*شُبُهاتُ القُرآنِيِّينَ حَولَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالرَّدُّ عَلَيها*
*❖ مُقَدِّمَةٌ*
❁ لَم يَعُدِ الطَّعنُ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مُجَرَّدَ خِلافٍ فِي صِحَّةِ حَديثٍ بِعَينِهِ، أَو نِزاعٍ فِي تَصحيحِ بَعضِ الرِّواياتِ وَتَضعيفِها، بَل أَصبَحَ عِندَ بَعضِ النّاسِ مَشروعًا فِكرِيًّا يَهدِفُ إِلَى نَزعِ السُّلطانِ البَيانيِّ وَالتَّشريعيِّ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، وَفَصلِ القُرآنِ الكَريمِ عَن مُبَيِّنِهِ وَمُعَلِّمِهِ، وَتَحويلِ الدِّينِ مِن وَحيٍ مُتَّبَعٍ إِلَى قِراءاتٍ شَخصِيَّةٍ مُنفَلِتَةٍ، تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الأَفهامِ وَالأَهواءِ.
❁ وَخُطورَةُ هٰذا المَسلَكِ لا تَقفُ عِندَ حَدِّ رَفضِ مَصدَرٍ مِن مَصادِرِ التَّشريعِ، بَل تَمتَدُّ إِلَى إِعادَةِ تَشكيلِ مَعنى الرِّسالَةِ نَفسِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يُرسَل لِتِلاوَةِ أَلفاظِ القُرآنِ فَحَسبُ، بَل أُرسِلَ مُبَيِّنًا وَمُعَلِّمًا وَمُزَكِّيًا وَقُدوَةً وَحاكِمًا بَينَ النّاسِ بِما أَراهُ اللهُ تَعَالَى.
❁ قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلنا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ﴾ [النَّحلُ: ٤٤]، فَأَثبَتَ لِرَسولِهِ ﷺ وَظيفَةَ البَيانِ، وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسولًا مِنهُم يَتلو عَلَيهِم آياتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكمَةَ﴾ [الجُمُعَةُ: ٢]، فَجَمَعَ بَينَ التِّلاوَةِ وَالتَّعليمِ وَالتَّزكِيَةِ، وَلَم يَجعَل مَهمَّةَ الرَّسولِ ﷺ مُقتَصِرَةً عَلَى نَقلِ أَلفاظِ القُرآنِ.
❁ فَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ لَيسَت مَصدَرًا غَريبًا أُدخِلَ فِي الدِّينِ بَعدَ اكتِمالِهِ، وَلَيسَت مُنافِسَةً لِلقُرآنِ أَو بَديلًا عَنهُ، بَل هِيَ بَيانُهُ وَتَفسيرُهُ وَتَطبيقُهُ العَمَلِيُّ، وَبِها تُعرَفُ كَيفِيَّةُ امتِثالِ أَوامِرِهِ، وَتَنزيلِ أَحكامِهِ عَلَى حَياةِ النّاسِ.
❁ وَإِذا كانَ أَصحابُ هٰذا الِاتِّجاهِ يَرفَعونَ شِعارَ الِاكتِفاءِ بِالقُرآنِ، فَإِنَّ التَّأَمُّلَ فِي مَقالاتِهِم وَمَسالِكِهِم يَكشِفُ أَنَّهُم لا يَقِفونَ عِندَ تَعظيمِ القُرآنِ، بَل يَنتَهونَ عَمَلِيًّا إِلَى تَعطيلِ آياتِهِ الآمِرَةِ بِطاعَةِ الرَّسولِ ﷺ، وَإِهمالِ وَظيفَتِهِ فِي البَيانِ وَالتَّعليمِ وَالتَّفصيلِ.
❁ وَلِذٰلِكَ لا يَنبَغي أَن يَقتَصِرَ الرَّدُّ عَلَى هٰذِهِ الشُّبُهاتِ عَلَى التَّغليظِ وَالتَّحذيرِ، وَإِن كانَ لِذٰلِكَ مَوضِعُهُ، بَل يَنبَغي أَن يَقومَ عَلَى تَحريرِ مَحلِّ النِّزاعِ، وَعَرضِ كُلِّ شُبهَةٍ عَرضًا واضِحًا، ثُمَّ كَشفِ مَوضِعِ الغَلَطِ فِيها، وَإِقامَةِ الجَوابِ عَلى أُصولِ العِلمِ، وَعَلَى نُصوصِ القُرآنِ الكَريمِ نَفسِهِ، وَعَلَى الوَاقِعِ التَّعَبُّدِيِّ الَّذي عاشَتهُ الأُمَّةُ مُنذُ عَصرِ الصَّحابَةِ إِلَى يَومِنا هٰذا.
*❖ أَوَّلًا: شُبهَةُ أَنَّ القُرآنَ كافٍ وَحدَهُ فَلا حاجَةَ إِلَى السُّنَّةِ*
❁ هٰذِهِ هِيَ الشُّبهَةُ الكُبرى الَّتي يَنبَني عَلَيها مَذهَبُ رادِّي السُّنَّةِ كُلُّهُ؛ وَخُلاصَتُها أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنزَلَ القُرآنَ كامِلًا تامًّا، فَلا يَحتاجُ المُسلِمُ بَعدَهُ إِلَى مَصدَرٍ آخَرَ، وَأَنَّ إِثباتَ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ يُعَدُّ ـ فِي زَعمِهِم ـ انتِقاصًا مِن كَمالِ القُرآنِ، أَو إِدخالًا لِما لَيسَ مِنَ الدِّينِ فِي الدِّينِ.
❁ وَهٰذِهِ الشُّبهَةُ تَقومُ عَلَى خَلطٍ بَينَ كَمالِ القُرآنِ، وَبَينَ طَريقَةِ بَيانِهِ وَتَنزيلِهِ؛ فَالقُرآنُ كامِلٌ لا رَيبَ فِيهِ، وَلٰكِنَّ كَمالَهُ لا يَعني أَنَّهُ ذَكَرَ كُلَّ جُزئِيَّةٍ عَمَلِيَّةٍ بِتَفاصيلِها، بَل يَعني أَنَّهُ أَقامَ أُصولَ الدِّينِ وَقَواعِدَهُ، وَدَلَّ عَلَى الطُّرُقِ الَّتي تُفهَمُ بِها أَوامِرُهُ وَنَواهِيهِ، وَمِن جُملَةِ ذٰلِكَ بَيانُ النَّبِيِّ ﷺ.
❁ فَمِن كَمالِ القُرآنِ أَنَّهُ لَم يَترُكِ النّاسَ لِفُهومِهِم المُتَناقِضَةِ، بَل أَحالَهُم عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَهُم بِطاعَتِهِ وَالاقتِداءِ بِهِ وَالتَّسليمِ لِحُكمِهِ، فَصارَ الرُّجوعُ إِلَى السُّنَّةِ امتِثالًا لِلقُرآنِ، لا زِيادَةً عَلَيهِ، وَصارَ رَفضُ السُّنَّةِ مُخالَفَةً لِلقُرآنِ نَفسِهِ.
❁ وَمِن أَقوى ما يَهدِمُ هٰذِهِ الشُّبهَةَ أَنَّ الدِّينَ لا يَقومُ عَمَلِيًّا بِغَيرِ السُّنَّةِ؛ فَالصَّلاةُ، وَهِيَ أَعظَمُ أَركانِ الإِسلامِ بَعدَ الشَّهادَتَينِ، أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِإِقامَتِها، وَلٰكِن أَينَ ذُكِرَ فِي القُرآنِ أَنَّ صَلاةَ الفَجرِ رَكعَتانِ، وَأَنَّ الظُّهرَ وَالعَصرَ وَالعِشاءَ أَربَعُ رَكَعاتٍ، وَأَنَّ المَغرِبَ ثَلاثُ رَكَعاتٍ؟
❁ وَأَينَ ذُكِرَت هَيئَةُ الرُّكوعِ وَالسُّجودِ وَالتَّشَهُّدِ وَالتَّسليمِ، وَأَذكارُ الرُّكوعِ وَالسُّجودِ، وَشُروطُ وُجوبِ الصَّلاةِ، وَشُروطُ صِحَّتِها، وَأَركانُها، وَواجِباتُها، وَسُنَنُها، وَمُبطِلاتُها؟
❁ وَأَينَ بُيِّنَت أَوقاتُ دُخولِ الصَّلواتِ وَخُروجِها، وَأَوقاتُ الفَضيلَةِ وَالِاختِيارِ وَالكَراهَةِ، وَصِفَةُ صَلاةِ الجَماعَةِ وَالجُمُعَةِ وَالجَنازَةِ وَالعِيدَينِ وَالخَوفِ وَالكُسوفِ وَالاستِسقاءِ، وَسَجدَةُ الشُّكرِ وَسَجدَةُ التِّلاوَةِ، وَأَحكامُ السَّهوِ فِي الصَّلاةِ؟
❁ إِنَّما بَيَّنَ رَسولُ اللهِ ﷺ هٰذِهِ الأَحكامَ بِقَولِهِ وَفِعلِهِ، وَقالَ: «صَلُّوا كَما رَأَيتُمونِي أُصَلِّي»، فَمَن رَفَضَ السُّنَّةَ لَم يَستَطِع أَن يُقيمَ الصَّلاةَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتي أَمَرَ اللهُ بِها.
❁ وَكَذٰلِكَ الزَّكاةُ؛ فَقَد أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِإِيتائِها، وَلٰكِن أَينَ ذُكِرَت فِي القُرآنِ جَميعُ الأَموالِ الَّتي تَجِبُ فِيها الزَّكاةُ، وَأَنصِبَةُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالزُّروعِ وَالثِّمارِ وَبَهيمَةِ الأَنعامِ، وَالمِقدارُ الواجِبُ إِخراجُهُ فِي كُلِّ نَوعٍ؟
❁ وَكَذٰلِكَ الحَجُّ؛ فَقَد قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾، وَلٰكِن أَينَ بُيِّنَت مَواقيتُ الإِحرامِ، وَصِفَةُ التَّلبِيَةِ، وَعَدَدُ أَشواطِ الطَّوافِ وَالسَّعيِ، وَوَقتُ الوُقوفِ بِعَرَفَةَ، وَالمَبيتِ بِمُزدَلِفَةَ وَمِنًى، وَعَدَدُ حَصَياتِ الجِمارِ، وَأَحكامُ الحَلقِ وَالتَّقصيرِ وَالتَّحَلُّلِ؟
❁ وَإِنَّما بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ هٰذِهِ التَّفاصيلَ بِحَجَّتِهِ وَتَعليمِهِ، وَقالَ: «لِتَأخُذوا عني مَناسِكَكُم».
❁ وَفِي الصِّيامِ أَسئِلَةٌ لا يُمكِنُ الجَوابُ عَن تَفاصيلِها مِنَ القُرآنِ وَحدَهُ: ما حُكمُ مَن أَكَلَ أَو شَرِبَ ناسِيًا؟ وَما حُكمُ مَن جامَعَ فِي نَهارِ رَمَضانَ؟ وَما كَفّارَتُهُ؟ وَما حُكمُ مَن أَصبَحَ جُنُبًا، وَأَحكامُ المَريضِ وَالمُسافِرِ وَالحامِلِ وَالمُرضِعِ؟
❁ وَهٰكَذا فِي أَبوابِ الطَّهارَةِ وَالبُيوعِ وَالأَنكِحَةِ وَالطَّلاقِ وَالعِدَدِ وَالرَّضاعِ وَالمَواريثِ وَالقَضاءِ وَالجِناياتِ وَالحُدودِ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَت كَثيرًا مِن تَفاصيلِ هٰذِهِ الأَبوابِ.
❁ وَقَدِ احتَجَّ عِمرانُ بنُ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَلَى مَن قالَ لَهُ: حَدِّثونا بِالقُرآنِ، فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ تَفاصيلَ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَغَيرِهِما إِنَّما أُخِذَت عَن رَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ وَقِيلَ لِمُطَرِّفِ بنِ عَبدِ اللهِ: لا تُحَدِّثونا إِلَّا بِالقُرآنِ، فَقالَ ما مَعناهُ: إِنَّنا لا نُريدُ بَديلًا عَنِ القُرآنِ، وَلٰكِنَّنا نُريدُ مَن هُوَ أَعلَمُ بِالقُرآنِ مِنّا، يَعني رَسولَ اللهِ ﷺ.
❁ فَمَن زَعَمَ أَنَّهُ يَكتَفي بِالقُرآنِ، ثُمَّ أَقامَ صَلاتَهُ وَحَجَّهُ وَزَكاتَهُ عَلَى الصِّفَةِ المَوروثَةِ، فَقَد أَخَذَ بِالسُّنَّةِ وَإِن أَنكرَ اسمَها. وَمَن رَفَضَ هٰذِهِ السُّنَنَ كُلَّها، عَجَزَ عَن تَطبيقِ أَوامِرِ القُرآنِ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَدَعوى الِاكتِفاءِ بِالقُرآنِ تُؤَدِّي فِي الحَقيقَةِ إِلَى تَعطيلِ القُرآنِ عَنِ التَّطبيقِ، لا إِلَى تَعظيمِهِ؛ لِأَنَّ القُرآنَ أَمَرَ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَالحَجِّ، وَلَم يُمكِنِ امتِثالُ هٰذِهِ الأَوامِرِ عَلَى الوَجهِ الصَّحيحِ إِلَّا بِبَيانِ النَّبِيِّ ﷺ.
*❖ ثانِيًا: مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ﴾ وَقَولِهِ: ﴿تِبيانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾*
❁ يَستَدِلُّ رادُّو السُّنَّةِ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ﴾ [الأَنعامُ: ٣٨]، وَقَولِهِ سُبحانَهُ: ﴿وَنَزَّلنا عَلَيكَ الكِتابَ تِبيانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ [النَّحلُ: ٨٩]، وَيَفهَمونَ مِن هٰذِهِ الآياتِ أَنَّ القُرآنَ ذَكَرَ كُلَّ جُزئِيَّةٍ مِن جُزئِيّاتِ الدِّينِ عَلَى سَبيلِ التَّفصيلِ، فَلا حاجَةَ بَعدَ ذٰلِكَ إِلَى السُّنَّةِ.
❁ وَهٰذا الفَهمُ فاسِدٌ؛ فَإِنَّ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرينَ فَسَّروا «الكِتابَ» فِي قَولِهِ: ﴿ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ﴾ بِاللَّوحِ المَحفوظِ، أَي: ما أَهمَلَ اللهُ تَعَالَى شَيئًا مِن أَحوالِ الخَلقِ إِلَّا وَهُوَ مَكتوبٌ عِندَهُ.
❁ وَعَلَى القَولِ بِأَنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هُوَ القُرآنُ، فَلَيسَ المَعنى أَنَّ كُلَّ جُزئِيَّةٍ عَمَلِيَّةٍ ذُكِرَت فِيهِ بِتَفصيلِها، بَل إِنَّ كُلَّ ما يَحتاجُ إِلَيهِ المُكَلَّفُ قَد بُيِّنَ فِيهِ، إِمّا نَصًّا، وَإِمّا أَصلًا، وَإِمّا بِإِحالَةٍ عَلَى مَن جَعَلَهُ اللهُ مُبَيِّنًا لَهُ، وَهُوَ رَسولُ اللهِ ﷺ.
❁ فَمِن تِبيانِ القُرآنِ أَنَّهُ قالَ: ﴿وَأَنزَلنا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم﴾، وَقالَ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهوا﴾، وَقالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسولَ فَقَد أَطاعَ اللهَ﴾.
❁ فَالسُّنَّةُ داخِلَةٌ فِي تِبيانِ القُرآنِ، لِأَنَّ القُرآنَ هُوَ الَّذي أَحالَ إِلَيها، وَأَمَرَ بِقَبولِها. وَمَن استَدَلَّ بِآياتِ كَمالِ القُرآنِ عَلَى رَفضِ السُّنَّةِ، فَقَدِ احتَجَّ بِالقُرآنِ عَلَى خِلافِ القُرآنِ.
❁ وَمِمّا يَكشِفُ بُطلانَ فَهمِهِم أَنَّهُم لَم يَستَطيعوا ـ مَعَ دَعواهُم وُضوحَ جَميعِ التَّفاصيلِ فِي القُرآنِ ـ أَن يَتَّفِقوا عَلَى صِفَةٍ واحِدَةٍ لِلصَّلاةِ؛ فَمِنهُم مَن جَعَلَ الصَّلواتِ ثَلاثًا، وَمِنهُم مَن جَعَلَها خَمسًا مَعَ اختِلافٍ فِي عَدَدِ الرَّكَعاتِ، وَمِنهُم مَن أَسقَطَ صَلاةً أَو زادَ صَلاةً.
❁ وَلَو كانَت تَفاصيلُ الصَّلاةِ كُلُّها واضِحَةً فِي القُرآنِ عَلَى النَّحوِ الَّذي يَزعُمونَهُ، لَما تَفَرَّقَت بِهِمُ السُّبُلُ فِي أَوضَحِ شَعائِرِ الدِّينِ.
*❖ ثالِثًا: شُبهَةُ أَنَّ السُّنَّةَ لَيسَت وَحيًا وَأَنَّها تَصَرُّفاتٌ بَشَرِيَّةٌ*
❁ يَقولُ بَعضُ رادِّي السُّنَّةِ: إِنَّ السُّنَّةَ لَيسَت وَحيًا، بَل هِيَ أَقوالٌ وَتَصَرُّفاتٌ بَشَرِيَّةٌ صَدَرَت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِحُكمِ بَشَرِيَّتِهِ، وَهُوَ فِيها يُصيبُ وَيُخطِئُ، فَلا يَصِحُّ أَن تُجعَلَ مَصدَرًا مُلزِمًا لِلتَّشريعِ.
❁ وَيَستَدِلُّونَ بِقِصَّةِ تَأبيرِ النَّخلِ، وَبِمَوقِفِ النُّزولِ فِي بَدرٍ، وَبِبَعضِ المَواقِفِ العَسكَرِيَّةِ أَوِ التَّدبيرِيَّةِ الَّتي أَبدى فِيها الصَّحابَةُ آراءَهُم، ثُمَّ يَنتَقِلونَ مِن هٰذِهِ الوَقائِعِ الجُزئِيَّةِ إِلَى نَفيِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ كُلِّها.
❁ وَهٰذا الانتِقالُ باطِلٌ؛ لِأَنَّ أَهلَ العِلمِ فَرَّقوا بَينَ ما يَصدُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أُمورِ الدُّنيا وَالعاداتِ وَالتَّجارِبِ البَشَرِيَّةِ الَّتي لا يَقصِدُ بِها التَّشريعَ العامَّ، وَبَينَ ما يَصدُرُ عَنهُ فِي مَقامِ البَيانِ وَالتَّشريعِ وَتَبليغِ الدِّينِ.
❁ فَقِصَّةُ تَأبيرِ النَّخلِ لا تَدلُّ عَلَى أَنَّ أَحكامَ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَالحَجِّ وَالبُيوعِ وَالأَنكِحَةِ آراءٌ بَشَرِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ، بَل تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الخِبراتِ الدُّنيوِيَّةَ البَحتَةَ تُترَكُ لِأَهلِ الخِبرَةِ فِيها.
❁ وَأَمّا قَولُ رَسولِ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَإِذا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ مِن أَمرِ دِينِكُم فَخُذوا بِهِ، وَإِذا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ مِن رَأيِي فَإِنَّما أَنَا بَشَرٌ»، فَلَيسَ مَعناهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُخطِئُ فِي تَبليغِ الدِّينِ أَو فِي بَيانِ الشَّريعَةِ، حاشاهُ مِن ذٰلِكَ، بَل مَعناهُ التَّفريقُ بَينَ ما يَأمُرُ بِهِ ﷺ فِي أَمرِ الدِّينِ وَالتَّشريعِ، وَبَينَ ما يَصدُرُ عَنهُ فِي بَعضِ أُمورِ الدُّنيا الَّتي تَجري عَلَى الخِبرَةِ وَالعادَةِ وَالتَّجرِبَةِ، كَأُمورِ الزِّراعَةِ وَالصِّناعَةِ وَالتَّدبيرِ الدُّنيوِيِّ وَنَحوِها. فَما كانَ مِن أَمرِ الدِّينِ فَهُوَ حُجَّةٌ واجِبَةُ القَبولِ، لا يَجوزُ رَدُّهُ وَلا التَّشكيكُ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَصَمَ نَبِيَّهُ ﷺ فِي تَبليغِ شَرعِهِ وَبَيانِ دِينِهِ.
❁ وَمِن ذٰلِكَ ما جاءَ فِي قِصَّةِ تَأبيرِ النَّخلِ، وَالتَّأبيرُ هُوَ وَضعُ طَلعِ ذُكورِ النَّخلِ عَلَى إِناثِهِ؛ فَقَد مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَومٍ يُلَقِّحونَ النَّخلَ، فَقالَ لَهُم ما مَعناهُ: «ما أَظُنُّ هٰذا يُغنِي شَيئًا»، فَبَلَغَهُم ذٰلِكَ فَتَرَكوهُ، فَصارَ الثَّمَرُ شِيصًا، أَي: ضَعيفًا لا يَشتَدُّ نَواهُ، أَو لا يَكونُ لَهُ نَوىً أَصلًا، فَبَيَّنَ لَهُم ﷺ أَنَّ هٰذا مِن بابِ أُمورِ الدُّنيا وَالتَّجارِبِ الزِّراعِيَّةِ، لا مِن بابِ التَّشريعِ، وَقالَ: «أَنتُم أَعلَمُ بِأَمرِ دُنياكُم»، وَفِي رِوايَةٍ: «أَنتُم أَعلَمُ بِما يُصلِحُكُم فِي دُنياكُم، وَإِنِّي قُلتُ لَكُم ظَنًّا ظَنَنتُهُ». فَهٰذا لا يَدخُلُ فِي بابِ الدِّينِ الَّذي أُمِرنا بِالأَخذِ بِهِ عَنهُ ﷺ، وَلا يُعارِضُ عِصمَتَهُ فِي التَّبليغِ وَالتَّشريعِ، بَل يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ما كانَ مِنَ الأُمورِ الدُّنيوِيَّةِ المَحضَةِ الَّتِي تُبنى عَلَى التَّجرِبَةِ وَالخِبرَةِ فَلِأَهلِها مَجالُ النَّظَرِ فِيها.
❁ وَعَلَى هٰذا، فَقَولُهُ ﷺ: «فَإِذا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ مِن أَمرِ دِينِكُم فَخُذوا بِهِ» دَليلٌ واضِحٌ عَلَى أَنَّهُ لا يُخطِئُ فِي التَّشريعِ وَبَيانِ الدِّينِ، وَأَنَّ ما ثَبَتَ عَنهُ ﷺ فِي أُمورِ العَقائدِ وَالعِباداتِ وَالحَلالِ وَالحَرامِ وَأَحكامِ الشَّريعَةِ فَهُوَ حَقٌّ واجِبُ القَبولِ. وَلا يَصِحُّ أَن تُجعَلَ قِصَّةُ تَأبيرِ النَّخلِ ذَريعَةً لِرَدِّ السُّنَّةِ أَو الطَّعنِ فِي حُجِّيَّتِها؛ لِأَنَّ القِصَّةَ إِنَّما وَرَدَت فِي أَمرٍ دُنيَوِيٍّ تَجرِيبِيٍّ، لا فِي حُكمٍ شَرعِيٍّ أَو بَيانٍ دِينِيٍّ. وَقَد فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نَفسُهُ بَينَ البابَينِ، فَقالَ فِي أَمرِ الدِّينِ: «فَخُذوا بِهِ»، وَقالَ فِي أَمرِ الدُّنيا: «أَنتُم أَعلَمُ بِأَمرِ دُنياكُم».
❁ وَكَذٰلِكَ ما وَقَعَ فِي بَعضِ المَواقِفِ العَسكَرِيَّةِ أَو التَّدبيرِيَّةِ، كَمَوقِفِ النُّزولِ فِي بَدرٍ وَنَحوِهِ، فَلَيسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلَى جَوازِ الخَطَإِ عَلَيهِ ﷺ فِي التَّشريعِ، بَل غايَتُهُ أَنَّ بَعضَ التَّدبيراتِ الدُّنيوِيَّةِ وَالأَسبابِ العَسكَرِيَّةِ قَد يَقَعُ فِيها التَّشاوُرُ وَإِبداءُ الرَّأيِ، ثُمَّ يُختارُ فِيها ما يَظهَرُ أَصلَحَ لِلمَصلَحَةِ. فَهٰذا بابٌ غَيرُ بابِ الوَحيِ المُتَعَلِّقِ بِالحَلالِ وَالحَرامِ، وَالعَقائِدِ وَالعِباداتِ، وَبَيانِ أَحكامِ اللهِ تَعَالَى.
❁ وَمِمّا يَنبَغي التَّنبُّهُ لَهُ أَنَّ ما يَرِدُ فِي الشَّرعِ مِن نَسخٍ أَو بَيانٍ لاحِقٍ لِحُكمٍ سابِقٍ لا يُسَمَّى خَطَأً فِي التَّشريعِ، بَل هُوَ وَحيٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى يَنزِلُ بِالحِكمَةِ الَّتِي يَشاءُها. فَقَد يُبَلِّغُ النَّبِيُّ ﷺ حُكمًا بِوَحيٍ، ثُمَّ يَأتيهِ وَحيٌ آخَرُ بِتَكمِلَةٍ أَو تَخصيصٍ أَو نَسخٍ، فَيُبَلِّغُهُ كَما أُمِرَ؛ فَيَكونُ الأَوَّلُ وَحيًا، وَالثّانِي وَحيًا، وَالحِكمَةُ فِي ذٰلِكَ راجِعَةٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى، لا إِلَى وَهمٍ أَو خَطَإٍ فِي التَّشريعِ.
❁ أَمّا ما يُبَلِّغُهُ النَّبِيُّ ﷺ عَن رَبِّهِ، وَما يَصدُرُ عَنهُ فِي مَقامِ التَّشريعِ وَالبَيانِ، فَهُوَ هُدًى وَوَحيٌ وَتَعليمٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى. قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوى إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يوحى﴾ [النَّجمُ: ٣-٤]، وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيكَ الكِتابَ وَالحِكمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَم تَكُن تَعلَمُ﴾ [النِّساءُ: ١١٣].
❁ وَقَد فَسَّرَ جَماعَةٌ مِن أَهلِ العِلمِ الحِكمَةَ فِي هٰذِهِ الآياتِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَطَفَها عَلَى الكِتابِ، وَجَعَلَ مِن مَهامِّ الرَّسولِ ﷺ تَعليمَ النّاسِ الكِتابَ وَالحِكمَةَ. وَقالَ اللهُ تَعَالَى فِي وَصفِ نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿يَأمُرُهُم بِالمَعروفِ وَيَنهاهُم عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأَعرافُ: ١٥٧]، فَأَثبَتَ لَهُ الأَمرَ وَالنَّهيَ وَالإِحلالَ وَالتَّحريمَ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى.
❁ فَالرَّسولُ ﷺ لا يُشَرِّعُ مِن عِندِ نَفسِهِ مُستَقِلًّا عَن رَبِّهِ، وَلٰكِنَّهُ يُبَيِّنُ وَيُفَصِّلُ وَيُبَلِّغُ بِوَحيِ اللهِ وَإِذنِهِ. فَإِن أُريدَ بِقَولِهِم: «الرَّسولُ لا يُشَرِّعُ» أَنَّهُ لا يَستَقِلُّ عَنِ اللهِ تَعَالَى فِي التَّشريعِ، فَهٰذا حَقٌّ. وَإِن أُريدَ أَنَّ أَمرَهُ وَنَهيَهُ وَبَيانَهُ لا يَلزَمُ الأُمَّةَ، فَهٰذا باطِلٌ يُناقِضُ القُرآنَ نَفسَهُ.
*❖ رابِعًا: إِخبارُ النَّبِيِّ ﷺ بِظُهورِ رادِّي السُّنَّةِ*
❁ لَم تَكُن دَعوى الِاكتِفاءِ بِالقُرآنِ وَرَدِّ السُّنَّةِ أَمرًا مُستَحدَثًا لَم يُنَبِّه عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ، بَل أَخبَرَ عَن ظُهورِ أُناسٍ يَرفُضونَ حَديثَهُ بِدَعوى أَنَّهُم يَكتَفونَ بِكِتابِ اللهِ.
❁ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «يُوشِكُ أَن يَقعُدَ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَريكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَديثٍ مِن حَديثِي، فَيَقولُ: بَينَنا وَبَينَكُم كِتابُ اللهِ؛ فَما وَجَدنا فِيهِ مِن حَلالٍ استَحلَلناهُ، وَما وَجَدنا فِيهِ مِن حَرامٍ حَرَّمناهُ، أَلَا وَإِنَّ ما حَرَّمَ رَسولُ اللهِ مِثلُ ما حَرَّمَ اللهُ».
❁ وَقالَ ﷺ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ».
❁ فَهٰذانِ الحَديثانِ يَكشِفانِ مَنهَجَ رادِّي السُّنَّةِ قَبلَ ظُهورِهِم، وَيُبَيِّنانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُوتِيَ مَعَ القُرآنِ وَحيًا وَبَيانًا يَجِبُ اتِّباعُهُ.
❁ وَلَيسَ مَعنى قَولِهِ: «وَمِثلَهُ مَعَهُ» أَنَّ السُّنَّةَ تُساوي القُرآنَ فِي جَميعِ خَصائِصِهِ؛ فَالقُرآنُ كَلامُ اللهِ المُعجِزُ المُتَعَبَّدُ بِتِلاوَتِهِ، وَلٰكِنَّ المَعنى أَنَّ السُّنَّةَ وَحيٌ فِي مَعانِيها وَتَشريعِها، وَأَنَّها حُجَّةٌ يَجِبُ العَمَلُ بِها.
❁ وَهٰذا مُصَدِّقٌ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهوا﴾ [الحَشرُ: ٧]، وَقَولِهِ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسولَ فَقَد أَطاعَ اللهَ﴾ [النِّساءُ: ٨٠].
*❖ خامِسًا: شُبهَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَن كِتابَةِ الحَديثِ*
❁ يَستَدِلُّ بَعضُ رادِّي السُّنَّةِ بِحَديثِ: «لَا تَكتُبوا عَنِّي، وَمَن كَتَبَ عَنِّي غَيرَ القُرآنِ فَليَمحُهُ»، وَيَزعُمونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَن كِتابَةِ السُّنَّةِ؛ فَلَو كانَت مِنَ الدِّينِ لَأَمَرَ بِكِتابَتِها كَما أَمَرَ بِكِتابَةِ القُرآنِ.
❁ وَأَوَّلُ ما يُقالُ لَهُم: إِنَّ مِنَ العَجَبِ أَن يَستَدِلَّ مَن يُنكِرُ حُجِّيَّةَ الحَديثِ بِحَديثٍ نَبَوِيٍّ لِيُثبِتَ عَدَمَ حُجِّيَّةِ الحَديثِ! فَإِن كانَ الحَديثُ لا يُحتَجُّ بِهِ، بَطَلَ استِدلالُهُ، وَإِن كانَ يُحتَجُّ بِهِ، ثَبَتَ أَصلُ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ.
❁ ثُمَّ إِنَّ هٰذا الحَديثَ لا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَذَّرَ مِنَ العَمَلِ بِسُنَّتِهِ، فَالفَرقُ ظاهِرٌ بَينَ النَّهيِ عَنِ الكِتابَةِ فِي ظَرفٍ مُعَيَّنٍ، وَبَينَ النَّهيِ عَن قَبولِ السُّنَّةِ وَالعَمَلِ بِها.
❁ وَقَد جَمَعَ العُلَماءُ بَينَ حَديثِ النَّهيِ وَبَينَ الأَحاديثِ الَّتي أَذِنَ فِيها النَّبِيُّ ﷺ بِكِتابَةِ حَديثِهِ، فَحَمَلوا النَّهيَ عَلَى أَوَّلِ الأَمرِ؛ خَشيَةَ اختِلاطِ القُرآنِ بِغَيرِهِ، أَو عَلَى جَمعِ القُرآنِ وَالحَديثِ فِي صَحيفَةٍ واحِدَةٍ، أَو عَلَى مَن خُشِيَ عَلَيهِ الاتِّكالُ عَلَى الكِتابَةِ وَتَركُ الحِفظِ.
❁ وَقِيلَ: إِنَّ حَديثَ النَّهيِ مَنسوخٌ بِأَحاديثِ الإِذنِ الَّتي جاءَت بَعدَ أَن تَمَيَّزَ القُرآنُ، وَأُمِنَ اختِلاطُهُ بِغَيرِهِ.
❁ وَمِن أَوضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى الإِذنِ بِالكِتابَةِ ما رَواهُ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرو بنِ العاصِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، قالَ: «كُنتُ أَكتُبُ كُلَّ شَيءٍ أَسمَعُهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ أُريدُ حِفظَهُ، فَنَهَتنِي قُرَيشٌ، فَذَكَرتُ ذٰلِكَ لِرَسولِ اللهِ ﷺ، فَأَومَأَ بِإِصبَعِهِ إِلَى فِيهِ، وَقالَ: اكتُب؛ فَوَالَّذي نَفسِي بِيَدِهِ، ما يَخرُجُ مِنهُ إِلَّا حَقٌّ».
❁ وَكانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرو، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، يَكتُبُ حَديثَ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَحيفَةٍ مَشهورَةٍ سُمِّيَت «الصّادِقَةَ».
❁ وَمِن أَدِلَّةِ الإِذنِ أَيضًا قَولُ النَّبِيِّ ﷺ يَومَ فَتحِ مَكَّةَ: «اكتُبوا لِأَبِي شاهٍ»، لَمّا طَلَبَ أَبو شاهٍ أَن تُكتَبَ لَهُ خُطبَةُ النَّبِيِّ ﷺ.
❁ وَكَذٰلِكَ كُتُبُهُ ﷺ إِلَى عُمّالِهِ وَوُلاتِهِ وَالمُلوكِ وَالقَبائِلِ، وَكِتابُ الصَّدَقَةِ، وَالكُتُبُ الَّتي اشتَمَلَت عَلَى أَحكامِ الدِّياتِ وَالفَرائِضِ وَغَيرِها، كُلُّها أَدِلَّةٌ عَمَلِيَّةٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ كانَت تُكتَبُ فِي عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ.
❁ وَلَم يَكُن حِفظُ السُّنَّةِ مَحصورًا فِي الكِتابَةِ وَحدَها، بَل كانَ يَقومُ أَيضًا عَلَى الحِفظِ وَالمُذاكَرَةِ وَالتَّبليغِ وَالتَّلقِّي الجَماعيِّ، وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَضَّرَ اللهُ امرَأً سَمِعَ مِنّا شَيئًا فَبَلَّغَهُ كَما سَمِعَهُ»، وَقالَ: «لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ».
❁ وَقَد كانَ العَرَبُ أُمَّةً قَوِيَّةَ الحِفظِ، وَكانَ الصَّحابَةُ يَتَناوَبونَ حُضورَ مَجالِسِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيُبَلِّغُ بَعضُهُم بَعضًا، وَيَتَذاكَرونَ ما سَمِعوهُ.
❁ فَعَدَمُ تَماثُلِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ فِي طَريقَةِ التَّدوينِ لا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ؛ فَلِلقُرآنِ خَصائِصُ لا تُشارِكُهُ فِيها السُّنَّةُ، فَهُوَ المُتَعَبَّدُ بِلَفظِهِ، المُعجِزُ بِنَظمِهِ، المَجمُوعُ بَينَ دَفَّتَي المُصحَفِ.
*❖ سادِسًا: تَثَبُّتُ الصَّحابَةِ فِي نَقلِ السُّنَّةِ*
❁ يَزعُمُ بَعضُهُم أَنَّ أَبا بَكرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، كانا يَمنَعانِ النّاسَ مِن رِوايَةِ السُّنَّةِ، وَيَجعَلونَ بَعضَ مَواقِفِهِما دَليلًا عَلَى عَدَمِ حُجِّيَّةِ الحَديثِ.
❁ وَهٰذا فَهمٌ مَقلوبٌ؛ فَإِنَّهُما لَم يَرُدّا السُّنَّةَ، بَل كانا يَحتاطانِ فِي نَقلِها، وَيَستَثبِتانِ مِنَ الرُّواةِ؛ حِفاظًا عَلَى حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنَ الخَطَإِ وَالوَهمِ وَالكَذِبِ.
❁ وَالفَرقُ كَبيرٌ بَينَ رَدِّ السُّنَّةِ وَبَينَ التَّثَبُّتِ مِن صِحَّةِ نِسبَتِها إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَرادُّ السُّنَّةِ يَرفُضُ الحَديثَ وَلَو ثَبَتَ، أَمّا المُتَثَبِّتُ فَيَبحَثُ عَن ثُبوتِهِ، فَإِذا ثَبَتَ قَبِلَهُ وَعَمِلَ بِهِ.
❁ فَقَد جاءَت جَدَّةٌ إِلَى أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، تَسأَلُهُ عَن مِيراثِها، فَقالَ لَها: «ما لَكِ فِي كِتابِ اللهِ شَيءٌ، وَما عَلِمتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ شَيئًا، فَارجِعِي حَتّى أَسأَلَ النّاسَ».
❁ فَشَهِدَ المُغيرَةُ بنُ شُعبَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعطى الجَدَّةَ السُّدُسَ، فَطَلَبَ أَبو بَكرٍ مَن يُؤَيِّدُ خَبَرَهُ، فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَضى أَبو بَكرٍ لِلجَدَّةِ بِالسُّدُسِ.
❁ فَلَو كانَ أَبو بَكرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، يَرُدُّ السُّنَّةَ، لَما سَأَلَ عَنها، وَلَما قَبِلَها بَعدَ ثُبوتِها، وَلَما حَكَمَ بِمُقتَضاها.
❁ وَكَذٰلِكَ ما وَقَعَ لِعُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مَعَ أَبِي موسى الأَشعَرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لَمّا استَأذَنَ أَبو موسى ثَلاثًا، ثُمَّ رَجَعَ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَن سَبَبِ رُجوعِهِ.
❁ فَقالَ أَبو موسى: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «الِاستِئذانُ ثَلاثٌ، فَإِن أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارجِع»، فَطَلَبَ عُمَرُ مَن يُؤَيِّدُ خَبَرَهُ، فَشَهِدَ أَبو سَعيدٍ الخُدرِيُّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ سَمِعَ الحَديثَ.
❁ وَقالَ عُمَرُ لِأَبِي موسى ما مَعناهُ: إِنِّي لَم أَتَّهِمكَ، وَلٰكِنِّي أَردتُ أَن يَتَثَبَّتَ النّاسُ فِيما يَروونَهُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ فَتَشديدُ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لَم يَكُن رَفضًا لِلسُّنَّةِ، بَل صِيانَةً لَها عَنِ التَّساهُلِ وَالكَذِبِ، وَتَعليمًا لِلنّاسِ أَنَّ نِسبَةَ القَولِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَمرٌ عَظيمٌ.
*❖ سابِعًا: كَيفَ نَعرِفُ الحَديثَ الصَّحيحَ مِنَ الضَّعيفِ؟*
❁ قَد يَسأَلُ سائِلٌ مُستَرشِدٌ: كَيفَ أَعرِفُ الحَديثَ الصَّحيحَ مِنَ الضَّعيفِ وَالمَوضوعِ؟ وَهٰذا سُؤالٌ مَشروعٌ، وَلٰكِنَّ الجَوابَ عَنهُ لا يَكونُ بِرَدِّ الأَحاديثِ جَميعًا.
❁ فَكَما أَنَّ وُجودَ أَدوِيَةٍ مَغشوشَةٍ لا يَقتَضي إِلغاءَ عِلمِ الطِّبِّ، وَوُجودَ نُقودٍ مُزَيَّفَةٍ لا يَقتَضي رَفضَ جَميعِ النُّقودِ، فَوُجودُ أَحاديثَ مَوضوعَةٍ لا يَقتَضي رَدَّ السُّنَّةِ كُلِّها.
❁ بَل إِنَّ مَعرِفَتَنا بِأَنَّ حَديثًا ما مَوضوعٌ، وَأَنَّ آخَرَ ضَعيفٌ، وَأَنَّ غَيرَهُما صَحيحٌ، دَليلٌ عَلَى وُجودِ مَوازينَ عِلمِيَّةٍ مَيَّزَ بِها العُلَماءُ بَينَ مَراتِبِ الأَخبارِ.
❁ وَتَمييزُ صَحيحِ الحَديثِ مِن سَقيمِهِ صِناعَةٌ عِلمِيَّةٌ دَقيقَةٌ، لَها أُصولُها وَقَواعِدُها وَمُصطَلَحاتُها وَأَئِمَّتُها، كَما أَنَّ لِلطِّبِّ وَالهَندَسَةِ وَسائِرِ العُلومِ أَهلًا مُتَخَصِّصينَ.
❁ وَقَد بَذَلَ أَئِمَّةُ الحَديثِ جُهودًا عَظيمَةً فِي دِراسَةِ أَحوالِ الرُّواةِ؛ فَتَتَبَّعوا مَواليدَهُم وَوَفَياتِهِم، وَشُيوخَهُم وَتَلامِيذَهُم، وَأَسفارَهُم وَبُلدانَهُم، وَأَوقاتَ سَماعِهِم، وَدَرَجاتِ حِفظِهِم وَضَبطِهِم.
❁ وَنَظَروا فِي اتِّصالِ الأَسانيدِ وَانقِطاعِها، وَفِي إِمكانِ لِقاءِ الرّاوي بِمَن رَوى عَنهُ، وَقارَنوا بَينَ طُرُقِ الحَديثِ وَأَلفاظِهِ، وَكَشَفوا ما يَقَعُ فِيها مِن وَهمٍ أَو إِدراجٍ أَو قَلبٍ أَو تَصحيفٍ.
❁ وَلَم تَقتَصِر عِنايَتُهُم عَلَى الإِسنادِ، بَل نَقَدوا المُتونَ أَيضًا، وَعَرَفوا الشّاذَّ وَالمُنكَرَ وَالمُضطَرِبَ وَالمَقلوبَ وَالمُدرَجَ، وَتَتَبَّعوا العِلَلَ الخَفِيَّةَ الَّتي لا يَنتَبِهُ لَها إِلَّا كِبارُ الحُفّاظِ.
❁ وَاشتَرَطوا لِصِحَّةِ الحَديثِ اتِّصالَ سَنَدِهِ، وَعَدالَةَ رُواتِهِ، وَتَمامَ ضَبطِهِم، وَسَلامَتَهُ مِنَ الشُّذوذِ وَالعِلَّةِ القادِحَةِ.
❁ وَأَلَّفوا كُتُبًا عَظيمَةً فِي الجَرحِ وَالتَّعديلِ، وَالرِّجالِ، وَالعِلَلِ، وَالضُّعَفاءِ، وَالمَتروكينَ، وَالمَوضوعاتِ، وَلَم يُجامِلوا فِي دِينِ اللهِ أَحَدًا.
❁ فَكَشفُ الأَحاديثِ المَوضوعَةِ لا يَدُلُّ عَلَى ضَعفِ عِلمِ الحَديثِ، بَل يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِ؛ لِأَنَّ العُلَماءَ لَو لَم يَملِكوا مَوازينَ النَّقدِ لَما كَشَفوا الكَذِبَ وَالوَضّاعينَ.
❁ وَمِمّا يُروى أَنَّ عَبدَ الكَريمِ بنَ أَبِي العَوجاءِ، وَهُوَ مِمَّن كانَ يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ، لَمّا قُدِّمَ لِلقَتلِ زَعَمَ أَنَّهُ وَضَعَ أَربَعَةَ آلافِ حَديثٍ، يُحَرِّمُ فِيها الحَلالَ وَيُحَلِّلُ فِيها الحَرامَ.
❁ فَقِيلَ لَهُ: «يا خَبيثُ، أَتَحسَبُ أَنَّها تَغيبُ عَلَى ابنِ عُيَينَةَ وَابنِ المُبارَكِ؟!»، أَي: أَتَظُنُّ أَنَّ كَذِبَكَ سَيَخفَى عَلَى نُقّادِ الحَديثِ الَّذينَ عَرَفوا الرُّواةَ وَالأَسانيدَ وَطُرُقَ الأَخبارِ؟
❁ وَالمَقصودُ أَنَّ الكَذِبَ وَقَعَ، وَلٰكِنَّهُ لَم يَمُرَّ دُونَ كَشفٍ، بَل قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَن يَفضَحُهُ وَيُمَيِّزُهُ مِنَ الحَديثِ الصَّحيحِ.
❁ وَلَيسَ لِغَيرِ المُتَخَصِّصِ أَن يَستَقِلَّ بِتَصحيحِ الأَحاديثِ وَتَضعيفِها، بَل يَرجِعُ إِلَى أَحكامِ الحُفّاظِ وَالنُّقّادِ، كَما يَرجِعُ فِي الطِّبِّ إِلَى الطَّبيبِ، وَفِي البِناءِ إِلَى المُهَندِسِ.
❁ وَقَد قالَ الحافِظُ العِراقِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ:
«وَخُذهُ حَيثُ حافِظٌ عَلَيهِ نَصّ ~ أَو مِن مُصَنَّفٍ بِجَمعِهِ يُخَصّ»
❁ وَالمَعنى أَنَّ صِحَّةَ الحَديثِ تُعرَفُ بِنَصِّ إِمامٍ حافِظٍ مُؤَهَّلٍ، أَو بِوُجودِهِ فِي كِتابٍ اشتَرَطَ مُصَنِّفُهُ الصِّحَّةَ.
❁ وَمَعَ ذٰلِكَ، فَمَعرِفَةُ صِحَّةِ الحَديثِ شَيءٌ، وَاستِنباطُ الحُكمِ الفِقهِيِّ مِنهُ شَيءٌ آخَرُ؛ فَقَد يَصِحُّ الحَديثُ، وَلٰكِنَّ فَهمَهُ وَالجَمعَ بَينَهُ وَبَينَ غَيرِهِ، وَمَعرِفَةَ عامِّهِ وَخاصِّهِ وَناسِخِهِ وَمَنسوخِهِ، يَحتاجُ إِلَى فِقهٍ وَأُصولٍ وَاجتِهادٍ.
*❖ ثامِنًا: شُبهَةُ أَنَّ السُّنَّةَ كَتَبَها العَجَمُ*
❁ يَزعُمُ بَعضُ رادِّي السُّنَّةِ أَنَّ الَّذينَ دَوَّنوا الحَديثَ كانُوا مِنَ العَجَمِ، ثُمَّ يَجعَلونَ عُجمَتَهُم دَليلًا عَلَى أَنَّهُم كانوا مُتَآمِرينَ عَلَى الإِسلامِ.
❁ وَهٰذِهِ شُبهَةٌ تَجمَعُ بَينَ الجَهلِ بِالتّاريخِ وَالتَّعَصُّبِ العِرقِيِّ؛ فَقَد خَدَمَ السُّنَّةَ عَرَبٌ وَعَجَمٌ، وَكانَ مِن أَئِمَّةِ الحَديثِ وَالفِقهِ عَرَبٌ كَثيرونَ، كَمالِكِ بنِ أَنَسٍ، وَالشّافِعِيِّ، وَأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وَالحُمَيدِيِّ القُرَشِيِّ، وَغَيرِهِم.
❁ وَكانَ فِي خُدّامِ السُّنَّةِ أَئِمَّةٌ مِن غَيرِ العَرَبِ، شَرَّفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِخِدمَةِ دِينِهِ، وَلا يَقدَحُ فِي عِلمِ العالِمِ وَأَمانَتِهِ أَن يَكونَ عَرَبِيًّا أَو أَعجَمِيًّا.
❁ قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقاكُم﴾ [الحُجُراتُ: ١٣]، فَمِعيارُ الفَضلِ هُوَ التَّقوى وَالعِلمُ وَالصِّدقُ، لا الجِنسُ وَالنَّسَبُ وَاللُّغَةُ.
❁ وَكُتُبُ السُّنَّةِ لَم تُقبَل لِأَنَّ مُصَنِّفِيها مِن قَومٍ مُعَيَّنينَ، بَل قُبِلَ ما فِيها بِصِحَّةِ الأَسانيدِ، وَعَدالَةِ الرُّواةِ، وَضَبطِهِم، وَسَلامَةِ المُتونِ مِنَ الشُّذوذِ وَالعِلَلِ.
❁ فَالمِعيارُ الصَّحيحُ لَيسَ: أَعَرَبِيٌّ هُوَ أَم أَعجَمِيٌّ؟ بَل: أَثِقَةٌ هُوَ أَم لا؟ أَضابِطٌ هُوَ أَم لا؟ أَثَبَتَت رِوايَتُهُ بِالمَوازينِ العِلمِيَّةِ أَم لَم تَثبُت؟
*❖ تاسِعًا: شُبهَةُ عَرضِ السُّنَّةِ عَلَى القُرآنِ*
❁ يَستَدِلُّ بَعضُ رادِّي السُّنَّةِ بِخَبَرٍ يَشيعُ عَلَى أَلسِنَتِهِم، مَعناهُ: «ما جاءَكُم عَنِّي فَاعرِضوهُ عَلَى كِتابِ اللهِ، فَما وافَقَهُ فَخُذوهُ، وَما خالَفَهُ فَرُدُّوهُ»، وَيَجعَلونَهُ أَصلًا فِي رَدِّ كُلِّ حَديثٍ لَم يَجِدوا مَعناهُ مَنصوصًا عَلَيهِ فِي القُرآنِ.
❁ وَأَوَّلُ ما يُقالُ لَهُم: كَيفَ تَستَدِلُّونَ بِحَديثٍ عَلَى عَدَمِ حُجِّيَّةِ الحَديثِ؟ فَإِن كانَ الحَديثُ لا يُحتَجُّ بِهِ عِندَكُم، بَطَلَ استِدلالُكُم، وَإِن كانَ يُحتَجُّ بِهِ، فَقَد أَقرَرتُم بِأَصلِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ.
❁ ثُمَّ إِنَّ هٰذا الخَبَرَ بِأَلفاظِهِ لا يَثبُتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمِنَ التَّناقُضِ أَن يَرفُضوا السُّنَّةَ خَوفًا مِنَ الضَّعيفِ وَالمَوضوعِ، ثُمَّ يَستَدِلُّوا بِخَبَرٍ لا يَثبُتُ لِرَدِّ الأَحاديثِ الصَّحيحَةِ.
❁ فما رُوِيَ بِلَفظِ: «ما جاءَكُم عَنِّي فاعرِضوهُ عَلَى كِتابِ اللهِ، فَما وافَقَهُ فَأَنا قُلتُهُ، وَما خالَفَهُ فَلَم أَقُلهُ». قَد بَيَّنَ الإِمامُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، بُطلانَ الاحتِجاجِ بِهٰذا الخَبَرِ، وَقالَ فِي مَعناهُ: إِنَّهُ لَم يَروِهِ أَحَدٌ يَثبُتُ حَديثُهُ فِي صَغيرٍ وَلا كَبيرٍ، وَإِنَّما هُوَ رِوايَةٌ مُنقَطِعَةٌ عَن رَجُلٍ مَجهولٍ، وَمِثلُ هٰذِهِ الرِّوايَةِ لا تُقبَلُ فِي شَيءٍ، فَكَيفَ تُجعَلُ أَصلًا لِرَدِّ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ؟!
❁ وَقَد تَتَبَّعَ البَيهَقِيُّ طُرُقَ هٰذا المَعنى، فَبَيَّنَ أَنَّ ما رُوِيَ فِي عَرضِ الحَديثِ عَلَى القُرآنِ بِالصِّيغَةِ الَّتِي يَحتَجُّ بِها مُنكِرُو السُّنَّةِ لا يَثبُتُ، وَأَنَّ أَسانيدَهُ تَدورُ بَينَ الانقِطاعِ وَالجَهالَةِ وَالضَّعفِ وَالاضطِرابِ. فَمِن ذٰلِكَ رِوايَةُ خالِدِ بنِ أَبي كَريمَةَ عَن أَبي جَعفَرَ، وَقَد حَكَمَ البَيهَقِيُّ عَلَيها بِالانقِطاعِ؛ لأَنَّ خالِدًا مَجهولٌ، وَأَبا جَعفَرٍ لَيسَ صَحابِيًّا. وَمِنها رِواياتٌ أُخَرُ فِي أَسانيدِها مَجاهيلُ أَو ضُعفاءُ، كَصالِحِ بنِ موسى الطَّلحِيِّ، وَحُسَينِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ ضُمَيرَةَ، وَبِشرِ بنِ نُمَيرٍ، وَغَيرِهِم مِمَّن لا يُحتَجُّ بِمِثلِ رِوايَتِهِم.
❁ وَالفَرقُ كَبيرٌ بَينَ أَن تُخالِفَ السُّنَّةُ القُرآنَ مُخالَفَةً حَقيقِيَّةً، وَبَينَ أَن تَأتيَ بِحُكمٍ لَم يُذكَر فِي القُرآنِ بِتَفصيلِهِ؛ فَالسُّنَّةُ قَد تُفَصِّلُ مُجمَلَ القُرآنِ، وَتُقَيِّدُ مُطلَقَهُ، وَتُخَصِّصُ عامَّهُ، وَتُبَيِّنُ مُبهَمَهُ.
❁ فَبَيانُ السُّنَّةِ عَدَدَ رَكَعاتِ الصَّلاةِ لا يُعَدُّ مُخالَفَةً لِلقُرآنِ، بَل هُوَ بَيانٌ لِكَيفِيَّةِ امتِثالِ أَمرِهِ. وَبَيانُ أَنصِبَةِ الزَّكاةِ وَمَناسِكِ الحَجِّ لا يُعَدُّ زِيادَةً مُناقِضَةً، بَل تَفصيلًا لِما أَجمَلَهُ القُرآنُ.
❁ وَالمَنهَجُ الصَّحيحُ أَن يُبحَثَ أَوَّلًا فِي صِحَّةِ الحَديثِ، فَإِذا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَبَ قَبولُهُ، ثُمَّ يُفهَمُ فِي ضَوءِ القُرآنِ وَسائِرِ نُصوصِ السُّنَّةِ، وَيُجمَعُ بَينَ الأَدِلَّةِ جَمعًا صَحيحًا.
❁ وَلا يُمكِنُ أَن يَثبُتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَديثٌ صَحيحٌ صَريحٌ يُناقِضُ آيَةً مُحكَمَةً مُناقَضَةً حَقيقِيَّةً؛ لِأَنَّ مَصدَرَ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحيحَةِ واحِدٌ، وَالحَقُّ لا يُناقِضُ الحَقَّ.
❁ وَالمُهِمُّ فِي هٰذا البابِ أَنَّ السُّنَّةَ الثّابِتَةَ لا تُخالِفُ القُرآنَ فِي حَقيقَتِها، بَل تُبَيِّنُ مُجمَلَهُ، وَتُخَصِّصُ عامَّهُ، وَتُقَيِّدُ مُطلَقَهُ، وَتَشرَحُ مُرادَهُ، وَقَد قالَ الشّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي جَوابِ هٰذِهِ الشُّبهَةِ: لَيسَ الحَديثُ يُخالِفُ القُرآنَ، وَلٰكِنَّ حَديثَ رَسولِ اللهِ ﷺ يُبَيِّنُ مَعنى ما أَرادَ اللهُ خَاصًّا وَعامًّا، وَناسِخًا وَمَنسوخًا، ثُمَّ يَلزَمُ النّاسَ ما سَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفَرضِ اللهِ تَعَالَى، فَمَن قَبِلَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ فَعَنِ اللهِ قَبِلَ.
❁ فَلَيسَ المَقصودُ مِن قَولِ أَهلِ العِلمِ: إِنَّ السُّنَّةَ لا تُخالِفُ القُرآنَ، أَن يُرَدَّ كُلُّ حَديثٍ لا يَجِدُ الإِنسانُ نَصَّهُ الحَرفِيَّ فِي القُرآنِ، بَل المَقصودُ أَنَّ السُّنَّةَ الصَّحيحَةَ لا تُناقِضُ أُصولَ القُرآنِ وَلا تَهدِمُ مَعانِيَهُ، وَإِنَّما تَكشِفُ مَعانِيَهُ وَتُفَصِّلُ أَحكامَهُ. وَقَد قالَ ابنُ مَسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «ما مِن شَيءٍ إِلَّا بُيِّنَ لَنا فِي القُرآنِ، وَلٰكِنَّ فَهمَنا يَقصُرُ عَن إِدراكِهِ»، ثُمَّ استَدَلَّ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم﴾. فَالقُرآنُ أَمرَ بِالأَخذِ عَنِ الرَّسولِ ﷺ، وَالسُّنَّةُ هِيَ بَيانُهُ لِلكِتابِ، فَمَن رَدَّها بِدعوى التَّمسُّكِ بِالقُرآنِ فَقَد خالَفَ القُرآنَ نَفسَهُ.
*❖ عاشِرًا: حُجِّيَّةُ خَبَرِ الواحِدِ الثِّقَةِ*
❁ يَسأَلُ بَعضُهُم: كَيفَ نَقبَلُ حَديثًا رَواهُ واحِدٌ أَوِ اثنانِ، مَعَ أَنَّ القُرآنَ نُقِلَ بِالتَّواتُرِ؟
❁ وَالجَوابُ أَنَّ الخَبَرَ لا يُرَدُّ لِقِلَّةِ عَدَدِ ناقِلِيهِ ما دامَ ناقِلُهُ عَدلًا ضابِطًا، وَاتَّصَلَ سَنَدُهُ، وَسَلِمَ مِنَ الشُّذوذِ وَالعِلَّةِ.
❁ فَقِلَّةُ عَدَدِ الرُّواةِ لا تَستَلزِمُ ضَعفَ الخَبَرِ، كَما أَنَّ كَثرَةَ النّاقِلينَ لا تَستَلزِمُ صِحَّةَ كُلِّ ما يَنقُلونَهُ، وَإِنَّما العِبرَةُ بِصِدقِ النّاقِلِ وَعَدالَتِهِ وَضَبطِهِ.
❁ وَقَد دَلَّ القُرآنُ عَلَى التَّفريقِ بَينَ خَبَرِ الفاسِقِ وَخَبَرِ العَدلِ، فَقالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن جاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنوا أَن تُصيبوا قَومًا بِجَهالَةٍ فَتُصبِحوا عَلى ما فَعَلتُم نادِمينَ﴾ [الحُجُراتُ: ٦].
❁ فَتَخصيصُ الفاسِقِ بِالأَمرِ بِالتَّبَيُّنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ العَدلِ لَهُ حُكمٌ آخَرُ، وَلَو كانَ خَبَرُ كُلِّ فَردٍ مَردودًا لِمُجَرَّدِ كَونِهِ فَردًا، لَما كانَ لِتَخصيصِ الفاسِقِ مَعنًى.
❁ وَقَد كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرسِلُ الرَّجُلَ الواحِدَ أَوِ العَدَدَ القَليلَ لِيُعَلِّمُوا النّاسَ الدِّينَ؛ فَأَرسَلَ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، إِلَى اليَمَنِ، وَأَرسَلَ أَبا موسى الأَشعَرِيَّ، وَعَلِيَّ بنَ أَبِي طالِبٍ، وَمُصعَبَ بنَ عُمَيرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُم.
❁ وَلَو لَم يَكُن خَبَرُ الواحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةً، لَما كانَ لِإِرسالِ هٰؤُلاءِ مُنفَرِدينَ مَعنًى؛ لِأَنَّ مَن بُعِثوا إِلَيهِم كانوا مَأمورينَ بِقَبولِ ما يُبَلِّغونَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
❁ وَلَيسَ خَبَرُ الواحِدِ فِي اصطِلاحِ المُحَدِّثينَ خَبَرًا مَجهولًا أَو خَبَرَ رَجُلٍ لا تُعرَفُ حالُهُ، بَل هُوَ ما لَم يَبلُغ دَرَجَةَ التَّواتُرِ، وَقَد يَرويهِ جَماعَةٌ كَثيرَةٌ فِي بَعضِ الطَّبَقاتِ.
❁ وَإِنَّما يُقبَلُ إِذا استَوفى شُروطَ الصِّحَّةِ مِن عَدالَةِ الرُّواةِ وَضَبطِهِم وَاتِّصالِ السَّنَدِ وَالسَّلامَةِ مِنَ الشُّذوذِ وَالعِلَّةِ.
❁ وَالنّاسُ فِي شُؤونِ دُنياهم يَقبَلونَ أَخبارَ الثِّقاتِ؛ فَيَقبَلُ المَريضُ خَبَرَ الطَّبيبِ، وَيَقبَلُ صاحِبُ المالِ خَبَرَ الوَكيلِ، وَيَحكُمُ القاضي بِشَهادَةِ عَدَدٍ مَحدودٍ مِنَ العُدولِ.
❁ فَلِماذا يُقبَلُ خَبَرُ الثِّقَةِ فِي الأَموالِ وَالأَبدانِ وَالحُقوقِ، ثُمَّ يُرَدُّ فِي نَقلِ سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، مَعَ ما أَحاطَ بِهِ المُحَدِّثونَ مِن قَواعِدِ النَّقدِ وَالتَّثَبُّتِ؟
*❖ الحادِيَ عَشَرَ: شُبهَةُ أَنَّ الِاحتِكامَ إِلَى السُّنَّةِ شِركٌ*
❁ يَقولُ بَعضُ المُغالينَ فِي رَفضِ السُّنَّةِ: إِنَّ الحُكمَ لِلَّهِ وَحدَهُ، كَما قالَ تَعَالَى: ﴿إِنِ الحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، وَإِنَّ جَعلَ السُّنَّةِ مَرجِعًا يُحتَكَمُ إِلَيهِ يُعَدُّ إِشراكًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حُكمِ اللهِ.
❁ وَهٰذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُريدَ بِها باطِلٌ؛ فَنَحنُ نُقِرُّ أَنَّ الحُكمَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحدَهُ، وَلٰكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذي أَمَرَ بِطاعَةِ رَسولِهِ ﷺ، وَجَعَلَ الِاحتِكامَ إِلَيهِ مِن صَميمِ الإِيمانِ.
❁ فَالِاحتِكامُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيسَ إِشراكًا لَهُ مَعَ اللهِ، بَل هُوَ امتِثالٌ لِحُكمِ اللهِ فِي وُجوبِ الِاحتِكامِ إِلَى رَسولِهِ.
❁ قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَرسَلنا مِن رَسولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذنِ اللهِ﴾ [النِّساءُ: ٦٤]، فَطاعَةُ الرَّسولِ ﷺ واقِعَةٌ بِإِذنِ اللهِ وَأَمرِهِ.
❁ وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمّا قَضَيتَ وَيُسَلِّموا تَسليمًا﴾ [النِّساءُ: ٦٥].
❁ وَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّما كانَ قَولَ المُؤمِنينَ إِذا دُعوا إِلَى اللهِ وَرَسولِهِ لِيَحكُمَ بَينَهُم أَن يَقولوا سَمِعنا وَأَطَعنا﴾ [النُّورُ: ٥١].
❁ فَلَو كانَ الِاحتِكامُ إِلَى الرَّسولِ ﷺ شِركًا، لَكانَ اللهُ تَعَالَى قَد أَمَرَ عِبادَهُ بِالشِّركِ، وَهٰذا مِن أَبطَلِ الباطِلِ.
❁ وَالحَقُّ أَنَّ تَوحيدَ الحُكمِ لِلَّهِ يَقتَضي طاعَةَ الرَّسولِ ﷺ؛ لِأَنَّ اللهَ هُوَ الَّذي أَرسَلَهُ وَأَمَرَ بِطاعَتِهِ وَتَحكيمِهِ.
*❖ الثّانِيَ عَشَرَ: هَلِ التَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ يُفَرِّقُ الأُمَّةَ؟*
❁ يَزعُمُ بَعضُهُم أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالسُّنَّةِ أَدّى إِلَى اختِلافِ الفُقَهاءِ وَتَعَدُّدِ المَذاهِبِ، وَأَنَّ تَركَ السُّنَّةِ وَالِاكتِفاءَ بِالقُرآنِ يُؤَدِّي إِلَى وَحدَةِ الأُمَّةِ.
❁ وَهٰذا قَولٌ يَخلِطُ بَينَ الِاختِلافِ الفِقهِيِّ المُعتَبَرِ وَبَينَ التَّنازُعِ المَذمومِ؛ فَلَيسَ كُلُّ اختِلافٍ شَرًّا، وَكَثيرٌ مِن اختِلافِ الفُقَهاءِ هُوَ اختِلافُ تَنَوُّعٍ وَاجتِهادٍ.
❁ وَقَد يَختَلِفُ العُلَماءُ فِي ثُبوتِ حَديثٍ، أَو فِي دَلالَتِهِ، أَو فِي الجَمعِ بَينَهُ وَبَينَ غَيرِهِ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَبقَونَ مُجتَمِعينَ عَلَى أُصولِ الإِيمانِ، وَعَلَى تَعظيمِ الكِتابِ وَالسُّنَّةِ.
❁ وَلَم يَمنَعِ الِاختِلافُ الفِقهِيُّ الأَئِمَّةَ مِنَ التَّراحُمِ وَالتَّناصُحِ وَالصَّلاةِ بَعضِهِم خَلفَ بَعضٍ.
❁ ثُمَّ إِنَّ دَعوى أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الَّتي أَوجَدَتِ الِاختِلافَ تَتَجاهَلُ أَنَّ النّاسَ قَد يَختَلِفونَ فِي فَهمِ آياتِ القُرآنِ نَفسِهِ، فَهَل يَقتَضي ذٰلِكَ رَدَّ القُرآنِ؟ كَلّا، بَل يَقتَضي الرُّجوعَ إِلَى أُصولِ الفَهمِ وَقَواعِدِ العِلمِ.
❁ وَأَمَّا رَفضُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ يَفتَحُ البابَ لِكُلِّ إِنسانٍ أَن يَفهَمَ القُرآنَ وَفقَ رَأيِهِ، فَيَصيرُ لِكُلِّ شَخصٍ تَفسيرٌ وَعِبادَةٌ خاصَّةٌ.
❁ وَقَد ظَهَرَ هٰذا فِي اختِلافِ رادِّي السُّنَّةِ أَنفُسِهِم فِي عَدَدِ الصَّلَواتِ وَرَكَعاتِها وَهَيئاتِها، وَفِي كَثيرٍ مِن أَحكامِ الحَلالِ وَالحَرامِ.
❁ وَكَيفَ يَكونُ اتِّباعُ رَسولِ اللهِ ﷺ سَبَبًا لِلفُرقَةِ، وَقَد قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهدِي إِلَى صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾ [الشُّورى: ٥٢]؟
❁ وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿فَليَحذَرِ الَّذينَ يُخالِفونَ عَن أَمرِهِ أَن تُصيبَهُم فِتنَةٌ أَو يُصيبَهُم عَذابٌ أَليمٌ﴾ [النُّورُ: ٦٣]، فَجَعَلَ مُخالَفَةَ أَمرِ الرَّسولِ ﷺ سَبَبًا لِلفِتنَةِ، لا اتِّباعَهُ.
❁ فَالسُّنَّةُ هِيَ الَّتي تَجمَعُ الأُمَّةَ عَلَى بَيانِ نَبِيِّها ﷺ، وَتَضبِطُ فَهمَها لِلقُرآنِ، وَرَفضُها هُوَ الَّذي يُؤَدِّي إِلَى تَعَدُّدِ الأَهواءِ وَالتَّفسيراتِ.
*❖ الثّالِثَ عَشَرَ: الطَّعنُ فِي الصَّحابَةِ وَالرُّواةِ لِإِسقاطِ السُّنَّةِ*
❁ لَمّا عَجَزَ بَعضُ رادِّي السُّنَّةِ عَن إِبطالِ مَنهَجِ نَقلِ الحَديثِ عِلمِيًّا، انتَقَلوا إِلَى الطَّعنِ فِي حَمَلَتِهِ، فَطَعَنوا فِي الصَّحابَةِ وَالرُّواةِ وَأَئِمَّةِ الحَديثِ.
❁ وَهٰذا المَسلَكُ لا يَهدِمُ السُّنَّةَ وَحدَها، بَل يَهدِمُ نَقلَ الدِّينِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الصَّحابَةَ الَّذينَ نَقَلوا السُّنَّةَ هُم نَفسُهُم الَّذينَ نَقَلوا القُرآنَ وَشَهِدوا تَنزيلَهُ.
❁ فَإِذا كانَ الصَّحابَةُ غَيرَ مَأمونينَ فِي نَقلِ السُّنَّةِ، فَما الَّذي يَضمَنُ أَمانَتَهُم فِي نَقلِ القُرآنِ؟
❁ وَلَم تَقُم مَعرِفَةُ الأُمَّةِ بِالسُّنَّةِ عَلَى حُسنِ ظَنٍّ مُجَرَّدٍ، بَل أَقامَ العُلَماءُ عِلمَ الجَرحِ وَالتَّعديلِ، فَفَرَّقوا بَينَ العَدلِ وَالمَجروحِ، وَبَينَ المُتقِنِ وَالضَّعيفِ، وَبَينَ المُتَّصِلِ وَالمُنقَطِعِ.
❁ فَالتَّشكيكُ المُطلَقُ فِي الرُّواةِ لا يُعَدُّ نَقدًا عِلمِيًّا، بَل هُوَ هَدمٌ لِسِلسِلَةِ التَّلقِّي كُلِّها.
❁ وَمِنَ التَّناقُضِ أَنَّ رادِّي السُّنَّةِ يَرفُضونَ أَسانيدَ المُحَدِّثينَ، ثُمَّ يَعتمِدونَ فِي دَعاواهُم عَلَى أَخبارٍ تاريخِيَّةٍ وَأَقوالٍ لا تَبلُغُ فِي التَّوثيقِ مَبلَغَ الأَحاديثِ الَّتي يَرُدُّونَها.
*❖ الرّابِعَ عَشَرَ: إِنكارُ بَعضِ الغَيبيّاتِ الثّابِتَةِ بِالسُّنَّةِ*
❁ لَم يَقتَصِر رَفضُ السُّنَّةِ عِندَ بَعضِهِم عَلَى أَبوابِ الفِقهِ وَالأَحكامِ، بَل امتَدَّ إِلَى إِنكارِ بَعضِ أَخبارِ الغَيبِ الَّتي ثَبَتَت فِي السُّنَّةِ الصَّحيحَةِ، كَبَعضِ أَخبارِ القَبرِ وَاليَومِ الآخِرِ.
❁ وَقَد يَسخَرُ بَعضُهُم مِن هٰذِهِ الأَخبارِ؛ لِأَنَّها لا تَخضَعُ لِما أَلِفَهُ بِحَواسِّهِ، وَهٰذا مَنهَجٌ فاسِدٌ؛ لِأَنَّ الغَيبَ لا يُقاسُ بِالمَألوفِ الحِسِّيِّ، وَإِنَّما يُعرَفُ بِالوَحيِ الصَّحيحِ.
❁ فَإِذا ثَبَتَ الخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَجَبَ تَلَقِّيهِ بِالقَبولِ، وَلا يَجوزُ رَدُّهُ لِمُجَرَّدِ أَنَّ العَقلَ القاصِرَ لا يَتَصَوَّرُ كَيفِيَّتَهُ.
❁ وَالسُّخرِيَةُ مِن أَخبارِ الدِّينِ لا تُعَدُّ بَحثًا عِلمِيًّا، بَل هِيَ مَسلَكُ مَن عَجَزَ عَنِ الحُجَّةِ فَاستَعاضَ عَنها بِالتَّهَكُّمِ.
*❖ الخامِسَ عَشَرَ: الثَّمَرَةُ العَمَلِيَّةُ لِرَفضِ السُّنَّةِ*
❁ إِنَّ أَقوَى ما يَكشِفُ فَسادَ مَنهَجِ رادِّي السُّنَّةِ هُوَ النَّتائِجُ العَمَلِيَّةُ الَّتي انتَهى إِلَيها أَتباعُهُ؛ فَقَد اختَلَفوا فِي عَدَدِ الصَّلَواتِ وَرَكَعاتِها وَهَيئاتِها، وَفِي أَحكامِ الزَّكاةِ وَالصِّيامِ وَالحَجِّ وَالحِجابِ وَالحَلالِ وَالحَرامِ.
❁ فَمِنهُم مَن أَسقَطَ بَعضَ الصَّلَواتِ، وَمِنهُم مَن جَعَلَ الصُّبحَ أَربَعَ رَكَعاتٍ، وَمِنهُم مَن جَعَلَ الصَّلواتِ كُلَّها رَكعَتَينِ، وَمِنهُم مَن أَحدَثَ صَلاةً زائِدَةً.
❁ وَمِنهُم مَن أَباحَ ما ثَبَتَ تَحريمُهُ بِالسُّنَّةِ، أَو هَوَّنَ مِن أَحكامٍ أَجمَعَت عَلَيها الأُمَّةُ، وَذٰلِكَ كُلُّهُ نَتيجَةٌ طَبيعِيَّةٌ لِنَزعِ السُّنَّةِ مِن بُنيانِ الدِّينِ.
❁ فَإِذا لَم يَكُن بَيانُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ المَرجِعَ فِي فَهمِ القُرآنِ، صارَ كُلُّ إِنسانٍ مُشَرِّعًا لِنَفسِهِ، وَتَعَدَّدَتِ الأَديانُ بِعَدَدِ القِراءاتِ الشَّخصِيَّةِ.
❁ وَيَبدأُ الأَمرُ بِقَولِهِم: «القُرآنُ كافٍ»، ثُمَّ يَنتَهِي إِلَى رَفضِ السُّنَّةِ، ثُمَّ الطَّعنِ فِي الصَّحابَةِ، ثُمَّ إِسقاطِ الإِجماعِ، ثُمَّ إِعادَةِ صِياغَةِ الصَّلاةِ وَالصِّيامِ وَالحِجابِ وَسائِرِ الأَحكامِ.
❁ وَعِندَ ذٰلِكَ لا يَبقى مِنَ الدِّينِ إِلَّا اسمُهُ، وَلا مِنَ القُرآنِ إِلَّا أَلفاظُهُ، أَمّا مَعانِيهِ وَتَطبيقُهُ فَيُترَكانِ لِلأَهواءِ وَالتَّأويلاتِ المُنفَلِتَةِ.
*❖ السّادِسَ عَشَرَ: المَنهَجُ الصَّحيحُ فِي التَّعامُلِ مَعَ السُّنَّةِ*
❁ المَنهَجُ الصَّحيحُ لا يَقومُ عَلَى قَبولِ كُلِّ ما نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِن غَيرِ تَثَبُّتٍ، وَلا عَلَى رَدِّ السُّنَّةِ كُلِّها بِحُجَّةِ وُجودِ الضَّعيفِ وَالمَوضوعِ.
❁ بَل يَقومُ عَلَى قَبولِ ما صَحَّ وَثَبَتَ، وَرَدِّ ما لَم يَصِحَّ، وَالرُّجوعِ فِي ذٰلِكَ إِلَى أَهلِ العِلمِ وَالاختِصاصِ.
❁ فَكُلُّ صِناعَةٍ لَها أَهلُها، وَكُلُّ عِلمٍ لَهُ أُصولُهُ وَقَواعِدُهُ، وَعَدَمُ مَعرِفَةِ الإِنسانِ بِعِلمٍ لا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذٰلِكَ العِلمَ لا وُجودَ لَهُ.
❁ فَمَن لَم يَعرِف عِلمَ الحَديثِ لا يَحِقُّ لَهُ أَن يَزعُمَ أَنَّهُ لا فَرقَ بَينَ الصَّحيحِ وَالمَوضوعِ، كَما لا يَحِقُّ لِمَن يَجهَلُ الطِّبَّ أَن يَزعُمَ أَنَّهُ لا فَرقَ بَينَ الدَّواءِ وَالسُّمِّ.
❁ وَمُواجَهَةُ شُبُهاتِ رادِّي السُّنَّةِ لا تَكونُ بِالِانفِعالِ فَحَسبُ، بَل بِتَحريرِ مَحلِّ النِّزاعِ، وَإِظهارِ تَناقُضِهِم، وَبَيانِ أَنَّ السُّنَّةَ لَيسَت خَيارًا مُنافِسًا لِلقُرآنِ، بَل هِيَ الطَّريقُ الَّذي شَرَعَهُ القُرآنُ نَفسُهُ لِفَهمِهِ وَتَطبيقِهِ.
*❖ السّابِعَ عَشَرَ: حِفظُ اللهِ تَعَالَى لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ*
❁ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، كَما حَفِظَ القُرآنَ الكَريمَ، حَفِظَ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ الَّتي تُفَسِّرُ القُرآنَ، وَتُبَيِّنُ مُجمَلَهُ، وَتُقَيِّدُ مُطلَقَهُ، وَتُخَصِّصُ عامَّهُ، وَتَشرَحُ أَحكامَهُ.
❁ وَحِفظُ السُّنَّةِ مِن لَوازِمِ حِفظِ الشَّريعَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ الأُمَّةَ بِطاعَةِ رَسولِهِ ﷺ وَالأَخذِ بِما جاءَ بِهِ، وَلا يَليقُ بِحِكمَتِهِ أَن يَأمُرَ بِاتِّباعِ بَيانٍ ثُمَّ يَدَعَهُ يَضيعُ ضَياعًا لا يُمكِنُ مَعَهُ تَمييزُ صَحيحِهِ مِن سَقيمِهِ.
❁ وَلا يَلزَمُ مِن حِفظِ السُّنَّةِ أَلَّا يَكذِبَ كاذِبٌ، أَو أَلَّا يَضَعَ وَضّاعٌ حَديثًا، بَل مَعناهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَيَّضَ لَها مَن يَكشِفُ الكَذِبَ، وَيَفضَحُ الوَضّاعينَ، وَيُمَيِّزُ الصَّحيحَ مِنَ الضَّعيفِ.
❁ وَقَد تَحَقَّقَ هٰذا الحِفظُ بِحِفظِ الصَّحابَةِ وَكِتابَتِهِم وَتَثَبُّتِهِم، ثُمَّ بِنَقلِ التّابِعينَ وَأَتباعِهِم، ثُمَّ بِتَدوينِ الحَديثِ فِي الصُّحُفِ وَالمُصَنَّفاتِ.
❁ وَأَنشَأَ العُلَماءُ عُلومَ الرِّجالِ وَالجَرحِ وَالتَّعديلِ وَالعِلَلِ وَمُصطَلَحِ الحَديثِ، وَحَفِظوا أَسماءَ الرُّواةِ وَأَحوالَهُم وَمَواليدَهُم وَوَفَياتِهِم وَشُيوخَهُم وَتَلامِيذَهُم.
❁ فَلَو ضاعَتِ السُّنَّةُ ضَياعًا كُلِّيًّا، لَضاعَت مَعَها الصَّلاةُ بِهَيئَتِها وَأَعدادِ رَكَعاتِها، وَالزَّكاةُ بِأَنصِبَتِها، وَالحَجُّ بِمَناسِكِهِ، وَكَثيرٌ مِن أَحكامِ الصِّيامِ وَالطَّهارَةِ وَالمُعامَلاتِ.
❁ وَلٰكِنَّ واقِعَ الأُمَّةِ يَشهَدُ أَنَّ هٰذِهِ العِباداتِ وَالأَحكامَ نُقِلَت نَقلًا عِلمِيًّا وَعَمَلِيًّا مُتَّصِلًا، وَتَلَقَّتها أَجيالُ المُسلِمينَ جيلًا بَعدَ جيلٍ.
❁ وَمِن أَعظَمِ دَلائِلِ حِفظِ السُّنَّةِ أَنَّ العُلَماءَ لَم يَقبَلوا كُلَّ ما نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، بَل حَكَموا عَلَى بَعضِهِ بِالضَّعفِ وَعَلَى بَعضِهِ بِالوَضعِ، وَكَشَفوا الكَذّابينَ وَالمَتروكينَ.
❁ فَالسُّنَّةُ المَحفوظَةُ لَيسَت كُلَّ خَبَرٍ وُجِدَ فِي كِتابٍ، بَل هِيَ ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالطُّرُقِ العِلمِيَّةِ المُعتَبَرَةِ.
*❖ خاتِمَةٌ*
❁ وَبَعدَ هٰذا العَرضِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ شُبُهاتِ رادِّي السُّنَّةِ، عَلى كَثرَتِها وَتَنَوُّعِها، تَرجِعُ إِلَى أَصلٍ واحِدٍ، وَهُوَ فَصلُ القُرآنِ عَنِ الرَّسولِ ﷺ، وَنَزعُ وَظيفَةِ البَيانِ وَالتَّعليمِ وَالتَّطبيقِ مِن مَعنى الرِّسالَةِ.
❁ وَهٰذا الأَصلُ يُناقِضُ القُرآنَ نَفسَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قالَ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهوا﴾ [الحَشرُ: ٧]، وَقالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسولَ فَقَد أَطاعَ اللهَ﴾ [النِّساءُ: ٨٠].
❁ وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمّا قَضَيتَ وَيُسَلِّموا تَسليمًا﴾ [النِّساءُ: ٦٥].
❁ وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسولَ مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى وَيَتَّبِع غَيرَ سَبيلِ المُؤمِنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَت مَصيرًا﴾ [النِّساءُ: ١١٥].
❁ فَكُن قُرآنِيًّا حَقًّا بِاتِّباعِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلا تَكُن مِمَّن يَتَّخِذُ اسمَ القُرآنِ سِتارًا لِرَدِّ ما أَمَرَ بِهِ القُرآنُ مِن طاعَةِ الرَّسولِ ﷺ وَالتَّسليمِ لِحُكمِهِ.
❁ وَاعلَم أَنَّ السُّنَّةَ لَيسَت مُنافِسَةً لِلكِتابِ، بَل هِيَ مِفتاحُ فَهمِهِ، وَسَبيلُ تَطبيقِهِ، وَبَيانُ أَحكامِهِ. فَمَن أَقصاها لَم يَنصُرِ القُرآنَ، بَل عَطَّلَ جانِبًا عَظيمًا مِن أَوامِرِهِ.
❁ وَالمُسلِمُ المُنصِفُ لا يَقبَلُ كُلَّ ما نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِلا تَثَبُّتٍ، وَلا يَرُدُّ سُنَّتَهُ كُلَّها بِلا عِلمٍ، بَل يَقبَلُ ما صَحَّ، وَيَرُدُّ ما لَم يَثبُت، وَيَرجِعُ فِي ذٰلِكَ إِلَى أَهلِ العِلمِ وَالاختِصاصِ.
❁ فَإِيّاكَ أَن تَحيدَ عَنِ الحَقِّ بَعدَ ظُهورِهِ، أَو أَن تَجعَلَ الشُّبُهاتِ المُتَهافِتَةَ سَبَبًا لِرَدِّ هَديِ نَبِيِّكَ ﷺ، أَو أَن تُقَدِّمَ رَأيَكَ وَهَواكَ عَلَى ما ثَبَتَ مِنَ الوَحيِ.
❁ وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، وَصَلّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعينَ.
وَكَتَبَهُ الرّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبّاغُ
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
________________________________________
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
________________________________________
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي:
00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
________________________________________
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
________________________________________.
|
|