِ، وَالمُستَحِلُّ مِن عِترَتِي ما حَرَّمَ اللهُ، وَالتّارِكُ لِسُنَّتِي». فَذِكرُ «التّارِكِ لِسُنَّتِي» فِي هٰذَا السِّياقِ يَدُلُّ عَلَى خُطورَةِ الإِعراضِ عَن سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّها لَيسَت أَمرًا زائِدًا عَنِ الدِّينِ، بَل هِيَ مِن صُلبِ طاعَتِهِ وَاتِّباعِهِ.
❁ وَقَد جاءَت نُصوصٌ أُخرى تُرَغِّبُ فِي التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ وَإِحيائِها، خُصوصًا عِندَ فَسادِ الزَّمانِ وَغُربَةِ الدِّينِ؛ فَمِن ذٰلِكَ ما رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَترَةً، فَمَن كانَت فَترَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهتَدَى، وَمَن كانَت إِلَى غَيرِ ذٰلِكَ فَقَد هَلَكَ». وَرُوِيَ عَن أَنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن أَحيا سُنَّتِي فَقَد أَحَبَّنِي، وَمَن أَحَبَّنِي كانَ مَعِيَ فِي الجَنَّةِ». وَرُوِيَ عَن أَبي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «القائِمُ بِسُنَّتِي عِندَ فَسادِ أُمَّتِي لَهُ أَجرُ مِائَةِ شَهِيدٍ». وَالمَقصودُ مِن هٰذِهِ النُّصوصِ أَنَّ السُّنَّةَ مَنهَجُ نَجاةٍ، وَأَنَّ التَّمَسُّكَ بِها يَشتَدُّ فَضلُهُ كُلَّما اشتَدَّت غُربَتُها، وَكَثُرَ المُعرِضونَ عَنها.
*❖ أَوَّلًا: مَكانَةُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي بُنيانِ الدِّينِ*
❁ إِنَّ القُرآنَ الكَريمَ كِتابُ هِدايَةٍ وَتَشريعٍ وَأُصولٍ وَكُلِّيّاتٍ، وَلٰكِنَّهُ لَم يَأتِ لِيَسُدَّ بَابَ البَيانِ النَّبَوِيِّ، بَل جَاءَ مُقَرِّرًا لَهُ وَمُحيلًا عَلَيهِ. فَلَيسَ كُلُّ ما فِي الدِّينِ مِن تَفصيلٍ وَتَطبيقٍ وَتَقييدٍ وَبَيانٍ مَذكورًا فِي القُرآنِ عَلَى سَبيلِ الجُزئِيَّةِ، وَإِلَّا فَكَيفَ تُعرَفُ هَيئَةُ الصَّلاةِ، وَأَعدادُ رَكَعاتِها، وَأَوقَاتُها، وَتَفاصيلُ الزَّكاةِ، وَأَعمالُ الحَجِّ، وَغَيرُ ذٰلِكَ مِمّا اِتَّفَقَ المُسلِمونَ عَلَى عَمَلِهِ وَتَوارُثِهِ؟ وَقَد نَبَّهَ العُلَماءُ مُبَكِّرًا إِلَى أَنَّ القُرآنَ أَرسَى الأُصولَ، وَأَنَّ الرَّسولَ ﷺ بَيَّنَ المُجمَلَ، وَفَصَّلَ المُجمَلَ، وَأَجابَ عَمّا يَحتاجُ النّاسُ إِلَيهِ فِي التَّطبيِقِ وَالاِمتِثالِ.
❁ وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ يُفهَمُ أَنَّ مَقولَةَ «القُرآنُ وَحدَهُ يَكفِي» إِذا أُريدَ بِها نَفيُ الحاجَةِ إِلَى بَيانِ الرَّسولِ ﷺ فَهِيَ مَقولَةٌ باطِلَةٌ فِي نَفسِها، وَمُناقِضَةٌ لِلوَاقِعِ التَّعبُّدِيِّ الَّذي تَوارَثَتهُ الأُمَّةُ جِيلًا عَن جِيلٍ. فَإِنَّ النّاسَ لَم يَتَعَلَّمُوا الصَّلاةَ مِن مُجرَّدِ الاِستِنباطِ اللُّغَوِيِّ لِآياتِ القُرآنِ، بَل تَلَقَّوها بِالفِعلِ وَالتَّعليمِ وَالتَّوارُثِ العَمَلِيِّ المُتَّصِلِ مِن عَهدِ الصَّحابَةِ إِلَى اليَومِ. وَهٰذا التَّوارُثُ نَفسُهُ يَدلُّ عَلَى أَنَّ الدِّينَ لَم يُبنَ عَلَى نَصٍّ مُنفَرِدٍ عَن مُبَيِّنِهِ، بَل عَلَى وَحيٍ مُتلوٍّ، وَبَيانٍ نَبَوِيٍّ، وَنَقلٍ أُمَّتِيٍّ مُتَّصِلٍ.
❁ وَقَد نَقَلَ السُّيوطِيُّ في [مفتاح الجنة] عَنِ الإِمامِ الشّافِعِيِّ، رَحِمَهُما اللهُ، أَنَّهُ قالَ فِي تَفسيرِ الحِكمَةِ الوارِدَةِ مَعَ الكِتابِ فِي غَيرِ آيَةٍ: «فَذَكَرَ اللهُ الكِتابَ وَهُوَ القُرآنُ، وَذَكَرَ الحِكمَةَ، فَسَمِعتُ مَن أَرضى مِن أَهلِ العِلمِ بِالقُرآنِ يَقولُ: الحِكمَةُ سُنَّةُ رَسولِ اللهِ ﷺ». وَهٰذا يَهدِمُ دَعوى مَن يَزعُمُ أَنَّ القُرآنَ أَحالَ الأُمَّةَ عَلَى نَصٍّ مُجرَّدٍ عَنِ البَيانِ النَّبَوِيِّ؛ فَالقُرآنُ نَفسُهُ قَرَنَ الكِتابَ بِالحِكمَةِ، وَجَعَلَ تَعليمَهُما مِن وَظائِفِ الرَّسولِ ﷺ.
❁ وَمِن أَدلَّةِ تَلازُمِ الكِتابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّ الهِدايَةَ لا تَتِمُّ بِفَصلِ أَحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، ما وَرَدَ فِي خُطبَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَداعِ مِنَ الوَصِيَّةِ بِالتَّمَسُّكِ بِكِتابِ اللهِ وَسُنَّتِهِ؛ فَقَد أَورَدَ البَيهَقِيُّ بِإِسنادِهِ عَن أَبي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِنِّي قَد خَلَّفتُ فِيكُم شَيئَينِ لَن تَضِلُّوا بَعدَهُما أَبَدًا: كِتابَ اللهِ وَسُنَّتِي، وَلَن يَفتَرِقا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ». وَأَورَدَ أَيضًا عَنِ ابنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النّاسَ فِي حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَ: «يا أَيُّها النّاسُ، إِنِّي قَد تَرَكتُ فِيكُم ما إِنِ اعتَصَمتُم بِهِ فَلَن تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتابَ اللهِ وَسُنَّتِي». وَنُقِلَ عَن مالِكِ بنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «الزَم ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَداعِ: أَمرَانِ تَرَكتُهُما فِيكُم، لَن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكتُم بِهِما: كِتابُ اللهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ ﷺ». فَهٰذِهِ النُّصوصُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الوِقايةَ مِنَ الضَّلالِ لا تَكونُ بِدَعوى الِاكتفاءِ بِالقُرآنِ مَعَ رَدِّ السُّنَّةِ، بَل بِالاعتصامِ بِهِما مَعًا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ هِيَ البَيانُ النَّبَوِيُّ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى هاديًا إِلَى فَهمِ كِتابِهِ وَالعَمَلِ بِهِ.
❁ وَمِن أَدلَّةِ بَقاءِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ بَعدَ وَفاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالرَّدِّ إِلَيهِ عِندَ التَّنازُعِ، فَقالَ سُبحانَهُ: ﴿فَإِن تَنازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسولِ﴾، وَقَد نُقِلَ عَن مَيمونِ بنِ مِهرانَ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ فِي مَعنى الآيَةِ: الرَّدُّ إِلَى اللهِ: الرُّجوعُ إِلَى كِتابِهِ، وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسولِ ﷺ بَعدَ قَبضِهِ: الرُّجوعُ إِلَى سُنَّتِهِ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَرجِعِيَّةَ الرَّسولِ ﷺ لَم تَنقَطِع بِوَفاتِهِ، بَل بَقِيَت بِما صَحَّ عَنهُ مِنَ السُّنَنِ وَالأَحكامِ وَالبَيانِ.
❁ وَقَد نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ظُهورِ قَومٍ يَردُّونَ السُّنَّةَ بِدَعوى أَنَّهُم لا يَتَّبِعونَ إِلَّا القُرآنَ؛ فَرُوِيَ عَن أَبي رافِعٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا أَلفِيَنَّ أَحَدَكُم مُتَّكِئًا عَلَى أَريكَتِهِ، يَأتِيهِ الأَمرُ مِن أَمري مِمّا أَمَرتُ بِهِ أَو نَهَيتُ عَنهُ، فَيَقولُ: لا نَدري، ما وَجَدنا فِي كِتابِ اللهِ اتَّبَعناهُ». وَقَد بَيَّنَ الإِمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ فِي هٰذا الحَديثِ تَثبيتًا لِخَبَرِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَإعلامًا لِلأُمَّةِ أَنَّهُ لازِمٌ لَهُم، وَإِن لَم يَجِدوا فِيهِ نَصًّا مُفَصَّلًا فِي كِتابِ اللهِ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيهِم طاعَتَهُ وَالأَخذَ عَنهُ.
❁ وَجاءَ فِي حَديثِ العِرباضِ بنِ سارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ فِي مَعنًى جامِعٍ: «أَيَحسَبُ أَحَدُكُم مُتَّكِئًا عَلَى أَريكَتِهِ أَنَّ اللهَ لَم يُحَرِّم شَيئًا إِلَّا ما فِي هٰذا القُرآنِ؟ أَلا إِنِّي وَاللهِ قَد أَمَرتُ وَوَعَظتُ وَنَهَيتُ عَن أَشياءَ إِنَّها لَمِثلُ القُرآنِ أَو أَكثَرُ». وَالمُرادُ أَنَّ ما ثَبَتَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ مِن أَمرٍ أَو نَهيٍ فَهُوَ حُجَّةٌ شَرعِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ صادِرٌ عَن مَقامِ البَيانِ وَالتَّشريعِ الَّذي جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ، لا أَنَّهُ تَشريعٌ مُستَقِلٌّ عَن وَحيِ اللهِ تَعَالَى.
*❖ وَظِيفَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِي البَيَانِ وَالتَّعلِيمِ وَالتَّطبِيقِ*
❁ مِن أَخطَرِ مَزالِقِ مُنكِرِي السُّنَّةِ أَنَّهُم يَختَزِلونَ الرِّسالَةَ فِي مُجرَّدِ نَقلِ نَصِّ القُرآنِ، وَيُفرِغونَ مَقامَ الرَّسولِ ﷺ مِن وَظيفَتِهِ البَيانيَّةِ وَالتَّعليميَّةِ وَالتَّطبيقيَّةِ. وَهٰذا الاِختِزالُ يُؤَدِّي إِلَى تَفريغِ النُّبُوَّةِ مِن جَوهَرِها العَمَلِيِّ؛ لِأَنَّ الرَّسولَ ﷺ لَم يَكُن مُجرَّدَ قارِئٍ لِلوَحيِ عَلَى النّاسِ، بَل كانَ مُبَيِّنًا لَهُ، وَمُجَسِّدًا لَهُ فِي الوَاقِعِ، وَمُجيبًا عَن أَسئِلَةِ الأُمَّةِ، وَمُوَضِّحًا لِلمُشكِلِ وَالمُجمَلِ، وَهٰذا كُلُّهُ مِن صُلبِ مِهمَّةِ الرِّسالَةِ، لا مِن زَوائِدِها.
❁ وَبِنَاءً عَلَى ذٰلِكَ، فَإِنَّ مَن زَعَمَ أَنَّ الاِكتِفاءَ بِالقُرآنِ يُغنِي عَن السُّنَّةِ، فَقَد نَقَضَ مَعنى الاِتِّباعِ الَّذي جَعَلَهُ اللهُ لِرَسولِهِ ﷺ، وَجَعَلَ النَّصَّ القُرآنِيَّ مُعَلَّقًا فِي الفَراغِ، لا يَجِدُ مَن يُفَسِّرُهُ بِسَدادٍ، وَلَا مَن يُنَزِّلُهُ عَلَى الوَاقِعِ بِهُدى. وَلِهٰذا كانَتِ السُّنَّةُ فِي حَقيقَتِها لَيسَت مَجرَّدَ أَقوالٍ وَأَخبارٍ، بَل هِيَ مَنهَجُ تَلَقٍّ وَفَهمٍ وَتَنزيلٍ، وَإِقصاؤُها يَعني إِقصاءَ الطَّريقَةِ الَّتي فَهِمَ بِها الجِيلُ الأَوَّلُ دِينَهُ وَعاشَهُ وَنَقَلَهُ.
❁ وَمِن أَصرَحِ ما يُبَيِّنُ بُطلانَ الاِكتِفاءِ المُدَّعى بِالقُرآنِ مَعَ رَدِّ السُّنَّةِ ما أَوردَهُ السُّيوطِيُّ في [مفتاح الجنة] مِن حَديثِ المِقدامِ بنِ مَعدي كَرِبَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أَلا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ، أَلا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبعانُ عَلَى أَريكَتِهِ يَقولُ: عَلَيكُم بِهٰذَا القُرآنِ، فَما وَجَدتُم فِيهِ مِن حَلالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَما وَجَدتُم فِيهِ مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلا لا يَحِلُّ لَكُمُ الحِمارُ الأَهلِيُّ...» الحَديثَ. وَفِي رِوايَةٍ أُخرى: «وَإِنَّ ما حَرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِثلُ ما حَرَّمَ اللهُ». فَهٰذا إِخبارٌ نَبَوِيٌّ عَن مَسلكٍ سَيَظهَرُ يَرفَعُ شِعارَ القُرآنِ لِيَرُدَّ بِهِ بَيانَ صَاحِبِ القُرآنِ ﷺ.
❁ وَقَد بَيَّنَ الإِمامُ الشّافِعِيُّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وُجوهَ السُّنَّةِ وَمَوقِعَها مِنَ الكِتابِ، فَذَكَرَ أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَوجُهٍ: أَحَدُها: ما جاءَ فِيهِ نَصٌّ مِن كِتابِ اللهِ، فَسَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ بِمِثلِ مَعنى نَصِّ الكِتابِ. وَالثّانِي: ما جاءَ فِيهِ الكِتابُ مُجمَلًا، فَبَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ عَنِ اللهِ مَعنى ما أَرادَ بِذٰلِكَ المُجمَلِ، وَأَوضَحَ كَيفَ فَرَضَهُ اللهُ عَلَى عِبادِهِ، عُمومًا أَو خُصوصًا. وَالثّالِثُ: ما سَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمّا لَيسَ فِيهِ نَصٌّ مُعَيَّنٌ فِي الكِتابِ، وَهُوَ داخِلٌ فِي فَرضِ اللهِ تَعَالَى طاعَتَهُ، وَفِيما آتاهُ مِنَ الحِكمَةِ وَالبَيانِ. وَمِن هُنا قالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ: إِنَّ كُلَّ سُنَّةٍ لَها أَصلٌ فِي الكِتابِ، كَتَفصيلِ أَعدادِ الصَّلواتِ وَهَيئاتِها عَلَى أَصلِ فَرضِ الصَّلاةِ، وَكَتَفصيلِ أَحكامِ البُيوعِ وَالمُعامَلاتِ عَلَى أَصلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، وَقَولِهِ: ﴿لا تَأكُلوا أَموالَكُم بَينَكُم بِالباطِلِ إِلّا أَن تَكونَ تِجارَةً عَن تَراضٍ مِنكُم﴾.
❁ وَيُؤَيِّدُ هٰذا المَعنى ما رُوِيَ عَن حَسّانَ بنِ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «كانَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ يَنزِلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَما يَنزِلُ عَلَيهِ بِالقُرآنِ، يُعَلِّمُهُ إِيّاها كَما يُعَلِّمُهُ القُرآنَ». فَهٰذا يَدلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لَيسَت آراءً بَشَرِيَّةً مُنفَصِلَةً عَنِ الوَحيِ، بَل هِيَ بَيانٌ وَتَعليمٌ وَهِدايَةٌ أَوحاها اللهُ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ، لِيُبَيِّنَ بِها الكِتابَ، وَيُفَصِّلَ بِها المُجمَلَ، وَيُطَبِّقَ بِها أَحكامَ الدِّينِ فِي واقِعِ النّاسِ.
*❖ ثَانِيًا: البِذورُ الأُولى لِإِنكارِ السُّنَّةِ فِي صَدرِ الإِسلامِ*
❁ لَم يَخلُ صَدرُ الإِسلامِ مِن أَفرادٍ تَضايَقُوا مِن بَعضِ المَرويّاتِ، أَو وَقَفُوا عِندَ ظاهِرِ القُرآنِ دُونَ أَن يَفهَمُوا أَنَّ الرَّسولَ ﷺ هُوَ أَعلَمُ النّاسِ بِالقُرآنِ وَمُرادِهِ. وَمِن أَقدَمِ الصُّوَرِ الَّتي تُظهِرُ هٰذا المَسلَكَ ما نُقِلَ عَن بَعضِ مَن كانَ يَقولُ: لا تُحَدِّثونا إِلَّا بِالقُرآنِ، فَكانَ جَوابُ أَهلِ العِلمِ عَلَى هٰذا النَّحوِ حاسِمًا؛ إِذ إِنَّ القُرآنَ لا يُتَّخَذُ بَدَلًا عَن بَيانِ الرَّسولِ ﷺ، بَل يُرجَعُ فِي فَهمِهِ إِلَى مَن هُوَ أَعلَمُ بِهِ، وَهُوَ رَسولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ مَن تَلَقَّى عَنهُ مِنَ الصَّحابَةِ وَأَئِمَّةِ الهُدى. وَهٰذِهِ البِداياتُ لَم تَكُن ظاهِرَةً عامَّةً، وَلٰكِنَّها كَشَفَت عَن بُذورِ مَرضٍ فِكرِيٍّ يَعودُ فِي أَزمانٍ مُتَفَرِّقَةٍ بِصُوَرٍ جَديدَةٍ.
❁ وَمِن أَوضَحِ مَا رُوِيَ فِي ذٰلِكَ مَوقِفُ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حِينَ قالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّكُم تُحَدِّثونَنا بِأَحادِيثَ لا نَجِدُ لَها أَصلًا فِي القُرآنِ، فَأَجابَهُ بِإِلزامٍ عَقلِيٍّ وَعَملِيٍّ بَالِغٍ؛ فَسَأَلَهُ عَن تَفاصيلِ الصَّلاةِ، وَأَعدادِ الرَّكَعاتِ، وَأَنصِبَةِ الزَّكاةِ، وَغَيرِ ذٰلِكَ مِمّا لا يَجِدُهُ الإِنسانُ فِي القُرآنِ عَلَى وَجهِ التَّفصيلِ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُم أَخَذُوا ذٰلِكَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ. وَهٰذا جَوابٌ يَهدِمُ أَصلَ شُبهَةِ المُنكِرينَ؛ لِأَنَّهُ يُثبِتُ أَنَّ الاِحتِجاجَ بِعَدَمِ وُجودِ التَّفصيلِ فِي القُرآنِ يَلزَمُ مِنهُ هَدمُ جُلِّ الشَّعائِرِ وَالأَحكامِ التَّعبُّدِيَّةِ.
❁ وَمِن أَوضَحِ الأَدلَّةِ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ داخِلَةٌ فِيما أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالأَخذِ بِهِ، ما جاءَ عَنِ ابنِ مَسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قالَ: «لَعَنَ اللهُ الواشِماتِ وَالمُستَوشِماتِ، وَالمُتَنَمِّصاتِ، وَالمُتَفَلِّجاتِ لِلحُسنِ، المُغَيِّراتِ خَلقَ اللهِ». فَبَلَغَ ذٰلِكَ امرَأَةً يُقالُ لَها: أُمُّ يَعقوبَ، فَجاءَت فَقالَت: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلتَ كَيتَ وَكَيتَ. فَقالَ: «وَما لِي لا أَلعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ فِي كِتابِ اللهِ؟». فَقالَت: لَقَد قَرَأتُ ما بَينَ اللَّوحَينِ فَما وَجَدتُهُ. فَقالَ: «إِن كُنتِ قَرَأتِيهِ فَقَد وَجَدتِيهِ، أَما قَرَأتِ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهوا﴾؟». قالَت: بَلَى. قالَ: «فَإِنَّهُ قَد نَهَى عَنهُ». فَهٰذا الأَثَرُ يَهدِمُ شُبهَةَ مَن يَقولُ: لا نَقبَلُ إِلَّا ما وَجَدناهُ بِلَفظِهِ فِي القُرآنِ؛ لأَنَّ الصَّحابَةَ فَهِموا أَنَّ ما صَحَّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن أَمرٍ أَو نَهيٍ فَهُوَ داخِلٌ فِي عُمومِ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهوا﴾.
❁ فَلَيسَ المَطلوبُ أَن يُوجَدَ كُلُّ حُكمٍ شَرعِيٍّ بِتَفصِيلِهِ فِي القُرآنِ، بَلِ المَطلوبُ أَن نَرجِعَ إِلَى ما أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالرُّجوعِ إِلَيهِ، وَقَد أَمَرَنا بِالأَخذِ عَن رَسُولِهِ ﷺ. فَمَن رَدَّ السُّنَّةَ بِدَعوى أَنَّهُ لا يَجِدُ كُلَّ تَفصِيلٍ فِي القُرآنِ، فَقَد خالَفَ القُرآنَ نَفسَهُ؛ لأَنَّ القُرآنَ هُوَ الَّذِي أَوجَبَ طاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ، وَجَعَلَ أَمرَهُ وَنَهيَهُ حُجَّةً عَلَى الأُمَّةِ.
❁ وَقَد نَقَلَ الإِمامُ الشّافِعِيُّ أَنَّهُ وَاجَهَ فِي زَمَنِهِ مَن يُناظِرُ فِي فَرضِيَّةِ اِتِّباعِ الرَّسولِ ﷺ، وَأَنَّ هٰذَا المَسلَكَ كَانَ مَعرُوفًا عِندَ بَعضِ الأَفرادِ المُنتَسِبينَ إِلَى العِلمِ، لَكِنَّهُ لَم يَكُن يَومًا مَذهَبَ الأُمَّةِ، وَلَا سَبيلَ جُمهورِ المُسلِمينَ. وَهٰذا يُفيدُ أَنَّ إِنكارَ السُّنَّةِ لَيسَ بِدعَةً وَلَدَت فِي العَصرِ الحَديثِ فَحَسبُ، وَلٰكِنَّهُ عَادَ فِيهِ بِصُورَةٍ أَوسَعَ وَخِطابٍ أَشدِّ جَرأَةً وَتَنظيمًا.
❁ وَنَقَلَ السُّيوطِيُّ في [مفتاح الجنة] عَنِ البَيهَقِيِّ قِصَّةَ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لَمَّا قالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّكُم تُحَدِّثُونَنَا بِأَحادِيثَ لَم نَجِد لَها أَصلًا فِي القُرآنِ، فَغَضِبَ عِمرانُ، ثُمَّ سَأَلَهُ: هَل وَجَدتَ فِي القُرآنِ أَنَّ صَلاةَ العِشاءِ أَربَعٌ، وَالمَغرِبَ ثَلاثٌ، وَالغَداةَ رَكعَتانِ، وَالظُّهرَ أَربَعٌ، وَالعَصرَ أَربَعٌ؟ فَلَمَّا قالَ: لا، قالَ لَهُ: فَعَمَّن أَخَذتُم ذٰلِكَ؟ أَلَستُم عَنَّا أَخَذتُموهُ، وَأَخَذنَاهُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ؟ ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أَمثِلَةً مِنَ الزَّكاةِ وَالحَجِّ، وَاستَدَلَّ بِقَولِهِ تَعالَى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهوا﴾. وَهٰذا مِن أَقدَمِ الأَجوبَةِ العَمَلِيَّةِ عَلَى شُبهَةِ «لا نَقبَلُ إِلَّا ما فِي القُرآنِ».
*❖ عَمَلُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ وَالصَّحابَةِ بِخَبَرِ رَسولِ اللهِ ﷺ*
❁ وَلَم يَكُنِ الاحتِجاجُ بِالسُّنَّةِ مَنهَجًا نَظَرِيًّا عِندَ الصَّحابَةِ، بَل كانَ عَمَلًا مُستَقِرًّا فِي قَضائِهِم وَفُتياهُم وَرُجوعِهِم عَن آرائِهِم عِندَ ثُبوتِ الخَبَرِ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ. وَقَد عَقَدَ البَيهَقِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، بابًا فِيما وَرَدَ عَنِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ وَغَيرِهِم مِنَ الصَّحابَةِ فِي الرُّجوعِ إِلَى خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مِن ذٰلِكَ أَنَّ الجَدَّةَ جاءَت إِلَى أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، تَسأَلُهُ مِيراثَها، فَقالَ لَها: «ما لَكِ فِي كِتابِ اللهِ شَيءٌ، وَما أَعلَمُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ شَيئًا»، ثُمَّ لَم يَقطَع بِرَأيِهِ، بَل سَأَلَ النّاسَ، فَشَهِدَ المُغيرَةُ بنُ شُعبَةَ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَعطاها السُّدُسَ، فَطَلَبَ أَبو بَكرٍ شاهِدًا آخَرَ، فَقامَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ الأَنصارِيُّ، فَشَهِدَ بِمِثلِ ذٰلِكَ، فَأَنفَذَ أَبو بَكرٍ لِلجَدَّةِ السُّدُسَ. وَفِي هٰذا دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ الخَليفَةَ الرّاشِدَ لَم يَكتَفِ بِعَدَمِ وُجودِ الحُكمِ مُفَصَّلًا فِي القُرآنِ، بَل بَحَثَ عَن سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا ثَبَتَت عِندَهُ عَمِلَ بِها.
❁ وَكَذٰلِكَ كانَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، يَرجِعُ إِلَى خَبَرِ السُّنَّةِ إِذا ثَبَتَ عِندَهُ، وَيَترُكُ ما كانَ يَقضِي بِهِ مِن قَبلُ؛ فَقَد كانَ يَرى أَنَّ المَرأَةَ لا تَرِثُ مِن دِيَةِ زَوجِها، حَتَّى أَخبَرَهُ الضَّحّاكُ بنُ سُفيانَ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيهِ أَن يُوَرِّثَ امرَأَةَ أَشيَمَ الضِّبابِيِّ مِن دِيَتِهِ، فَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى ذٰلِكَ. وَفِي قَضِيَّةِ الجَنينِ، لَمَّا قالَ عُمَرُ: أُذَكِّرُ اللهَ امرَأً سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الجَنينِ شَيئًا، قامَ حَمَلُ بنُ مالِكِ بنِ النّابِغَةِ، فَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ، فَقالَ عُمَرُ: «لَو لَم نَسمَع هٰذا لَقَضَينا فِيهِ بِغَيرِ هٰذا، إِن كِدنا لَنَقضِيَ فِيهِ بِرَأيِنا». وَهٰذا مِن أَوضَحِ ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّأيَ مَهما كانَ صادِرًا عَن إِمامٍ جَليلٍ، فَإِنَّهُ يُترَكُ إِذا بَلَغَتِ السُّنَّةُ الثّابِتَةُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ وَمِن ذٰلِكَ أَيضًا أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، خَرَجَ إِلَى الشّامِ، فَلَمّا بَلَغَ سَرغَ وَعَلِمَ بِوُقوعِ الوَباءِ فِي الشّامِ، أَخبَرَهُ عَبدُ الرَّحمٰنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إِذا سَمِعتُم بِهِ بِأَرضٍ فَلا تَقدَموا عَلَيهِ، وَإِذا وَقَعَ بِأَرضٍ وَأَنتُم بِها فَلا تَخرُجوا فِرارًا مِنهُ»، فَرَجَعَ عُمَرُ بِالنّاسِ مِن سَرغَ. وَكَذٰلِكَ لَم يَكُن عُمَرُ يَأخُذُ الجِزيَةَ مِنَ المَجوسِ، حَتَّى شَهِدَ عَبدُ الرَّحمٰنِ بنُ عَوفٍ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَخَذَها مِن مَجوسِ هَجَرَ، فَعَمِلَ بِذٰلِكَ. فَهٰذِهِ الوَقائِعُ تُبَيِّنُ أَنَّ الخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ كانُوا يَجعَلونَ الخَبَرَ الثّابِتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةً قاطِعَةً يَرجِعونَ إِلَيها، وَلا يَستَنكِفونَ مِن تَركِ ما كانُوا عَلَيهِ عِندَ وُرودِ السُّنَّةِ.
❁ وَعَلَى هٰذا المَنهَجِ مَضَى سائِرُ الصَّحابَةِ، فَقَد رُوِيَ أَنَّ الفُرَيعَةَ بنتَ مالِكٍ، أُختَ أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَن تَرجِعَ إِلَى أَهلِها بَعدَ قَتلِ زَوجِها؛ لأَنَّهُ لَم يَترُكها فِي مَسكَنٍ يَملِكُهُ، فَقالَ لَها رَسولُ اللهِ ﷺ: «امكُثِي فِي بَيتِكِ حَتَّى يَبلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ»، فَاعتَدَّت فِيهِ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا. فَلَمّا كانَ زَمانُ عُثمانَ بنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَرسَلَ إِلَيها فَسَأَلَها عَن ذٰلِكَ، فَأَخبَرَتهُ، فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ. وَفِي ذٰلِكَ دَليلٌ عَلَى أَنَّ الخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ مَرجِعًا عِندَ الخُلَفاءِ، يُبنَى عَلَيهِ القَضاءُ وَتُترَكُ لأَجلِهِ الاحتمالاتُ وَالآراءُ.
❁ وَكانَ عَلِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، يُعَظِّمُ الحَديثَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، فَكانَ إِذا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَديثًا نَفَعَهُ اللهُ بِهِ ما شاءَ أَن يَنفَعَهُ، وَإِذا حَدَّثَهُ أَحَدٌ مِن أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ استَحلَفَهُ، فَإِذا حَلَفَ لَهُ صَدَّقَهُ. وَمِن ذٰلِكَ أَنَّ أَبا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ما مِن عَبدٍ مُؤمِنٍ يُذنِبُ ذَنبًا، فَيَتَطَهَّرُ فَيُحسِنُ الطُّهورَ، وَيَستَغفِرُ اللهَ، إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ». فَكانَ تَثَبُّتُ عَلِيٍّ فِي الرِّوايَةِ لا يَعنِي رَدَّ الخَبَرِ، بَل يَعنِي تَعظيمَ شَأنِهِ، فَإِذا ثَبَتَ الخَبَرُ عِندَهُ قَبِلَهُ وَعَمِلَ بِهِ.
❁ وَمِن أَمثِلَةِ رُجوعِ الصَّحابَةِ إِلَى الخَبَرِ ما وَقَعَ بَينَ زَيدِ بنِ ثابِتٍ وَابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، فِي صُدورِ الحائِضِ مِنَ الحَجِّ قَبلَ أَن يَكونَ آخِرُ عَهدِها بِالبَيتِ؛ فَأَفتَى ابنُ عَبّاسٍ بِجَوازِ ذٰلِكَ إِذا كانَت قَد طافَت طَوافَ الزّيارَةِ، فَأَنكَرَ زَيدٌ، فَأَرشَدَهُ ابنُ عَبّاسٍ إِلَى امرَأَةٍ أَنصارِيَّةٍ أَمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ بِذٰلِكَ، فَسَأَلَها زَيدٌ فَأَخبَرَتهُ، فَرَجَعَ يَضحَكُ وَيَقولُ: «ما أَراكَ إِلَّا قَد صَدَقتَ». وَقَد نَبَّهَ الشّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، عَلَى أَنَّ زَيدًا لَمّا ثَبَتَ عِندَهُ خَبَرُ النَّبِيِّ ﷺ رَأَى أَنَّ الحَقَّ عَلَيهِ أَن يَرجِعَ عَن خِلافِ ابنِ عَبّاسٍ.
❁ وَكَذٰلِكَ كانَ ابنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، يَرى الحُجَّةَ قائِمَةً بِخَبَرِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا زَعَمَ نَوفٌ البِكالِيُّ أَنَّ موسَى صاحِبَ الخَضِرِ لَيسَ مُوسَى بَنِي إِسرائيلَ، قالَ ابنُ عَبّاسٍ: «كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ»، ثُمَّ احتَجَّ بِما أَخبَرَهُ بِهِ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ مِن حَديثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ موسَى وَالخَضِرِ. وَكَذٰلِكَ لَمّا كانَ طاوُوسٌ يُصَلِّي رَكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ، قالَ لَهُ ابنُ عَبّاسٍ: اترُكهُما، فَلَمّا راجَعَهُ طاوُوسٌ قالَ لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعدَ العَصرِ، ثُمَّ تَلا قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسولُهُ أَمرًا أَن يَكونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم﴾. فَجَعَلَ ابنُ عَبّاسٍ خَبَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةً، وَاستَدَلَّ بِالقُرآنِ عَلَى وُجوبِ الانقيادِ لِقَضاءِ الرَّسولِ ﷺ.
❁ وَمِن ذٰلِكَ أَنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، كانَ لا يَرى بِالمُخابَرَةِ بَأسًا، حَتَّى أَخبَرَهُ رافِعٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنها، فَتَرَكَها مِن أَجلِ ذٰلِكَ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَترُكونَ ما اعتادُوهُ أَو رَأَوهُ حَلالًا إِذا بَلَغَهُم فِيهِ النَّهيُ الثّابِتُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ. وَكَذٰلِكَ قالَ أَبو الدَّرداءِ لِمُعاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، لَمّا أَخبَرَهُ عَن نَهيِ النَّبِيِّ ﷺ عَن بَيعِ الذَّهَبِ أَوِ الفِضَّةِ إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ، فَعارَضَهُ مُعاوِيَةُ بِرَأيِهِ: «مَن يَعذِرُنِي مِن مُعاوِيَةَ؟ أُخبِرُهُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ وَيُخبِرُنِي عَن رَأيِهِ! لا أُساكِنُكَ بِأَرضٍ أَنتَ بِها». وَفِي هٰذا بَيانٌ لِشِدَّةِ إِعظامِهِم لِخَبَرِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَّهُ لا يُعارَضُ بِالرَّأيِ.
❁ وَجاءَ عَن أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ أَخبَرَ رَجُلًا عَن رَسولِ اللهِ ﷺ بِشَيءٍ فَخالَفَهُ، فَقالَ لَهُ: «وَاللهِ لا آوانِي وَإِيّاكَ سَقفُ بَيتٍ أَبَدًا». وَرُوِيَ عَنِ ابنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَمنَعوا النِّساءَ بِاللَّيلِ مِنَ المَساجِدِ»، فَقالَ بَعضُ بَنِيهِ كَلامًا يُخالِفُ ذٰلِكَ، فَضَرَبَ ابنُ عُمَرَ صَدرَهُ وَقالَ: «أُحَدِّثُكَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ وَأَنتَ تَقولُ ما تَقولُ!». وَرَأَى عبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ رَجُلًا يَخذِفُ، فَنَهاهُ وَذَكَرَ لَهُ نَهيَ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الخَذفِ، ثُمَّ رَآهُ بَعدَ ذٰلِكَ يَخذِفُ، فَقالَ: «أُحَدِّثُكَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ تَخذِفُ؟ وَاللهِ لا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا». وَكُلُّ هٰذِهِ الآثارِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُعارَضَةَ الخَبَرِ الثّابِتِ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ كانَت عِندَهُم أَمرًا عَظيمًا لا يُتَهاوَنُ بِهِ.
❁ وَمِن أَظهَرِ ذٰلِكَ ما وَرَدَ عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ حَدَّثَ بِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «الحَياءُ خَيرٌ كُلُّهُ»، فَعارَضَهُ بَشيرُ بنُ كَعبٍ بِما يَجِدُهُ فِي بَعضِ الكُتُبِ مِن تَقسيمِ الحَياءِ، فَغَضِبَ عِمرَانُ حَتَّى احمَرَّت عَيناهُ، وَقالَ: «أُحَدِّثُكَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ وَتُعارِضُ فِيهِ؟». وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحابَةَ لَم يَكونُوا يَقبَلونَ مُعارَضَةَ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ بِرَأيٍ أَو كِتابٍ أَو ذَوقٍ، بَل يَرَونَ الخَبَرَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ حُجَّةً مُلزِمَةً.
❁ وَيَجمَعُ هٰذا المَنهَجَ قَولُ الإِمامِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: «لا أَعلَمُ مِنَ الصَّحابَةِ وَلا مِنَ التّابِعِينَ أَحَدًا أُخبِرَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ إِلَّا قَبِلَ خَبَرَهُ، وَانتَهَى إِلَيهِ، وَأَثبَتَ ذٰلِكَ سُنَّةً». ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أَهلَ العِلمِ بَعدَهُم كانُوا يُثبِتونَ الأَخبارَ، وَيَجعَلونَها سُنَّةً، وَيَحمَدونَ مَن تَبِعَها، وَيَعيبونَ مَن خالَفَها، وَأَنَّ مَن فارَقَ هٰذا المَذهَبَ فَقَد فارَقَ سَبيلَ أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ وَأَهلِ العِلمِ بَعدَهُم. فَهٰذِهِ النُّقولُ كُلُّها تَدلُّ عَلَى أَنَّ الاحتِجاجَ بِالسُّنَّةِ كانَ مَنهَجَ الصَّحابَةِ وَالخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، وَأَنَّ مَن يَدَّعِي الاكتِفاءَ بِالقُرآنِ وَيَردُّ خَبَرَ رَسولِ اللهِ ﷺ قَد خالَفَ طَريقَ الصَّحابَةِ وَسَبيلَ الأُمَّةِ مِن أَوَّلِ أَمرِها.
*❖ عِلمُ الإِسنادِ وَأَثَرُهُ فِي حِفظِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ*
❁ وَمِن أَبرَزِ ما تَمَيَّزَت بِهِ هٰذِهِ الأُمَّةُ عَلَى سائِرِ الأُمَمِ: عِلمُ الإِسنادِ؛ فَهُوَ مِن أَعظَمِ الوَسائِلِ الَّتِي حَفِظَ اللهُ تَعالى بِها سُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَصانَ بِها حَديثَهُ مِن دَعاوَى الكاذِبِينَ وَتَلاعُبِ الوَضّاعِينَ، وَجَعَلَ بِهِ لِهٰذِهِ الأُمَّةِ مِيزانًا دَقِيقًا فِي قَبولِ الأَخبارِ وَرَدِّها. فَلَم يَكُن أَهلُ الحَديثِ يَقبَلونَ الخَبَرَ لِمُجرَّدِ وُجودِهِ فِي صَحيفَةٍ أَو كِتابٍ، بَل كانُوا يَسأَلونَ: مَن نَقَلَهُ؟ وَعَمَّن سَمِعَهُ؟ وَهَل ثَبَتَ لِقاؤُهُ بِشَيخِهِ؟ وَهَل كانَ عَدلًا ضابِطًا؟ وَهَل وافَقَ الثِّقاتِ أَو خالَفَهُم؟
❁ وَلِذٰلِكَ قالَ مُحَمَّدُ بنُ حاتِمِ بنِ المُظَفَّرِ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ اللهَ أَكرَمَ هَذِهِ الأُمَّةَ وَشَرَّفَهَا وَفَضَّلَهَا بِالإِسنَاد، وَلَيسَ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ كُلِّهَا قَدِيمِهِم وَحَدِيثِهِم، إِسنَاد. وَإِنَّمَا هِيَ صُحُفٌ فِي أَيدِيهِم، وَقَد خَلَطُوا بِكُتُبِهِم أَخبَارَهُم، وَلَيسَ عِندَهُم تَميِيزٌ بَينَ مَا نَزَلَ مِنَ التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ مِمَّا جَاءَهُم بِهِ أَنبِيَاؤُهُم، وَتَميِيزٌ بَينَ مَا أَلحَقُوهُ بِكُتُبِهِم مِنَ الأَخبَارِ الَّتِي أَخَذُوا عَن غَيرِ الثِّقَات. وَهَذِهِ الأُمَّةُ إِنَّمَا تَنُصُّ الحَدِيثَ مِنَ الثِّقَةِ المَعرُوفِ فِي زَمَانِهِ المَشهُورِ بِالصِّدقِ وَالأَمَانَةِ عَن مِثلِهِ حَتَّى تَتَنَاهَى أَخبَارُهُم. ثُمَّ يَبحَثُونَ أَشَدَّ البَحثِ حَتَّى يَعرِفُوا الأَحفَظَ فَالأَحفَظ، وَالأَضبَطَ فَالأَضبَط، وَالأَطوَلَ مُجَالَسَةً لِمَن فَوقَهُ مِمَّن كَانَ أَقَلَّ مُجَالَسَة. ثُمَّ يَكتُبُونَ الحَدِيثَ مِن عِشرِينَ وَجهًا وَأَكثَرَ حَتَّى يُهَذِّبُوهُ مِنَ الغَلَطِ وَالزَّلَل، وَيَضبِطُوا حُرُوفَهُ وَيَعُدُّوهُ عَدًّا. فَهَذَا مِن أَعظَمِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الأُمَّة».
❁ وَهٰذَا النَّصُّ يَكشِفُ عَن فَرقٍ واضِحٍ بَينَ أُمَّةٍ جَعَلَت لِكُلِّ خَبَرٍ طَريقًا يُبحَثُ وَيُنقَدُ، وَبَينَ أُمَمٍ اختَلَطَت فِي صُحُفِها الأَخبارُ، فَلَم يَبقَ عِندَها مِعيارٌ واضِحٌ يُمَيِّزُ الثّابِتَ مِنَ الدَّخِيلِ. وَمِن هُنا كانَ الإِسنادُ حِصنًا لِلسُّنَّةِ، وَمِيزانًا لِلأَخبارِ، وَسَبيلًا إِلَى تَنقِيَةِ المَرويّاتِ مِنَ الغَلَطِ وَالوَهمِ وَالكَذِبِ.
❁ وَلَم يَكُن هٰذَا التَّثَبُّتُ عِندَ أَهلِ الحَديثِ مَنهَجًا نَظَرِيًّا فَحَسبُ، بَل كانَ عَمَلًا صارِمًا لا مُحاباةَ فِيهِ لِقَريبٍ وَلا حَبيبٍ؛ لِأَنَّ القَضِيَّةَ قَضِيَّةُ دِينٍ يُنقَلُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، لا قَضِيَّةُ عاطِفَةٍ أَو مَكانَةٍ اجتِماعِيَّةٍ. وَلِذٰلِكَ أَضافَ مُحَمَّدُ بنُ حاتِمِ بنِ المُظَفَّرِ رَحِمَهُ اللهُ: «فَلَيسَ أَحَدٌ مِن أَهلِ الحَدِيثِ يُحَابِي فِي الحَدِيثِ أَبَاهُ وَلَا أَخَاهُ وَلَا وَلَدَه. وَهَذَا عَلِيُّ بنُ عَبدِ اللهِ المَدِينِيُّ وَهُوَ إِمَامُ الحَدِيثِ فِي عَصرِه، لَا يُروَى عَنهُ حَرفٌ فِي تَقوِيَةِ أَبِيه، بَل يُروَى عَنهُ ضِدُّ ذَلِك. فَالحَمدُ لِلَّهِ عَلَى مَا وَفَّقَنَا».
❁ وَمِن هُنا قالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «الإِسنَادُ عِندِي مِنَ الدِّين، وَلَولَا الإِسنَادُ لَقَالَ مَن شَاءَ مَا شَاءَ». وَقالَ أَيضًا: «مَثَلُ الَّذِي يَطلُبُ أَمرَ دِينِهِ بِلَا إِسنَادٍ كَمَثَلِ الَّذِي يَرتَقِي السَّطحَ بِلَا سُلَّمٍ». وَقالَ أَبو سَعِيدٍ الحَدَّادُ، فِيمَا نَقَلَهُ عَنهُ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ: «الإِسنَادُ مِثلُ الدَّرَجِ وَمِثلُ المَرَاقِي، فَإِذَا زَلَّت رِجلُكَ عَنِ المَرقَاةِ سَقَطتَ، وَالرَّأيُ مِثلُ المَرجِ». وَقالَ سُفيانُ الثَّورِيُّ: «الإِسنَادُ سِلَاحُ المُؤمِن، فَإِذَا لَم يَكُن مَعَهُ سِلَاح، فَبِأَيِّ شَيءٍ يُقَاتِل».
❁ فَهٰذِهِ النُّقُولُ كُلُّها تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِسنادَ عِندَ أَئِمَّةِ الإِسلامِ لَم يَكُن تَرَفًا عِلمِيًّا، وَلا زِيادَةً اصطِلاحِيَّةً، بَل كانَ مِن صُلبِ حِفظِ الدِّينِ، وَمِن أَعظَمِ أَسبابِ صِيانَةِ السُّنَّةِ. فَبِهِ يُعرَفُ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، وَالضّابِطُ مِنَ الواهِمِ، وَالمُتَّصِلُ مِنَ المُنقَطِعِ، وَالثّابِتُ مِنَ الدَّخِيلِ. وَبِهٰذا يَظهَرُ بُطلانُ دَعوى مَن يَزعُمُ أَنَّ السُّنَّةَ تُرِكَت بِلَا حِفظٍ وَلا ضَبطٍ؛ فَقَد قَيَّضَ اللهُ لَها رِجالًا يَعرِفونَ الرُّواةَ وَمَراتِبَهُم، وَيُقارِنونَ الطُّرُقَ وَالأَلفاظَ، وَيَكشِفونَ العِلَلَ وَالأَوهامَ، حَتَّى بَقِيَ حَديثُ رَسولِ اللهِ ﷺ مَحفوظًا مَصونًا بِحِفظِ اللهِ لِدِينِهِ.
*❖ مَوقِفُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مِن إِنكَارِ السُّنَّةِ*
❁ إِنَّ مِمّا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ هٰذا المَسلَكِ أَنَّ الإِمامَ الشّافِعِيَّ ذَكَرَ مُناظَرَتَهُ لِبَعضِ مَن يُجادِلُ فِي فَرضِيَّةِ اِتِّباعِ الرَّسولِ ﷺ وَحُجِّيَّةِ خَبَرِهِ. وَيَكشِفُ ذٰلِكَ أَنَّ المَسأَلَةَ لَم تَكُن وَلِيدَةَ القَرنَينِ الأَخِيرَينِ فَحَسبُ، بَل كانَت لَها بُذورٌ مُتَقَدِّمَةٌ، إِلَّا أَنَّها لَم تَكُن مَنهَجًا عامًّا، وَلَا مَذهَبًا مُستَقِرًّا يَنتَسِبُ إِلَيهِ. وَإِنَّما كانَت تَظهَرُ فِي أَطرافِ المَشهدِ العِلميِّ، ثُمَّ يَتَصَدَّى لَها أَهلُ العِلمِ بِالبَيانِ وَالحُجَّةِ.
❁ وَأَهمِّيَّةُ هٰذِهِ الإِشارَةِ أَنَّها تُبَيِّنُ أَنَّ الأُمَّةَ لَم تَكُن غافِلَةً عَن هٰذَا النَّوعِ مِنَ الاِنحِرافِ، بَل كانَ فِي وَعيِها العِلميِّ أَنَّ إِبطالَ السُّنَّةِ لَيسَ خِلافًا فِقهيًّا يَسيرًا، بَل هُوَ نَقضٌ لِمَرجِعِيَّةِ الرَّسولِ ﷺ، وَهَدمٌ لِسِلسِلَةِ التَّلَقِّي. وَبِنَاءً عَلَى ذٰلِكَ، فَإِنَّ الرَّدَّ عَلَى هٰذا المَسلَكِ كانَ جُزءًا مِن جُهودِ الأَئِمَّةِ فِي حِفظِ الدِّينِ وَحِراستِهِ.
❁ وَمِن شِدَّةِ تَعظيمِ الإِمامِ الشّافِعِيِّ لِخَبَرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ما نَقَلَهُ السُّيوطِيُّ عَنهُ في[مفتاح الجنة] أَنَّهُ رَوَى يَومًا حَديثًا وَقالَ: إِنَّهُ صَحيحٌ، فَقالَ لَهُ قائِلٌ: أَتَقولُ بِهِ يا أَبا عَبدِ اللهِ؟ فَاضطَرَبَ وَقالَ: «يا هٰذا، أَرَأَيتَنِي نَصرانِيًّا؟ أَرَأَيتَنِي خارِجًا مِن كَنيسَةٍ؟ أَرَأَيتَ فِي وَسَطِي زُنّارًا؟ أَروي حَديثًا عَن رَسولِ اللهِ ﷺ وَلا أَقولُ بِهِ؟». وَالمُرادُ أَنَّ ثُبوتَ الخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِندَ أَهلِ العِلمِ لَيسَ مَسأَلَةً ثانَوِيَّةً، بَل هُوَ حُجَّةٌ في الدِّينِ.
*❖ تَحذِيرُ السَّلَفِ مِن دَعوى الاكتِفاءِ بِالقُرآنِ وَتَركِ السُّنَّةِ*
❁ وَلِذٰلِكَ كانَ أَهلُ العِلمِ مِنَ السَّلَفِ يَرَونَ أَنَّ دَعوى الاكتِفاءِ بِالقُرآنِ مَعَ الإِعراضِ عَنِ السُّنَّةِ دَعوى باطِلَةٌ فِي أَصلِها؛ لأَنَّهَا تَفصِلُ القُرآنَ عَن بَيانِ مَن أُنزِلَ عَلَيهِ، وَتَجعَلُ كُلَّ أَحَدٍ يَتَحَكَّمُ فِي فَهمِ الكِتابِ بِرَأيِهِ. وَقَد أَخرَجَ البَيهَقِيُّ بِسَنَدِهِ عَن أَيُّوبَ السَّختِيانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «إِذا حَدَّثتَ الرَّجُلَ بِسُنَّةٍ، فَقالَ: دَعنا مِن هٰذا وَأَنبِئنا عَنِ القُرآنِ، فَاعلَم أَنَّهُ ضالٌّ». وَقالَ الأَوزاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، مُبَيِّنًا وَجهَ ذٰلِكَ: «وَذٰلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ جاءَت قاضِيَةً عَلَى الكِتابِ، وَلَم يَجِئِ الكِتابُ قاضِيًا عَلَى السُّنَّةِ». وَلَيسَ مَعنى هٰذا أَنَّ السُّنَّةَ تُخالِفُ القُرآنَ أَو تَتَقَدَّمُ عَلَيهِ مُعارَضَةً، بَل مَعناهُ أَنَّهَا بَيانُهُ وَشَرحُهُ وَكَشفُ مُرادِهِ.
❁ وَأَخرَجَ عَن أَيُّوبَ أَيضًا أَنَّهُ قالَ: قالَ رَجُلٌ عِندَ مُطَرِّفِ بنِ عَبدِ اللهِ: لا تُحَدِّثونا إِلَّا بِما فِي القُرآنِ، فَقالَ مُطَرِّفٌ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنّا وَاللهِ ما نُريدُ بِالقُرآنِ بَدَلًا، وَلٰكِنَّا نُريدُ مَن هُوَ أَعلَمُ بِالقُرآنِ مِنّا». وَهٰذِهِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى شُبهَةِ المُنكِرِينَ؛ فَإِنَّ أَهلَ السُّنَّةِ لا يَطلُبونَ بِالسُّنَّةِ بَديلًا عَنِ القُرآنِ، وَلا يَجعَلونَ مَصدَرًا يُزاحِمُهُ، وَإِنَّما يَطلُبونَ بَيانَ القُرآنِ مِن أَعلَمِ الخَلقِ بِهِ، وَهُوَ رَسولُ اللهِ ﷺ، الَّذِي أَمرَهُ اللهُ تَعَالَى أَن يُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم.
*❖ السُّنَّةُ بَيانٌ لِلقُرآنِ لا مُعارَضَةٌ لَهُ*
❁ وَمِن هٰذا البابِ ما أَخرَجَهُ البَيهَقِيُّ عَن مَكحولٍ، رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «القُرآنُ أَحوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى القُرآنِ». وَأَخرَجَ عَن يَحيَى بنِ أَبي كَثيرٍ، رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «السُّنَّةُ قاضِيَةٌ عَلَى الكِتابِ، وَلَيسَ الكِتابُ قاضِيًا عَلَى السُّنَّةِ». وَقَد بَيَّنَ البَيهَقِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّ مَعنى ذٰلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ مَعَ الكِتابِ أُقِيمَت مَقامَ البَيانِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، كَما قالَ اللهُ سُبحانَهُ: ﴿وَأَنزَلنا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم﴾، لا أَنَّ شَيئًا مِنَ السُّنَنِ الصَّحيحَةِ يُخالِفُ الكِتابَ.
❁ فَمَعنى احتِياجِ القُرآنِ إِلَى السُّنَّةِ أَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لَهُ، وَمُفَصِّلَةٌ لِمُجمَلاتِهِ، وَكاشِفَةٌ لِمَعانِيهِ، وَمُنزِلَةٌ لأَحكامِهِ عَلَى الواقِعِ. فَفِي القُرآنِ أُصولٌ وَكُلِّيّاتٌ وَمَجامِعُ هِدايَةٍ، وَفِيهِ مِنَ الجَوامِعِ ما يَحتاجُ إِلَى بَيانِ المَنزِلِ عَلَيهِ ﷺ، فَالسُّنَّةُ شَرحٌ لَهُ، وَشَأنُ الشَّرحِ أَن يَكونَ أَوضَحَ وَأَبسَطَ مِنَ المَشروحِ، لا لِأَنَّهُ أَشرَفُ مِنهُ، بَل لِأَنَّهُ كاشِفٌ عَن مَعناهُ، وَمُبَيِّنٌ لِمُرادِهِ.
*❖ تَقدِيمُ خَبَرِ رَسولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَقوالِ النّاسِ وَآرائِهِم*
❁ وَمِن عَمَلِ الصَّحابَةِ بِهٰذا الأَصلِ ما أَخرَجَهُ البُخارِيُّ عَن مَروانَ بنِ الحَكَمِ أَنَّهُ قالَ: شَهِدتُ عَلِيًّا وَعُثمانَ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدينَةِ، وَعُثمانُ يَنهَى عَنِ المُتعَةِ وَأَن يُجمَعَ بَينَ الحَجِّ وَالعُمرَةِ، فَلَمّا رَأَى عَلِيٌّ ذٰلِكَ أَهَلَّ بِهِما جَمِيعًا، فَقالَ: لَبَّيكَ بِحَجَّةٍ وَعُمرَةٍ مَعًا. فَقالَ عُثمانُ: تَراني أَنهَى النّاسَ عَن شَيءٍ وَأَنتَ تَفعَلُهُ؟ فَقالَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «ما كُنتُ لأَدَعَ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ ﷺ لِقَولِ أَحَدٍ مِنَ النّاسِ». وَهٰذِهِ الكَلِمَةُ أَصلٌ عَظيمٌ فِي بابِ الاتِّباعِ؛ فَإِنَّ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ ﷺ إِذا ثَبَتَت لَم يَكُن لِقَولِ أَحَدٍ أَن يُعارِضَها، مَهما عَلَت مَرتَبَةُ قائِلِهِ.
❁ وَأَخرَجَ مُسلِمٌ عَن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ أَنَّ أَبا هُرَيرَةَ وَابنَ عَبّاسٍ وَأَبا سَلَمَةَ بنَ عَبدِ الرَّحمٰنِ بنِ عَوفٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُم تَذاكَرُوا المُتَوَفَّى عَنها زَوجُها وَهِيَ حامِلٌ، فَقالَ ابنُ عَبّاسٍ: تَعتَدُّ آخِرَ الأَجَلَينِ. وَقالَ أَبو سَلَمَةَ: بَل تَحِلُّ حِينَ تَضَعُ. فَقالَ أَبو هُرَيرَةَ: أَنا مَعَ ابنِ أَخِي. فَأَرسَلُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَت: قَد وَضَعَت سُبَيعَةُ الأَسلَمِيَّةُ بَعدَ وَفاةِ زَوجِها بِيَسيرٍ، فَاستَفتَت رَسولَ اللهِ ﷺ، فَأَمَرَها أَن تَتَزَوَّجَ. فَرَجَعُوا إِلَى خَبَرِها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكانَ الخَبَرُ فَصلًا فِي مَوضِعِ الخِلافِ.
❁ وَأَخرَجَ البَيهَقِيُّ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قالَ: «لَيسَ كُلُّنا كانَ يَسمَعُ حَديثَ النَّبِيِّ ﷺ، كانَت لَنا ضَيعَةٌ وَأَشغالٌ، وَلٰكِن كانَ النّاسُ لَم يَكونُوا يَكذِبونَ، فَيُحَدِّثُ الشّاهِدُ الغائِبَ». وَأَخرَجَ عَن قَتادَةَ أَنَّ إِنسانًا حَدَّثَ بِحَديثٍ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أَسَمِعتَ هٰذا مِن رَسولِ اللهِ ﷺ؟ قالَ: نَعَم، أَو حَدَّثَنِي مَن لَم يَكذِب، وَاللهِ ما كُنّا نَكذِبُ، وَلا كُنّا نَدري ما الكَذِبُ. وَهٰذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَتَناقَلونَ السُّنَّةَ بِالثِّقَةِ وَالأَمانَةِ، وَأَنَّ الغائِبَ مِنهم يَأخُذُ عَنِ الشّاهِدِ، وَيَجعَلُ الخَبَرَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ حُجَّةً يَرجِعُ إِلَيها.
❁ وَأَخرَجَ البَيهَقِيُّ مِن طَريقِ مالِكٍ أَنَّ رَجاءً حَدَّثَهُ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، كانَ يَتَّبِعُ أَمرَ رَسولِ اللهِ ﷺ وَآثارَهُ وَحالَهُ، وَيَهتَمُّ بِهِ مِنِ اشتِدادِ اهتمامِهِ بِذٰلِكَ. وَهٰذا مِن أَظهَرِ ما يَدُلُّ عَلَى عِنايَةِ الصَّحابَةِ بِالاتِّباعِ، لا فِي الأَحكامِ الكُلِّيَّةِ فَقَط، بَل فِي آثارِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَديِهِ وَأَحوالِهِ.
❁ وَأَخرَجَ عَنِ الحَسَنِ عَن سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قالَ: «حَفِظتُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ سَكتَتَينِ: سَكتَةً إِذا كَبَّرَ، وَسَكتَةً إِذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ السُّورَةِ». فَكَتَبَ عِمرانُ بنُ حُصَينٍ فِي ذٰلِكَ إِلَى أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، فَكَتَبَ بِصِدقِ سَمُرَةَ، وَقالَ: إِنَّ سَمُرَةَ حَفِظَ الحَديثَ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ. وَفِي هٰذا دَليلٌ عَلَى أَنَّهُم كانُوا يَتَثَبَّتونَ فِي الخَبَرِ، فَإِذا ثَبَتَ عِندَهُم قَبِلُوهُ وَجَعَلُوهُ سُنَّةً.
❁ وَأَخرَجَ عَن مُحَمَّدِ بنِ سيرِينَ أَنَّ ابنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، لَمّا أَمَرَ بِزَكاةِ الفِطرِ أَنكَرَ النّاسُ ذٰلِكَ عَلَيهِ، فَأَرسَلَ إِلَى سَمُرَةَ: أَما عَلِمتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِها؟ فَقالَ: بَلَى. قالَ: فَما مَنَعَكَ أَن تُعَلِّمَ أَهلَ البَلَدِ؟ قالَ البَيهَقِيُّ: فَابنُ عَبّاسٍ عاتَبَ سَمُرَةَ عَلَى تَركِ إِعلامِ أَهلِ البَلَدِ أَمرَ النَّبِيِّ ﷺ بِزَكاةِ الفِطرِ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتمانَ السُّنَّةِ أَو تَأخيرَ بَيانِها عِندَ الحاجَةِ كانَ عِندَهُم أَمرًا يُعاتَبُ عَلَيهِ.
*❖ رِحلَةُ السَّلَفِ فِي طَلَبِ الحَديثِ وَتَعظيمُهُم لَهُ*
❁ وَلَم تَقتَصِر عِنايَةُ السَّلَفِ بِالسُّنَّةِ عَلَى قَبولِها عِندَ بُلوغِها، بَل كانُوا يَرحَلونَ فِي طَلَبِ الحَديثِ الوَاحِدِ؛ تَعظيمًا لِخَبَرِ رَسولِ اللهِ ﷺ وَحِرصًا عَلَى ثُبوتِهِ. فَقَد أَخرَجَ البَيهَقِيُّ عَن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّهُ قالَ: «بَلَغَنِي حَديثٌ عَن رَجُلٍ مِن أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ لَم أَسمَعهُ مِنهُ، فَابتَعتُ بَعيرًا، فَشَدَدتُ عَلَيهِ رَحلي، ثُمَّ سِرتُ إِلَيهِ شَهرًا حَتَّى قَدِمتُ الشّامَ، فَإِذا هُوَ عَبدُ اللهِ بنُ أُنَيسٍ الأَنصارِيُّ، فَأَتَيتُهُ فَقُلتُ: حَديثٌ بَلَغَنِي عَنكَ أَنَّكَ سَمِعتَهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ فِي المَظالِمِ لَم أَسمَعهُ، فَخَشِيتُ أَن أَموتَ أَو تَموتَ قَبلَ أَن أَسمَعَهُ». وَأَخرَجَ عَن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «إِن كُنتُ لَأُسافِرُ مَسيرَةَ الأَيّامِ وَاللَّيالِي فِي الحَديثِ الواحِدِ». فَلَو كانَتِ السُّنَّةُ عِندَهُم أَمرًا ثانَوِيًّا أَو غَيرَ مُلزِمٍ، لَمَا تَجَشَّمُوا فِي طَلَبِها هٰذِهِ المَشَقَّةَ.
❁ وَمِن هٰذا البابِ ما أَخرَجَهُ البَيهَقِيُّ وَالدّارِمِيُّ عَن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَمّا بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ قالَ لَهُ: «كَيفَ تَقضِي إِن عَرَضَ عَلَيكَ قَضاءٌ؟» قالَ: أَقضِي بِما فِي كِتابِ اللهِ. قالَ: «فَإِن لَم يَكُن فِي كِتابِ اللهِ؟» قالَ: أَقضِي بِما قَضَى بِهِ رَسولُ اللهِ ﷺ. قالَ: «فَإِن لَم يَكُن قَضَى بِهِ الرَّسولُ؟» قالَ: أَجتَهِدُ رَأيِي وَلا آلُو. فَضَرَبَ صَدرَهُ وَقالَ: «الحَمدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لِما يُرضِي رَسولَ اللهِ ﷺ». وَأَخرَجَ أَيضًا عَن عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبي يَزيدَ أَنَّهُ قالَ: رَأَيتُ ابنَ عَبّاسٍ إِذا سُئِلَ عَنِ الشَّيءِ، فَإِن كانَ فِي كِتابِ اللهِ قالَ بِهِ، فَإِن لَم يَكُن فِي كِتابِ اللهِ، وَكانَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، قالَ بِهِ، فَإِن لَم يَكُن فِي كِتابِ اللهِ وَلا عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، وَكانَ عَن أَبي بَكرٍ وَعُمَرَ، قالَ بِهِ، وَإِن لَم يَكُن فِي كِتابِ اللهِ وَلا عَن رَسولِ اللهِ ﷺ وَلا عَن أَبي بَكرٍ وَعُمَرَ، اجتَهَدَ رَأيَهُ. وَهٰذا يُبَيِّنُ تَرتيبَ مَصادِرِ الاستِدلالِ عِندَهُم: الكِتابُ، ثُمَّ السُّنَّةُ، ثُمَّ آثارُ الخُلَفاءِ، ثُمَّ الاجتِهادُ عِندَ عَدَمِ النَّصِّ.
❁ وَأَخرَجَ البَيهَقِيُّ عَن مالِكٍ أَنَّ رَبيعَةَ قالَ: «أَنزَلَ اللهُ كِتابَهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرَكَ فِيهِ مَوضِعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَسَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ سُنَنًا، وَتَرَكَ فِيها مَوضِعًا لِلرَّأيِ». وَأَخرَجَ عَن مَسروقٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قالَ: «تُرَدُّ النّاسُ مِنَ الجَهالاتِ إِلَى السُّنَّةِ». فالسُّنَّةُ عِندَهُم مَرجِعٌ تَرجِعُ إِلَيهِ الأُمَّةُ عِندَ الاشتباهِ وَالجَهالَةِ، لا عِبءٌ يُتَخَلَّصُ مِنهُ بِدَعوى الاكتفاءِ بِالقُرآنِ.
*❖ لا قَولَ لِأَحَدٍ مَعَ قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ*
❁ وَقَد تَظاهَرَت كَلِماتُ أَئِمَّةِ الإِسلامِ عَلَى أَنَّهُ لا قَولَ لِأَحَدٍ مَعَ قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ إِذا صَحَّ الخَبَرُ عَنهُ. فَقَد أَخرَجَ البَيهَقِيُّ عَن هِشامِ بنِ يَحيَى المَخزومِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِن ثَقيفٍ أَتَى عُمَرَ بنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَسَأَلَهُ عَن امرَأَةٍ حاضَت وَقَد كانَت زارَتِ البَيتَ، أَلَها أَن تَنفِرَ قَبلَ أَن تَطهُرَ؟ فَقالَ: لا. فَقالَ لَهُ الثَّقَفِيُّ: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَفتانِي فِي مِثلِ هٰذِهِ المَرأَةِ بِغَيرِ ما أَفتَيتَ. فَقامَ إِلَيهِ عُمَرُ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، وَقالَ: «لِمَ تَستَفتونِي فِي شَيءٍ أَفتَى فِيهِ رَسولُ اللهِ ﷺ؟». وَأَخرَجَ عَن ابنِ خُزَيمَةَ أَنَّهُ قالَ: «لَيسَ لِأَحَدٍ قَولٌ مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ إِذا صَحَّ الخَبَرُ». وَأَخرَجَ عَن يَحيَى بنِ آدَمَ أَنَّهُ قالَ: «لا يُحتاجُ مَعَ قَولِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى قَولِ أَحَدٍ».
❁ وَأَخرَجَ عَن مُجاهِدٍ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «لَيسَ أَحَدٌ إِلَّا يُؤخَذُ مِن قَولِهِ وَيُترَكُ مِن قَولِهِ إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ». وَأَخرَجَ عَن ابنِ المُبارَكِ أَنَّهُ قالَ: سَمِعتُ أَبا حَنيفَةَ يَقولُ: «إِذا جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَعَلَى الرَّأسِ وَالعَينِ، وَإِذا جاءَ عَن أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ نَختارُ مِن قَولِهِم، وَإِذا جاءَ عَنِ التّابِعِينَ زاحَمناهُم». وَأَخرَجَ عَنِ الأَوزاعِيِّ، رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «إِذا بَلَغَكَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ حَديثٌ، فَإِيّاكَ أَن تَقولَ بِغَيرِهِ؛ فَإِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ مُبَلِّغًا عَنِ اللهِ تَعَالَى». وَأَخرَجَ عَنِ الرَّبيعِ أَنَّ الشّافِعِيَّ، رَحِمَهُ اللهُ، رَوَى يَومًا حَديثًا، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أَتَأخُذُ بِهٰذا يا أَبا عَبدِ اللهِ؟ فَقالَ: «مَتى ما رَوَيتُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ حَديثًا صَحيحًا فَلَم آخُذ بِهِ، فَأُشهِدُكُم أَنَّ عَقلِي قَد ذَهَبَ». وَأَخرَجَ عَنِ الرَّبيعِ أَيضًا أَنَّهُ قالَ: سَمِعتُ الشّافِعِيَّ يَقولُ: «إِذا وَجَدتُم فِي كِتابِي خِلافَ سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَقولوا بِسُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَدَعوا ما قُلتُ».
*❖ مَذاكَرَةُ الحَديثِ وَتَعظيمُ حُرمَتِهِ*
❁ وَمِن تَعظيمِ السَّلَفِ لِلسُّنَّةِ ما نُقِلَ فِي فَضلِ طَلَبِ الحَديثِ وَمُذاكَرَتِهِ. فَقَد أَخرَجَ البَيهَقِيُّ عَن سُلَيمانَ التَّيمِيِّ أَنَّهُ قالَ: كُنتُ أَنا وَأَبو عُثمانَ وَأَبو نَضرَةَ وَأَبو مِجلَزٍ وَخالِدٌ الأَشَجُّ نَتَذاكَرُ الحَديثَ وَالسُّنَّةَ، فَقالَ بَعضُهُم: لَو قَرَأنا سورَةً مِنَ القُرآنِ كانَ أَفضَلَ. فَقالَ أَبو نَضرَةَ: كانَ أَبو سَعيدٍ الخُدرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، يَقولُ: «مُذاكَرَةُ الحَديثِ أَفضَلُ مِن قِراءَةِ القُرآنِ». وَحُمِلَ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ قِراءَةَ القُرآنِ هُنا نافِلَةٌ، وَأَنَّ حِفظَ الحَديثِ وَتَعَلُّمَهُ مِن فُروضِ الكِفاياتِ الَّتِي تَقومُ بِها حُجَّةُ الدِّينِ وَيُحفَظُ بِها بَيانُ الشَّريعَةِ.
❁ وَأَخرَجَ عَن سُفيانَ الثَّورِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «لا أَعلَمُ شَيئًا مِنَ الأَعمالِ أَفضَلَ مِن طَلَبِ الحَديثِ لِمَن حَسُنَت فِيهِ نِيَّتُهُ». وَأَخرَجَ عَن ابنِ المُبارَكِ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «ما أَعلَمُ شَيئًا أَفضَلَ مِن طَلَبِ الحَديثِ لِمَن أَرادَ بِهِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ». وَأَخرَجَ عَن خالِدِ بنِ يَزيدَ أَنَّهُ قالَ: «حُرمَةُ أَحاديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ كَحُرمَةِ كِتابِ اللهِ»، وَبَيَّنَ البَيهَقِيُّ أَنَّهُ أَرادَ بِذٰلِكَ مَعرِفَةَ حَقِّها، وَتَعظيمَ حُرمَتِها، وَفَرضَ اتِّباعِها. وَأَخرَجَ عَنِ الشّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «كُلَّما رَأَيتُ رَجُلًا مِن أَصحابِ الحَديثِ، فَكَأَنَّما رَأَيتُ رَجُلًا مِن أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ».
❁ وَمِن عَجيبِ ما نُقِلَ فِي تَعظيمِ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ ما أَخرَجَهُ ابنُ المُبارَكِ، قالَ: كُنتُ عِندَ مالِكٍ وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَجاءَت عَقرَبٌ فَلَدَغَتهُ سِتَّ عَشرَةَ مَرَّةً، وَمالِكٌ يَتَغَيَّرُ لَونُهُ وَيَتَصَبَّرُ، وَلا يَقطَعُ حَديثَ رَسولِ اللهِ ﷺ. فَلَمّا فَرَغَ مِنَ المَجلِسِ وَتَفَرَّقَ النّاسُ، قالَ لَهُ ابنُ المُبارَكِ: لَقَد رَأَيتُ مِنكَ عَجَبًا. قالَ مالِكٌ: «نَعَم، إِنَّما صَبَرتُ إِجلالًا لِحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ». فَهٰذا يَدُلُّ عَلَى المَكانَةِ الَّتِي كانَت لِلسُّنَّةِ فِي قُلوبِ أَئِمَّةِ الإِسلامِ.
*❖ السُّنَّةُ مِعيارُ الاستِقامَةِ وَمِيزانُ العِلمِ وَالسُّلوكِ*
❁ وَقَد جاءَ فِي السُّنَّةِ التَّحذيرُ مِنَ الرُّغوبِ عَنها، فَأَخرَجَ الشَّيخانِ عَن أَنَسٍ وَابنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُم، أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَن رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي». وَأَخرَجَ عَن ابنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّهُ قالَ: «وَاللهِ ما أَظُنُّ عَلَى وَجهِ الأَرضِ اليَومَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَى الشَّيطانِ هَلاكًا مِنِّي». قيلَ: وَلِمَ؟ قالَ: «إِنَّهُ لَتُحدَثُ البِدعَةُ فِي مَشرِقٍ أَو مَغرِبٍ، فَيَحمِلُها الرَّجُلُ إِلَيَّ، فَإِذا انتَهَت إِلَيَّ قَمَعتُها بِالسُّنَّةِ، فَتُرَدُّ إِلَيهِ كَما أَخرَجَها». فَالسُّنَّةُ عِندَ ابنِ عَبّاسٍ سِلاحٌ لِقَمعِ البِدَعِ وَرَدِّ الانحِرافاتِ.
❁ وَعَن أَبي العالِيَةِ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «عَلَيكُم بِسُنَّةِ نَبِيِّكُم، وَالَّذِي كانَ عَلَيهِ أَصحابُهُ». وَأَخرَجَ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «لا يَصلُحُ قَولٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَلا يَصلُحُ قَولٌ وَعَمَلٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلا يَصلُحُ قَولٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إِلَّا بِالسُّنَّةِ». وَأَخرَجَ عَن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ رَحِمَهُ اللهُ، أَنَّهُ قالَ: «لا يُقبَلُ قَولٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَلا يُقبَلُ قَولٌ وَعَمَلٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلا يُقبَلُ قَولٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إِلَّا بِمُوافَقَةِ السُّنَّةِ». فَالسُّنَّةُ هِيَ المِعيارُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ العِلمُ وَالعَمَلُ وَالقَصدُ.
❁ وَأَخرَجَ عَن كَثيرِ بنِ عَبدِ اللهِ، عَن أَبيهِ، عَن جَدِّهِ، أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِنَّ الإِسلامَ بَدَأَ غَريبًا وَسَيَعودُ غَريبًا، فَطوبَى لِلغُرَباءِ». قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وَمَنِ الغُرَباءُ؟ قالَ: «الَّذِينَ يُحيونَ سُنَّتِي مِن بَعدِي وَيُعَلِّمونَها عِبادَ اللهِ». وَأَخرَجَ مِن هٰذا الطَّريقِ مَرفوعًا: «مَن أَحيا سُنَّةً مِن سُنَّتِي قَد أُمِيتَت بَعدِي، كانَ لَهُ مِثلُ أَجرِ مَن عَمِلَ بِها، مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أُجورِهِم شَيئًا». فَفِي هٰذا تَأكيدٌ أَنَّ إِحياءَ السُّنَّةِ مِن أَعظَمِ أَعمالِ الغُرَباءِ عِندَ فَسادِ الزَّمانِ.
*❖ وَصايا العارِفِينَ وَأَهلِ السُّلوكِ بِلُزومِ السُّنَّةِ*
❁ وَلَم يَكُن أَهلُ السُّلوكِ وَالتَّزكِيَةِ بِمَعزِلٍ عَن هٰذا الأَصلِ، بَل جَعَلُوا صِدقَ الطَّريقِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مَبنِيًّا عَلَى مُتابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ. قالَ ذو النُّونِ المِصرِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ: «مِن عَلامَةِ المُحِبِّ لِلهِ مُتابَعَةُ حَبيبِ اللهِ ﷺ فِي أَخلاقِهِ وَأَفعالِهِ وَأَوامِرِهِ وَسُنَنِهِ». وَقالَ أَبو سُلَيمانَ الدّارانيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «رُبَّما يَقَعُ فِي قَلبِي النُّكتَةُ مِن نُكَتِ القَومِ أَيّامًا، فَلا أَقبَلُ مِنهُ إِلَّا بِشاهِدَينِ عَدلَينِ: الكِتابِ وَالسُّنَّةِ». وَقالَ أَحمدُ بنُ أَبي الحَوارِيِّ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا بِلا اتِّباعِ سُنَّةٍ فَباطِلٌ عَمَلُهُ».
❁ وَقالَ أَبو حَفصٍ عُمَرُ بنُ سالِمٍ الحَدّادُ: «مَن لَم يَزِن أَفعالَهُ وَأَحوالَهُ فِي كُلِّ وَقتٍ بِالكِتابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَم يَتَّهِم خَواطِرَهُ، فَلا تَعُدُّوهُ فِي دِيوانِ الرِّجالِ». وَقالَ الجُنَيدُ، رَحِمَهُ اللهُ: «الطُّرُقُ كُلُّها مَسدودَةٌ عَلَى الخَلقِ إِلَّا عَلَى مَنِ اقتَفَى أَثَرَ رَسولِ اللهِ ﷺ». وَقالَ أَيضًا: «مَن لَم يَحفَظِ القُرآنَ وَلَم يَكتُبِ الحَديثَ لا يُقتَدَى بِهِ فِي هٰذا الأَمرِ؛ لأَنَّ عِلمَنا هٰذا مُقَيَّدٌ بِالكِتابِ وَالسُّنَّةِ». وَقالَ أَيضًا: «مَذهَبُنا هٰذا مُشَيَّدٌ بِحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ».
❁ وَقالَ أَبو عُثمانَ الحِيرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «الصُّحبَةُ مَعَ اللهِ بِحُسنِ الأَدَبِ وَدَوامِ الهَيبَةِ وَالمُراقَبَةِ، وَالصُّحبَةُ مَعَ الرَّسولِ ﷺ بِاتِّباعِ سُنَّتِهِ وَلُزومِ ظاهِرِ العِلمِ». وَقالَ: «مَن أَمَّرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفسِهِ قَولًا وَفِعلًا نَطَقَ بِالحِكمَةِ، وَمَن أَمَّرَ الهَوَى عَلَى نَفسِهِ نَطَقَ بِالبِدعَةِ»، ثُمَّ استَدَلَّ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن تُطِيعوهُ تَهتَدوا﴾. وَلَمّا احتُضِرَ أَبو عُثمانَ، مَزَّقَ ابنُهُ أَبو بَكرٍ قَميصَهُ، فَفَتَحَ أَبو عُثمانَ عَينَهُ وَقالَ: «خِلافُ السُّنَّةِ يا بُنَيَّ فِي الظّاهِرِ عَلامَةُ رِياءٍ فِي الباطِنِ».
❁ وَقالَ أَبو الفَوارِسِ شاهُ بنُ شُجاعٍ الكِرمانِيُّ: «مَن غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ المَحارِمِ، وَأَمسَكَ نَفسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ، وَعَمَرَ باطِنَهُ بِدَوامِ المُراقَبَةِ، وَظاهِرَهُ بِاتِّباعِ السُّنَّةِ، وَعَوَّدَ نَفسَهُ أَكلَ الحَلالِ، لَم تُخطِئ لَهُ فِراسَةٌ». وَقالَ أَبو العَبّاسِ أَحمدُ بنُ سَهلِ بنِ عَطاءٍ الآدَمِيُّ: «مَن أَلزَمَ نَفسَهُ آدابَ السُّنَّةِ نَوَّرَ اللهُ قَلبَهُ بِنورِ المَعرِفَةِ، وَلا مَقامَ أَشرَفُ مِن مُتابَعَةِ الحَبيبِ فِي أَوامِرِهِ وَأَفعالِهِ وَأَخلاقِهِ». وَقالَ أَبو حَمزَةَ البَغداديُّ: «مَن عَلِمَ طَريقَ الحَقِّ سَهُلَ سُلوكُهُ عَلَيهِ، وَلا دَليلَ عَلَى الطَّريقِ إِلَى اللهِ إِلَّا بِمُتابَعَةِ الرَّسولِ ﷺ فِي أَحوالِهِ وَأَفعالِهِ وَأَقوالِهِ».
❁ وَقالَ أَبو إِسحاقَ إِبراهيمُ بنُ داودَ الدُّقِّيُّ: «عَلامَةُ مَحَبَّةِ اللهِ إِيثارُ طاعَتِهِ وَمُتابَعَةُ نَبِيِّهِ ﷺ». وَقالَ أَبو بَكرٍ الطُّمَستانِيُّ: «الطَّريقُ واضِحٌ، وَالكِتابُ وَالسُّنَّةُ قائِمَانِ بَينَ أَظهُرِنا، وَفَضلُ الصَّحابَةِ مَعلومٌ لِسَبقِهِم إِلَى الهِجرَةِ وَلِصُحبَتِهِم، فَمَن صَحِبَ هٰذا الكِتابَ وَالسُّنَّةَ، وَضَرَبَ عَن نَفسِهِ وَالخَلقِ، وَهاجَرَ بِقَلبِهِ إِلَى اللهِ، فَهُوَ الصّادِقُ المُصيبُ». وَقالَ أَبو القاسِمِ النَّصراباذِيُّ: «أَصلُ التَّصَوُّفِ مُلازَمَةُ الكِتابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَركُ الأَهواءِ وَالبِدَعِ، وَتَعظيمُ حُرُماتِ المَشايِخِ، وَرُؤيَةُ أَعذارِ الخَلقِ، وَالمُداوَمَةُ عَلَى الأَورادِ، وَتَركُ ارتِكابِ الرُّخَصِ وَالتَّأويلاتِ».
❁ وَقالَ الخَوّاصُ: «الصَّبرُ الثَّباتُ عَلَى أَحكامِ الكِتابِ وَالسُّنَّةِ». وَقالَ سَهلُ بنُ عَبدِ اللهِ: «الفُتُوَّةُ اتِّباعُ السُّنَّةِ». وَذَكَرَ أَبو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ أَنَّ أَبا يَزيدَ البِسطامِيَّ قَصَدَ بَعضَ مَن يُوصَفُ بِالوِلايَةِ، فَلَمّا خَرَجَ الرَّجُلُ وَتَنَخَّمَ فِي المَسجِدِ، انصَرَفَ أَبو يَزيدَ وَلَم يُسَلِّم عَلَيهِ، وَقالَ: «هٰذا الرَّجُلُ غَيرُ مَأمونٍ عَلَى أَدَبٍ مِن آدابِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَكَيفَ يَكونُ أَمينًا عَلَى أَسرارِ الحَقِّ؟». وَقالَ أَبو حَفصٍ: «أَحسَنُ ما يَتَوَسَّلُ بِهِ العَبدُ إِلَى مَولاهُ دَوامُ الفَقرِ إِلَيهِ عَلَى جَميعِ الأَحوالِ، وَمُلازَمَةُ السُّنَّةِ فِي جَميعِ الأَفعالِ، وَطَلَبُ القوتِ مِن وَجهِ الحَلالِ». وَأَخرَجَ أَبو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ عَن سَهلِ بنِ عَبدِ اللهِ أَنَّهُ قالَ: «أُصولُنا سِتَّةُ أَشياءَ: التَّمَسُّكُ بِكِتابِ اللهِ، وَالاقتِداءُ بِسُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَأَكلُ الحَلالِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَاجتِنابُ الآثامِ، وَأَداءُ الحُقوقِ». وَأَخرَجَ عَنهُ أَيضًا أَنَّهُ قالَ: «مَن كانَ اقتِداؤُهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ لَم يَكُن فِي قَلبِهِ اختِيارٌ لِشَيءٍ مِنَ الأَشياءِ».
*❖ خَاتِمَةٌ*
❁ وَخُلاصَةُ هٰذِهِ المَقَالَةِ أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ لَيسَت زِيَادَةً خَارِجَةً عَن بُنيَانِ الدِّينِ، وَلَا مَصدَرًا يُنَافِسُ القُرآنَ الكَرِيمَ، بَل هِيَ البَيَانُ النَّبَوِيُّ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى طَرِيقًا لِفَهمِ كِتَابِهِ وَالعَمَلِ بِهِ. فَمَن فَصَلَ القُرآنَ عَن سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَد فَصَلَ النَّصَّ عَن بَيَانِهِ، وَالأَمرَ عَن تَطبِيقِهِ، وَالشَّرِيعَةَ عَن مَنهَجِ تَلَقِّيهَا الأَوَّلِ.
❁ وَقَد بَانَ مِن عَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَنَّ الاحتِجَاجَ بِالسُّنَّةِ لَم يَكُن مَسأَلَةً نَظَرِيَّةً، بَل كَانَ مَنهَجًا عَمَلِيًّا فِي القَضَاءِ وَالفَتوَى وَالتَّعلِيمِ وَالتَّصوِيبِ، فَإِذَا بَلَغَهُمُ الخَبَرُ الثَّابِتُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبِلُوهُ وَانقَادُوا لَهُ. وَبِهٰذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الرَّدَّ عَلَى مُنكِرِي السُّنَّةِ لا يَبدَأُ مِن مُنَاقَشَةِ الشُّبُهَاتِ الجُزئِيَّةِ فَحَسبُ، بَل يَبدَأُ مِن تَثبِيتِ مَقامِ النُّبُوَّةِ وَحُجِّيَّةِ البَيَانِ النَّبَوِيِّ، وَهُوَ مَا تَناوَلَتهُ هٰذِهِ المَقَالَةُ، وَيَتبَعُهُ فِي المَقَالَةِ الثَّانِيَةِ بَحثُ الجُذُورِ وَالصُّوَرِ وَالشُّبُهَاتِ وَأَقوالِ ا
لعُلَمَاءِ فِي الرَّدِّ عَلَيهَا.
وَكَتَبَهُ الرّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبّاغُ
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
________________________________________
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
________________________________________
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي:
00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
________________________________________
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
________________________________________.
|
|