*العِنايَةُ البالِغَةُ بِحِفظِ الحَديثِ النَّبَوِيِّ، وَالاِحتِياطُ فِي رِوايَتِهِ، وَبُطلانُ شُبهَةِ التَّصحيفِ وَالتَّحريفِ*
*❖ مُقَدِّمَةٌ*
❁ الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ، أَمَّا بَعدُ؛ فَقَد سَبَقَ بَيانُ بُطلانِ دَعوى مَن زَعَمَ أَنَّ الحَديثَ لَم يُقَيَّد فِي عَصرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا فِي عَصرِ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعينَ، وَقَد تَبَيَّنَ بِالأَدِلَّةِ وَالبَراهينِ أَنَّ هٰذِهِ الدَّعوى ساقِطَةٌ مِن أَصلِها. وَبَعدَ إِبطالِ هٰذِهِ الفِريَةِ الأُولى وَتَفنيدِها وَالرَّدِّ عَلَيها رَدًّا قاطِعًا، لَم تَكُن ثَمَّ حاجَةٌ ماسَّةٌ إِلى مُناقَشَةِ دَعواهُم الثّانِيَةِ، وَهِيَ أَنَّ الحَديثَ إِنَّما كانَ يَعتَمِدُ إِلى مُدَّةِ قَرنَينِ عَلى الرِّوايَةِ فَقَط، وَمِن ثَمَّ فَمِنَ المُمكِنِ أَن يَكونَ قَد دَبَّ إِلَيهِ الخُلفُ وَالتَّصحيفُ خِلالَ تِلكَ المُدَّةِ؛ لِأَنَّ هٰذِهِ الدَّعوى الثّانِيَةَ إِنَّما تَقومُ عَلى الأُولى، فَإِذا ثَبَتَ فَسادُ الأُولى وَبُطلانُها، فَما الَّذي يَبقَى مِن شَكٍّ فِي فَسادِ الثّانِيَةِ وَبُطلانِها؟
❁ وَعَلَى الرَّغمِ مِن ذٰلِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّ مُناقَشَةَ هٰذِهِ الشُّبهَةِ تَفَضُّلًا، وَمُبالَغَةً فِي إِقامَةِ الحُجَّةِ وَإِيضاحِ المَحَجَّةِ، أَمرٌ مَطلوبٌ؛ إِذ يَتَبَيَّنُ بِذٰلِكَ أَنَّ الِاعتِمادَ عَلَى مُجَرَّدِ الرِّوايَةِ الشَّفَهِيَّةِ لَم يَكُن قَائِمًا فِي عَصرٍ مِنَ العُصورِ، بَلِ الأَمرُ عَلَى خِلَافِ ذٰلِكَ؛ فَقَد بَدَأَت سِلسِلَةُ كِتابَةِ الحَديثِ وَتَدوينِهِ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ، ثُمَّ اِستَمَرَّت بَعدَ ذٰلِكَ وَتَتابَعَت دُونَ اِنقِطاعٍ. وَحَتَّى لَو فُرِضَ ـ جَدَلًا ـ عَدَمُ وُجودِ هٰذِهِ السِّلسِلَةِ الكِتابِيَّةِ، فَإِنَّ العِنايَةَ الفَائِقَةَ بِحِفظِ الحَديثِ وَضَبطِهِ وَوَعيِهِ، وَمَا أَحاطَ رِوايَتَهُ مِن شِدَّةِ التَّثَبُّتِ، وَغايَةِ الِاحتِياطِ، وَكَمالِ الحِيطَةِ وَالحَذَرِ، مُنذُ عَصرِ رَسولِ اللهِ ﷺ إِلَى سَائِرِ العُصورِ المُتَأَخِّرَةِ؛ كُلُّ ذٰلِكَ يَقطَعُ الطَّريقَ عَلَى كُلِّ مَن يَزعُمُ أَنَّ التَّصحيفَ قَد تَطَرَّقَ إِلَى الحَديثِ بِسَبَبِ الِاعتِمادِ عَلَى الرِّوايَةِ.
*❖ أَوَّلًا: العِنايَةُ البالِغَةُ بِحِفظِ الحَديثِ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ*
❁ وَكانَ مِن أَوجُهِ العِنايَةِ البالِغَةِ بِحِفظِ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ أَنَّ الصَّحابَةَ، رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم، كانُوا يَتَدارَسُونَ الحَديثَ وَيَتَذاكَرُونَهُ فِيمَا بَينَهُم؛ فَلَم يَكُن سَماعُهُ عِندَهُم مُجَرَّدَ تَلَقٍّ عابِرٍ يَنقَضِي بِانتِهاءِ المَجلِسِ، بَل كانَ يَعقُبُهُ تَذاكُرٌ وَمُراجَعَةٌ وَتَثَبُّتٌ، حَتَّى يَرسَخَ فِي النُّفوسِ، وَيَثبُتَ فِي القُلوبِ، وَيَسلَمَ مِنَ السَّهوِ وَالنِّسيانِ.
❁ وَقَد قالَ أَنَسُ بنُ مالِكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «كُنَّا قُعُودًا مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ، فَعَسَى أَن يَكُونَ قالَ: سِتِّينَ رَجُلًا، فَيُحَدِّثُنَا الحَديثَ، ثُمَّ يَدخُلُ لِحاجَتِهِ، فَنُراجِعُهُ بَينَنَا، هٰذَا ثُمَّ هٰذَا، فَنَقُومُ كَأَنَّمَا زُرِعَ فِي قُلُوبِنَا» [مَجمَعُ الزَّوائِدِ].
❁ وَفِي هٰذَا الأَثَرِ بَيانٌ واضِحٌ لِمَنهَجِ الصَّحابَةِ فِي تَلَقِّي الحَديثِ النَّبَوِيِّ وَحِفظِهِ؛ فَإِنَّهُم كانُوا يَسمَعُونَ الحَديثَ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ يَشرَعُونَ فِي مُراجَعَتِهِ بَعضُهُم مَعَ بَعضٍ، فَيَذكُرُ هٰذَا مَا سَمِعَ، وَيُتِمُّ ذَاكَ مَا حَفِظَ، وَيَستَدرِكُ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ، حَتَّى يَستَوثِقُوا مِن أَلفاظِهِ وَمَعانِيهِ، وَيَطمَئِنُّوا إِلَى ضَبطِهِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي سَمِعُوهُ.
❁ وَتَعبيرُ أَنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، بِقَولِهِ: «كَأَنَّمَا زُرِعَ فِي قُلُوبِنَا» تَصويرٌ بَليغٌ لِشِدَّةِ رُسوخِ الحَديثِ فِي نُفوسِهِم بَعدَ المُدارَسَةِ وَالتَّعاهُدِ؛ فَكَما أَنَّ الزَّرعَ إِذا ثَبَتَت أُصولُهُ فِي الأَرضِ وَامتَدَّت جُذورُهُ فِيها عَسُرَ اقتِلاعُهُ، فَكَذٰلِكَ كانَ الحَديثُ يَثبُتُ فِي قُلوبِهِم ثُبوتًا راسِخًا، بِفَضلِ السَّماعِ المُباشِرِ، وَالمُراجَعَةِ المُتَكَرِّرَةِ، وَالمُذاكَرَةِ الجَماعِيَّةِ، وَشِدَّةِ الحِرصِ عَلَى أَدائِهِ كَما سُمِعَ مِن غَيرِ زِيادَةٍ وَلَا نُقصانٍ.
❁ وَيَظهَرُ مِن كَلامِ مُعاوِيَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَجلِسُونَ فِي المَسجِدِ بَعدَ أَداءِ الصَّلاةِ المَكتوبَةِ فِي عَصرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَتَذاكَرُونَ فِيمَا بَينَهُم كِتابَ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةَ رَسولِهِ ﷺ، وَيَتَدارَسُونَ مَا سَمِعُوهُ وَتَلَقَّوهُ؛ تَثبيتًا لَهُ فِي القُلوبِ، وَضَبطًا لِأَلفاظِهِ وَمَعانِيهِ، وَتَعاهُدًا لَهُ مِنَ السَّهوِ وَالنِّسيانِ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُذاكَرَةَ الحَديثِ وَمُراجَعَتَهُ لَم تَكُن عَمَلًا عارِضًا أَو جُهدًا فَردِيًّا، بَل كانَت مَنهَجًا مَعرُوفًا وَعادَةً جارِيَةً بَينَ الصَّحابَةِ فِي حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَحتَ سَمعِهِ وَبَصَرِهِ.
❁ وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قالَ: «إِنَّ أَصحابَ النَّبِيِّ ﷺ إِذا جَلَسُوا كانَ حَديثُهُمُ الفِقهَ، إِلَّا أَن يَقرَأَ رَجُلٌ سُورَةً، أَو يَأمُرَ رَجُلًا بِقِراءَةِ سُورَةٍ» [المُستَدرَكُ لِلحاكِمِ]. وَهٰذا يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلَى أَنَّ الحَديثَ وَالتَّفَقُّهَ فِيهِ كانا مَوضِعَ عِنايَةٍ دائِمَةٍ فِي مَجالِسِ الصَّحابَةِ، رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم؛ فَلَم تَكُن مَجالِسُهُم تَخلُو مِن مُدارَسَةِ العِلمِ، أَو تَذاكُرِ السُّنَّةِ، أَو تَدَبُّرِ القُرآنِ الكَريمِ، وَبَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِن أَحكامٍ وَمَعانٍ.
❁ وَإِلَى جانِبِ المُذاكَرَةِ وَالمُدارَسَةِ الجَماعِيَّةِ، كانَ لِلصَّحابَةِ عِنايَةٌ بالِغَةٌ بِحِفظِ الحَديثِ حِفظًا فَردِيًّا، وَبِاستِحضارِ أَلفاظِهِ وَمَعانِيهِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي سَمِعُوهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ. وَكانَ مَن يَجِدُ مِن نَفسِهِ ضَعفًا فِي الحِفظِ، بَعدَ بَذلِ الجُهدِ وَمُعاناةِ التَّعاهُدِ وَالمُراجَعَةِ، يَشكُو ذٰلِكَ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ، وَيَطلُبُ مِنهُ ما يُعينُهُ عَلَى الضَّبطِ وَالاستِذكارِ، كَما وَرَدَ فِي رِواياتِ أَبِي هُرَيرَةَ وَأَنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما. وَهٰذا يَكشِفُ عَن شِدَّةِ حِرصِهِم عَلَى صِيانَةِ الحَديثِ مِنَ الضَّياعِ، وَعَن شُعورِهِم بِعِظَمِ أَمانَةِ تَبليغِهِ إِلَى مَن بَعدَهُم.
❁ وَقَد سَبَقَ قَولُ أَبِي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنِّي كُنتُ أَعِيهِ بِقَلبِي، وَكانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرو يَكتُبُهُ بِيَدِهِ وَيَعِيهِ». فَجَمَعَ هٰذا النَّصُّ بَينَ طَريقَتَينِ مِن طُرُقِ حِفظِ الحَديثِ وَصِيانَتِهِ: الحِفظِ فِي الصُّدورِ، وَالتَّقييدِ فِي السُّطورِ. فَأَبو هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كانَ يَعتَمِدُ عَلَى قُوَّةِ حافِظَتِهِ وَشِدَّةِ مُلازَمَتِهِ، وَعَبدُ اللهِ بنُ عَمرو، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، كانَ يَجمَعُ بَينَ الكِتابَةِ وَالحِفظِ، وَهٰذا أَبلَغُ فِي التَّوثيقِ وَأَبعَدُ عَنِ السَّهوِ وَالنِّسيانِ.
❁ وَجاءَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّهُ قالَ: «كُنَّا نَحفَظُ الحَديثَ» [صَحيحُ مُسلِمٍ، وَسُنَنُ ابنِ ماجَه]. وَهٰذِهِ العِبارَةُ، عَلَى وَجازَتِها، تُبَيِّنُ أَنَّ حِفظَ الحَديثِ كانَ أَمرًا مَعرُوفًا مَعهودًا بَينَ الصَّحابَةِ، وَمَنهَجًا عامًّا يَتَعاهَدونَهُ، لَا صَنيعَ آحادٍ مِنهُم فَحَسبُ. وَبِذٰلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ قَد أُحيطَت، مُنذُ العَصرِ الأَوَّلِ، بِجُملَةٍ مِن وَسائِلِ الحِفظِ وَالضَّبطِ؛ مِنَ السَّماعِ المُباشِرِ، وَالمُذاكَرَةِ، وَالمُراجَعَةِ، وَالحِفظِ، وَالكِتابَةِ، وَالتَّثَبُّتِ، فَلَم تُترَك لِلذَّاكِرَةِ المُجرَّدَةِ مِن غَيرِ تَعاهُدٍ وَلَا مُقابَلَةٍ.
❁ وَلَيسَ بِنا حاجَةٌ إِلَى إِطالَةِ الكَلامِ بِذِكرِ نَظائِرِ هٰذِهِ الأَخبارِ وَشَواهِدِها؛ فَحَسبُنا فِي الدَّلالَةِ عَلَى عِنايَةِ الصَّحابَةِ، رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم، بِحِفظِ الحَديثِ وَتَبليغِهِ، وَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي أَوصَى بِها أَصحابَهُ، فَقالَ: «فَليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ» [صَحيحُ البُخارِيِّ]. فَفِي هٰذِهِ الوَصِيَّةِ تَكليفٌ صَريحٌ لِمَن شَهِدَ وَسَمِعَ أَن يَحمِلَ ما تَلَقَّاهُ، وَيَحفَظَهُ، ثُمَّ يُؤَدِّيَهُ إِلَى مَن غابَ عَنهُ، عَلَى وَجهِهِ الصَّحيحِ، مِن غَيرِ زِيادَةٍ وَلَا نُقصانٍ وَلَا تَحريفٍ. وَمِنَ المَعلُومِ أَنَّ التَّبليغَ المَأمُورَ بِهِ لَا يَتَحَقَّقُ عَلَى الوَجهِ المَطلوبِ إِلَّا بِضَبطِ المَسموعِ، وَحُسنِ وَعيِهِ، وَالتَّثَبُّتِ مِن أَلفاظِهِ وَمَعانِيهِ، ثُمَّ أَدائِهِ بِأَمانَةٍ وَإِتقانٍ.
❁ وَزِيادَةً عَلَى ذٰلِكَ، فَقَد دَعا رَسولُ اللهِ ﷺ بِالنَّضرَةِ وَالبَهجَةِ وَحُسنِ الحالِ لِمَن سَمِعَ مَقالَتَهُ، فَحَفِظَها وَوَعاها، ثُمَّ أَدَّاها كَما سَمِعَها، فَقالَ: «نَضَّرَ اللهُ عَبدًا سَمِعَ مَقالَتِي، فَحَفِظَها وَوَعاها، وَأَدَّاها كَما سَمِعَ». وَهٰذِهِ الدَّعوَةُ النَّبَوِيَّةُ تَجمَعُ مَراحِلَ نَقلِ الحَديثِ كُلَّها؛ فَبَدَأَت بِالسَّماعِ الصَّحيحِ، ثُمَّ الحِفظِ وَالوَعيِ، ثُمَّ خُتِمَت بِالأَداءِ المُطابِقِ لِلمَسموعِ. وَفِي ذٰلِكَ أَوضَحُ دَليلٍ عَلَى أَنَّ المَطلوبَ لَم يَكُن مُجَرَّدَ نَقلِ المَعنى عَلَى وَجهِ التَّقريبِ، وَلَا رِوايَةَ ما يَعلَقُ بِالذِّهنِ دُونَ تَحَرٍّ، بَل كانَ المَقصودُ حِفظَ المَقالَةِ وَوَعيَها وَأَدَاءَها عَلَى النَّحوِ الَّذِي سُمِعَت عَلَيهِ.
❁ وَمَن دَرَسَ سِيَرَ الصَّحابَةِ وَأَخبارَهُم، وَوَقَفَ عَلَى شِدَّةِ مَحَبَّتِهِم لِرَسولِ اللهِ ﷺ، وَحِرصِهِم عَلَى اِمتِثالِ أَمرِهِ وَالاِقتِداءِ بِهَديِهِ، عَلِمَ أَنَّهُم لَم يَكونوا لِيَألُوا جُهدًا فِي تَحقيقِ هٰذِهِ الوَصِيَّةِ، وَلَا فِي إِدخالِ أَنفُسِهِم فِيمَن شَمِلَتهُ هٰذِهِ الدَّعوَةُ المُبارَكَةُ. فَبَذَلُوا وُسعَهُم فِي السَّماعِ وَالحِفظِ وَالمُدارَسَةِ وَالتَّثَبُّتِ، ثُمَّ أَدَّوا ما حَمَلُوهُ إِلَى مَن بَعدَهُم بِغايَةِ الأَمانَةِ وَالدِّقَّةِ؛ وَبِذٰلِكَ كانَ تَبليغُ السُّنَّةِ عِندَهُم عِبادَةً، وَحِفظُها أَمانَةً، وَأَداؤُها اِمتِثالًا لِأَمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ وَرَغبةً فِي دُعائِهِ وَبِشارَتِهِ.
*❖ ثَانِيًا: اِستِمرارُ هٰذِهِ العِنايَةِ فِي عَهدِ الصَّحابَةِ*
❁ لَم تَنقَطِعِ العِنايَةُ بِحِفظِ الحَديثِ وَتَعاهُدِهِ بِوَفاةِ النَّبِيِّ ﷺ، بَلِ استَمَرَّت وَتَأَكَّدَت فِي عَهدِ الصَّحابَةِ، رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم؛ فَكانُوا يَحرِصُونَ عَلَى نَقلِ ما سَمِعُوهُ، وَيُؤَكِّدُونَ لِتَلامِيذِهِم ضَرورَةَ الحِفظِ وَالوَعيِ وَالمُراجَعَةِ، وَيَدُلُّونَهُم عَلَى ما يُقَوِّي المَحفوظَ، وَيَمنَعُهُ مِنَ التَّفَلُّتِ وَالنِّسيانِ.
❁ فَكانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، يَقولُ: «تَذاكَرُوا هٰذَا الحَديثَ، لَا يَنفَلِت مِنكُم». وَفِي هٰذِهِ الوَصِيَّةِ تَنبيهٌ إِلَى أَنَّ الحَديثَ، مَهما قَوِيَ حِفظُهُ فِي أَوَّلِ الأَمرِ، يَحتاجُ إِلَى المُذاكَرَةِ وَالتَّعاهُدِ؛ لِأَنَّ تَركَ المُراجَعَةِ سَبَبٌ لِتَفَلُّتِ المَحفوظِ وَضَعفِ استِحضارِهِ.
❁ وَكانَ يَقولُ أَيضًا: «رَدِّدُوا الحَديثَ وَاستَذكِرُوا، فَإِنَّهُ إِن لَم تَذكُرُوهُ ذَهَبَ». وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكرارَ الحَديثِ وَاستِعادَتَهُ وَمُراجَعَتَهُ كانَت مِنَ الوَسائِلِ المُعتَمَدَةِ عِندَهُم فِي تَثبيتِهِ؛ إِذ إِنَّ العِلمَ إِذا لَم يُتعاهَد بِالمُذاكَرَةِ ضَعُفَ، وَإِذا دُوومَ عَلَى تَكرارِهِ رَسَخَ فِي النَّفسِ وَثَبَتَ فِي الذَّاكِرَةِ.
❁ وَلَم يَقتَصِر تَوجيهُهُ عَلَى الحِفظِ الصَّامِتِ، بَل كانَ يَحضُّ تَلامِيذَهُ عَلَى الرِّوايَةِ وَالتَّحديثِ المُستَمِرِّ؛ لِأَنَّ أَداءَ العِلمِ وَتَكرارَهُ مِن أَقوَى أَسبابِ رُسوخِهِ، فَكانَ يَقولُ: «وَلَا يَقولَنَّ أَحَدُكُم: حَدَّثتُ أَمسِ فَلَا أُحَدِّثُ اليَومَ، بَل حَدِّث أَمسِ، وَلتُحَدِّثِ اليَومَ، وَلتُحَدِّث غَدًا». فَفِي هٰذا حَثٌّ عَلَى دَوامِ المُذاكَرَةِ، وَتَكرارِ التَّحديثِ، وَعَدَمِ الاِكتِفاءِ بِمَجلِسٍ واحِدٍ؛ لِأَنَّ العِلمَ يَقوَى بِالتَّعاهُدِ، وَيَرسَخُ بِالتَّكرارِ، وَيَنتَشِرُ بِالأَداءِ وَالتَّبليغِ.
❁ وَتَكشِفُ هٰذِهِ الوَصايا عَن مَنهَجٍ عِلمِيٍّ واضِحٍ فِي حِفظِ السُّنَّةِ؛ قِوامُهُ التَّذاكُرُ، وَالتَّكرارُ، وَالاستِذكارُ، وَالتَّحديثُ المُتَواصِلُ. فَلَم يَكُنِ الحَديثُ مَتروكًا لِحافِظَةِ الفَردِ مِن غَيرِ مُراجَعَةٍ، بَل كانَ يُتعاهَدُ فِي المَجالِسِ، وَيُستَعادُ عَلَى الأَلسِنَةِ، وَيُتَناقَلُ بَينَ التَّلامِيذِ وَالشُّيوخِ، حَتَّى يَثبُتَ وَيَرسَخَ وَيَسلَمَ مِنَ الضَّياعِ وَالنِّسيانِ.
❁ وَقالَ أَبو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «تَذاكَرُوا الحَديثَ؛ فَإِنَّ الحَديثَ يُهَيِّجُ الحَديثَ». وَمَعنَى ذٰلِكَ أَنَّ مُذاكَرَةَ الحَديثِ تُوقِظُ ما خَفِيَ مِنَ المَحفوظِ، وَتَستَدعِي بَعضَ الأَحاديثِ بِبَعضٍ؛ فَرُبَّ حَديثٍ يَذكُرُهُ أَحَدُهُم فَيَتَذَكَّرُ بِهِ صاحِبُهُ حَديثًا آخَرَ، وَرُبَّ لَفظٍ يُراجَعُ فَيُفضِي إِلَى استِحضارِ بَقِيَّةِ المَتنِ، وَبِهٰذا تَتَعاوَنُ الذَّواكِرُ وَيَتقَوَّى الحِفظُ بِالمُذاكَرَةِ الجَماعِيَّةِ.
❁ وَكانَ أَبو سَعِيدٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مِن شِدَّةِ حَثِّهِ تَلامِيذَهُ عَلَى الحِفظِ وَتَمرينِ الذَّاكِرَةِ، لَا يَأذَنُ لَهُم فِي بَعضِ الأَحيانِ بِالكِتابَةِ، وَكانَ يَقولُ لَهُم: «لَن نُكتِبَكُم، وَلَن نَجعَلَهُ قُرآنًا، وَلٰكِنِ احفَظُوا عَنَّا كَما حَفِظنا نَحنُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ». وَلَيسَ المُرادُ مِن ذٰلِكَ إِنكارَ مَشرُوعِيَّةِ كِتابَةِ الحَديثِ، وَقَد ثَبَتَتِ الكِتابَةُ فِي عَصرِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعدَهُ، وَلٰكِنَّ المُرادَ أَنَّهُ كانَ يُرِيدُ تَمرينَهُم عَلَى الحِفظِ، وَأَلَّا يَقتَصِرُوا عَلَى الصُّحُفِ اِقتِصارًا يُضعِفُ استِحضارَهُم وَيَحولُ بَينَهُم وَبَينَ رُسوخِ الحَديثِ فِي صُدورِهِم.
❁ وَقالَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «تَذاكَرُوا الحَديثَ؛ فَإِنَّكُم إِن لَا تَفعَلُوا يَندَرِس». أَي: إِنَّ الحَديثَ إِذا تُرِكَت مُراجَعَتُهُ وَانقَطَعَ تَداوُلُهُ عَلَى الأَلسِنَةِ، خَفِيَ وَذَهَبَ أَثَرُهُ وَضَعُفَ استِحضارُهُ. فَالمُذاكَرَةُ عِندَهُم لَم تَكُن مُجَرَّدَ زِيادَةٍ فِي العِلمِ، بَل كانَت وَسيلَةً أَساسِيَّةً لِحَياتِهِ وَبَقائِهِ وَصِيانَتِهِ مِنَ الاندِراسِ.
❁ وَكانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، يُوصِي تَلامِيذَهُ قائِلًا: «تَذاكَرُوا الحَديثَ؛ فَإِنَّ ذِكرَ الحَديثِ حَياتُهُ». فَجَعَلَ حَياةَ الحَديثِ فِي ذِكرِهِ وَتَداوُلِهِ وَتَعاهُدِهِ؛ لِأَنَّ العِلمَ الَّذِي يَجري عَلَى الأَلسِنَةِ، وَيُراجَعُ فِي المَجالِسِ، وَيُبلَّغُ إِلَى الآخَرينَ، يَبقَى حَيًّا حاضِرًا، أَمَّا إِذا حُبِسَ فِي الصُّدورِ وَلَم يُتَعاهَد، كانَ أَقرَبَ إِلَى النِّسيانِ وَالضَّياعِ.
❁ وَقالَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَيضًا: «تَذاكَرُوا الحَديثَ وَتَزاوَرُوا؛ فَإِنَّكُم إِن لَم تَفعَلُوا يَندَرِس». فَجَمَعَ فِي هٰذِهِ الوَصِيَّةِ بَينَ المُذاكَرَةِ وَالتَّزاوُرِ؛ لِأَنَّ تَلاقِي طَلَبَةِ العِلمِ وَتَواصُلَهُم يُهَيِّئُ لِلمُراجَعَةِ، وَيَبعَثُ عَلَى السُّؤالِ وَالاستِدراكِ، وَيَجعَلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُم عَونًا لِصاحِبِهِ عَلَى تَثبيتِ المَحفوظِ وَاستِعادَةِ ما غابَ عَنهُ.
❁ وَقَدِ امتَثَلَ تَلامِيذُ الصَّحابَةِ هٰذِهِ الأَوامِرَ وَالتَّوجيهاتِ أَشَدَّ الِامتِثالِ، فَجَعَلُوا مُذاكَرَةَ الحَديثِ جُزءًا ثابِتًا مِن مَجالِسِهِم وَحَياتِهِم العِلمِيَّةِ، وَلَم يَشغَلهُم عَن تَعاهُدِ السُّنَّةِ وَمُراجَعَتِها شاغِلٌ؛ إِدراكًا مِنهُم لِأَنَّ حِفظَها أَمانَةٌ، وَأَنَّ بَقاءَها مَرهونٌ بِدَوامِ تَعلُّمِها وَتَعليمِها وَتَداوُلِها بَينَ أَهلِ العِلمِ.
❁ فَرُوِيَ عَن عَطاءٍ أَنَّهُ قالَ: «كُنَّا نَأتِي جابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ، فَإِذا خَرَجنا مِن عِندِهِ تَذاكَرنا، فَكانَ أَبو الزُّبَيرِ أَحفَظَنا لِحَديثِهِ». وَيَدُلُّ هٰذا الخَبَرُ عَلَى أَنَّهُم لَم يَكتَفُوا بِالسَّماعِ فِي مَجلِسِ الشَّيخِ، بَل كانُوا يَشرَعُونَ بَعدَ انصِرافِهِم فِي مُراجَعَةِ ما سَمِعُوا، فَيَستَدرِكُ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ، وَيَتَبَيَّنُ لَهُم مَن كانَ أَحفَظَ وَأَضبَطَ، وَبِذٰلِكَ يَرسَخُ الحَديثُ فِي نُفوسِهِم، وَيَسلَمُ مِنَ التَّفَلُّتِ وَالاختِلاطِ.
❁ وَقالَ ابنُ بُرَيدَةَ: «صَلَّينا الصَّلاةَ المَكتوبَةَ، ثُمَّ قَصَّ القاصُّ، فَلَمَّا فَرَغَ قَعَدنا نَتَذاكَرُ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ ﷺ». وَفِي هٰذا دَليلٌ عَلَى أَنَّ مُذاكَرَةَ السُّنَّةِ كانَت تَأتي عِندَهُم بَعدَ الصَّلاةِ وَالمَواعِظِ، وَتَشغَلُ مَجالِسَهُم؛ فَكانُوا يَنتَقِلونَ مِن سَماعِ المَوعِظَةِ إِلَى مُراجَعَةِ السُّنَّةِ، وَمِنَ الِاستِماعِ إِلَى التَّحقيقِ وَالمُدارَسَةِ.
❁ وَمِن شِدَّةِ عِنايَةِ ابنِ شِهابٍ الزُّهرِيِّ بِالمُذاكَرَةِ أَنَّهُ تَذاكَرَ الحَديثَ لَيلَةً بَعدَ العِشاءِ، وَهُوَ جالِسٌ مُتَوَضِّئٌ، فَما زالَ فِي مَجلِسِهِ ذٰلِكَ حَتَّى أَصبَحَ. وَهٰذا يُصَوِّرُ مِقدارَ ما كانَ يَحمِلُهُ أَئِمَّةُ التَّابِعينَ مِن صَبرٍ عَلى طَلَبِ الحَديثِ وَمُدارَسَتِهِ، حَتَّى كانَتِ اللَّيلَةُ بِأَسرِها تَمضي فِي المُذاكَرَةِ دُونَ مَلَلٍ وَلَا انصِرافٍ عَنِ العِلمِ.
❁ وَقالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لِأَصحابِهِ: «هَل تَجالَسونَ؟» قالُوا: «لَيسَ نَترُكُ ذٰلِكَ». قالَ: «فَهَل تَتَزاوَرونَ؟» قالُوا: «نَعَم، يا أَبا عَبدِ الرَّحمٰنِ، إِنَّ الرَّجُلَ فِينا لَيَفقِدُ أَخاهُ، فَيَمشي فِي طَلَبِهِ إِلَى أَقصَى الكوفَةِ حَتَّى يَلقاهُ». قالَ: «فَإِنَّكُم لَن تَزالُوا بِخَيرٍ ما فَعَلتُم ذٰلِكَ».
❁ وَيَكشِفُ هٰذا الحِوارُ عَن أَنَّ التَّجالُسَ وَالتَّزاوُرَ لَم يَكونا عِندَهُم لِمُجَرَّدِ الأُنسِ وَالمُؤانَسَةِ، بَل كانا مِن أَسبابِ حِفظِ الدِّينِ وَتَداوُلِ العِلمِ وَتَعاهُدِ الحَديثِ. فَكانَ أَحَدُهُم يَفقِدُ صاحِبَهُ، فَيَقطَعُ المَسافَةَ الطَّويلَةَ لِيَلقاهُ وَيَتَذاكَرَ مَعَهُ، وَرَأَى ابنُ مَسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ دَوامَهُم عَلَى هٰذِهِ الصِّلَةِ وَالمُدارَسَةِ مِن أَسبابِ بَقائِهِم عَلَى الخَيرِ.
❁ وَتَتَضافَرُ هٰذِهِ الآثارُ كُلُّها عَلَى إِثباتِ أَنَّ حِفظَ الحَديثِ لَم يَقُم عَلَى مَجهودٍ فَردِيٍّ مُنعَزِلٍ، وَلَم يُترَك لِذَاكِرَةِ راوٍ واحِدٍ، بَل أُحيطَ بِشَبَكَةٍ واسِعَةٍ مِنَ المُذاكَرَةِ وَالتَّكرارِ وَالتَّزاوُرِ وَالمُراجَعَةِ وَالمُقابَلَةِ. وَكانَت هٰذِهِ المَنهَجِيَّةُ الجَماعِيَّةُ مِن أَقوَى أَسبابِ رُسوخِ السُّنَّةِ فِي الصُّدورِ، وَسَلامَتِها مِنَ النِّسيانِ وَالتَّصحيفِ وَالاضطِرابِ.
*❖ ثَالِثًا: مَنهَجُ التَّابِعينَ فِي تَحفيظِ الحَديثِ وَتَعاهُدِهِ*
❁ ثُمَّ خَلَفَ الصَّحابَةَ جِيلُ التَّابِعينَ، فَسارُوا عَلَى مَناهِجِ أَسلَافِهِم، وَاقتَفَوا آثارَهُم فِي تَوجِيهِ التَّلامِيذِ وَإِرشادِهِم إِلَى مُذاكَرَةِ الحَديثِ وَحِفظِهِ وَتَعاهُدِهِ. وَقَد ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ عَن عَبدِ الرَّحمٰنِ بنِ أَبِي لَيلَى، وَالزُّهرِيِّ، وَعَلقَمَةَ، مِنَ الوَصايا وَالتَّوجِيهاتِ ما يُشبِهُ ما تَقَدَّمَ نَقلُهُ عَن أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنهَجَ المُذاكَرَةِ وَالتَّعاهُدِ لَم يَكُن مَوقوفًا عَلَى جِيلِ الصَّحابَةِ، بَل انتَقَلَ إِلَى مَن بَعدَهُم، وَأَصبَحَ سُنَّةً عِلمِيَّةً جارِيَةً بَينَ أَهلِ الحَديثِ وَالفِقهِ.
❁ وَكانَ مِنَ الثِّمارِ المُبارَكَةِ لِهٰذِهِ التَّوجِيهاتِ المُؤَكَّدَةِ أَنَّ الحارِثَ بنَ يَزيدَ العُكلِيَّ، وَابنَ شُبرُمَةَ، وَالقَعقاعَ بنَ يَزيدَ، وَمُغِيرَةَ، كانُوا إِذا صَلَّوا العِشاءَ الآخِرَةَ جَلَسُوا يَتَذاكَرُونَ الفِقهَ وَالعِلمَ، فَلَا يَفصِلُ بَينَهُم وَلَا يُنهي مَجلِسَهُم إِلَّا أَذانُ الصُّبحِ. وَفِي هٰذا تَصويرٌ بَليغٌ لِشِدَّةِ إِقبالِهِم عَلَى المُدارَسَةِ، وَطُولِ صَبرِهِم عَلَى المُذاكَرَةِ، حَتَّى كانَتِ اللَّيلَةُ تَمضي بِأَسرِها وَهُم بَينَ تَكرارٍ وَمُراجَعَةٍ وَاستِنباطٍ وَمُناقَشَةٍ.
❁ وَقالَ يُونُسُ: «كُنَّا نَأتِي الحَسَنَ، فَإِذا خَرَجنا مِن عِندِهِ تَذاكَرنا بَينَنا». فَلَم يَكُنِ انتِفاعُهُم بِمَجلِسِ الشَّيخِ يَنقَطِعُ بِانقِضاءِ المَجلِسِ، بَل كانُوا يَتَعاهَدُونَ بَعدَهُ ما سَمِعُوهُ، وَيَعرِضُ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ ما حَفِظَ، وَيَستَدرِكُ أَحَدُهُم ما فَاتَ صاحِبَهُ؛ لِيَثبُتَ المَسموعُ فِي نُفوسِهِم، وَيَسلَمَ مِنَ التَّفَلُّتِ وَالنِّسيانِ.
❁ وَكانَ إِسماعِيلُ بنُ رَجاءٍ يَجمَعُ صِبيانَ الكُتَّابِ فَيُحَدِّثُهُم، وَيَستَعينُ بِذٰلِكَ عَلَى تَثبيتِ مَحفوظِهِ وَتَعاهُدِهِ. وَفِي هٰذا دَليلٌ عَلَى أَنَّ التَّحديثَ نَفسَهُ كانَ عِندَهُم وَسيلَةً مِن وَسائِلِ الحِفظِ؛ لِأَنَّ العِلمَ إِذا جَرَى عَلَى اللِّسانِ، وَتَكَرَّرَ أَداؤُهُ، وَاستُحضِرَت أَلفاظُهُ وَمَعانِيهِ، كانَ أَرسَخَ فِي النَّفسِ وَأَبعَدَ عَنِ النِّسيانِ.
❁ فَهٰذِهِ الشَّواهِدُ كُلُّها تُبَيِّنُ أَنَّ الحَديثَ لَم يَكُن يُترَكُ فِي الصُّدورِ إِهمالًا، وَلَا يُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى حِفظٍ عابِرٍ لَا تُصاحِبُهُ مُراجَعَةٌ وَلَا تَثَبُّتٌ؛ بَل كانَ يُتَعاهَدُ بِالمُدارَسَةِ، وَيُثَبَّتُ بِالتَّكرارِ، وَيُراجَعُ بِالتَّذاكُرِ، وَيَرسَخُ بِالتَّحديثِ، وَيَتقَوَّى بِالمُجالَسَةِ وَالتَّزاوُرِ. وَبِهٰذَا المَنهَجِ المُتَواصِلِ انتَقَلَتِ السُّنَّةُ مِن جِيلٍ إِلَى جِيلٍ، مَحفوظَةَ الأَلفاظِ وَالمَعانِي، مَصُونَةً مِنَ الضَّياعِ وَالنِّسيانِ.
*❖ رَابِعًا: ذاكِرَةُ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعينَ وَمَن بَعدَهُمُ الفائِقَةُ*
❁ إِنَّ مَا ذُكِرَ مِن قُوَّةِ حافِظَةِ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن جَاءَ بَعدَهُم لَيسَ دَعوى تُبنى عَلَى مُجَرَّدِ حُسنِ الظَّنِّ، وَلَا قَولًا يَصدُرُ عَن مَيلٍ عاطِفِيٍّ أَو حَماسٍ مُجَرَّدٍ؛ بَل هُوَ حَقيقَةٌ تارِيخِيَّةٌ ثابِتَةٌ، حَفِلَت بِشَواهِدِها كُتُبُ الرِّجالِ وَالسِّيَرِ وَالتَّراجِمِ، وَتَكاثَرَت أَخبارُها حَتَّى أَصبَحَت واضِحَةً لِمَن طالَعَ تِلكَ الكُتُبَ واطَّلَعَ عَلَى ما سَطَّرَهُ أَئِمَّةُ النَّقدِ وَالحَديثِ، ظُهورَ الشَّمسِ فِي رابِعَةِ النَّهارِ. وَمَن لَم تَتَسَنَّ لَهُ قِراءَةُ تِلكَ المُصَنَّفاتِ المُطَوَّلَةِ، فَإِنَّ جُملَةَ الأَخبارِ وَالنَّماذِجِ الآتِيَةِ كَفيلَةٌ بِأَن تُطمَئِنَّ قَلبَهُ، وَتُبَيِّنَ لَهُ أَنَّ ما عُرِفَ بِهِ أَئِمَّةُ الرِّوايَةِ مِن قُوَّةِ الحِفظِ وَدِقَّةِ الضَّبطِ كانَ حَقيقَةً مُشاهَدَةً، اِختَبَرَها أَقرانُهُم وَتَلامِيذُهُم، وَشَهِدَ بِها نُقّادُ عَصرِهِم.
❁ فَقَد ذَكَرَ الحافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي «تَذكِرَةِ الحُفّاظِ» عَن أَبِي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ، أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ لَهُ: «أَلَا تَسأَلُنِي مِن هٰذِهِ الغَنائِمِ؟» قالَ أَبو هُرَيرَةَ: فَقُلتُ: أَسأَلُكَ أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ. فَنَزَعَ نَمِرَةً عَن ظَهرِي، فَبَسَطَها بَينِي وَبَينَهُ، كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى القَملِ يَدِبُّ عَلَيها، فَحَدَّثَنِي حَتَّى إِذا استَوعَبتُ حَديثَهُ قالَ: «اجمَعها فَصُرَّها إِلَيكَ». قالَ أَبو هُرَيرَةَ: فَأَصبَحتُ لَا أُسقِطُ حَرفًا مِمَّا حَدَّثَنِي. وَفِي هٰذا الخَبَرِ شَهادَةٌ ظاهِرَةٌ بِما آتَى اللهُ أَبا هُرَيرَةَ مِن قُوَّةِ الحِفظِ وَرُسوخِ المَسموعِ فِي قَلبِهِ، بَرَكَةً مِن دُعاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ وَتَعليمِهِ.
❁ وَكانَ قَتادَةُ بنُ دِعامَةَ مِن أَنبَهِ التَّابِعِينَ وَأَرسَخِهِم قَدَمًا فِي التَّفسيرِ وَالحَديثِ، وَاشتُهِرَ بِحافِظَةٍ نادِرَةٍ وَضَبطٍ بالِغٍ. قالَ فِيهِ الإِمامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، رَحِمَهُ اللهُ: «كانَ قَتادَةُ أَحفَظَ أَهلِ البَصرَةِ، لَا يَسمَعُ شَيئًا إِلَّا حَفِظَهُ، قُرِئَت عَلَيهِ صَحيفَةُ جابِرٍ مَرَّةً فَحَفِظَها». وَقالَ قَتادَةُ عَن نَفسِهِ: «ما قُلتُ لِمُحَدِّثٍ قَطُّ: أَعِد عَلَيَّ، وَما سَمِعَت أُذُنايَ قَطُّ شَيئًا إِلَّا وَعاهُ قَلبِي». وَهٰذِهِ شَهادَةٌ تَجمَعُ بَينَ اختِبارِ أَهلِ العِلمِ لِحِفظِهِ، وَمَعرِفَتِهِ هُوَ بِقُوَّةِ ذاكِرَتِهِ وَسُرعَةِ وَعيِهِ.
❁ وَأَمَّا عامِرٌ الشَّعبِيُّ، فَكانَ مِن كِبارِ التَّابِعِينَ وَأَجِلَّائِهِم، وَمِن أَوسَعِهِم عِلمًا وَأَقواهُم حِفظًا. وَمِن عُلُوِّ قَدرِهِ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ بِالمَغازِي، فَقالَ: «لَقَد شَهِدتُ القَومَ، وَلَهُوَ أَحفَظُ لَها وَأَعلَمُ بِها مِنِّي». وَكانَ الشَّعبِيُّ يَصِفُ قُوَّةَ حافِظَتِهِ فَيَقولُ: «ما كَتَبتُ سَوداءَ فِي بَيضاءَ إِلَى يَومِي هٰذا، وَلَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ بِحَديثٍ قَطُّ إِلَّا حَفِظتُهُ، وَلَا أَحبَبتُ أَن يُعيدَهُ عَلَيَّ». وَقالَ أَيضًا: «ما أَروِي شَيئًا أَقَلَّ مِنَ الشِّعرِ، وَلَو شِئتُ لَأَنشَدتُكُم شَهرًا لَا أُعيدُ». وَالمُرادُ أَنَّ ما كانَ يَحفَظُهُ مِنَ الشِّعرِ ـ مَعَ قِلَّةِ اشتِغالِهِ بِهِ قِياسًا إِلَى الحَديثِ وَالعِلمِ ـ كانَ يَبلُغُ مِقدارًا عَظيمًا، فَكَيفَ بِما تَفَرَّغَ لَهُ مِن عُلومِ الدِّينِ؟
❁ وَمِن أَهلِ الحِفظِ أَبو صالِحٍ السَّمّانُ، فَقَد قالَ الأَعمَشُ: «سَمِعتُ مِن أَبِي صالِحٍ أَلفَ حَديثٍ». وَكَثرَةُ ما حُمِلَ عَنهُ تَدُلُّ عَلَى سَعَةِ مَحفوظِهِ وَدَوامِ مُذاكَرَتِهِ وَتَحديثِهِ.
❁ وَقالَ مَكحولٌ عَن نَفسِهِ: «ما استَودَعتُ صَدري شَيئًا إِلَّا وَجَدتُهُ حِينَ أُريدُهُ». وَهٰذا وَصفٌ لِذاكِرَةٍ حاضِرَةٍ، تَستَدعِي المَحفوظَ عِندَ الحاجَةِ مِن غَيرِ عُسرٍ وَلَا اضطِرابٍ.
❁ وَقالَ الإِمامُ الزُّهرِيُّ: «ما استَودَعتُ قَلبِي عِلمًا فَنَسِيتُهُ». وَلَم يَكُن هٰذا مُجَرَّدَ دَعوى، بَل ثَبَتَ بِالاختِبارِ العَمَلِيِّ؛ فَعَن سَعِيدٍ أَنَّ هِشامَ بنَ عَبدِ المَلِكِ طَلَبَ مِنَ الزُّهرِيِّ أَن يُملِيَ عَلَى بَعضِ وَلَدِهِ شَيئًا مِنَ الحَديثِ، فَأَملَى عَلَيهِ أَربَعَ مِائَةِ حَديثٍ، ثُمَّ خَرَجَ. فَلَمَّا لَقِيَهُ هِشامٌ بَعدَ شَهرٍ أَو نَحوِهِ قالَ لَهُ: إِنَّ ذٰلِكَ الكِتابَ قَد ضاعَ. فَدَعا الزُّهرِيُّ بِكِتابٍ آخَرَ، فَأَملَى الأَحاديثَ نَفسَها، ثُمَّ وُجِدَ الكِتابُ الأَوَّلُ، فَقُوبِلَ بِالثّانِي، فَلَم يُخالِفهُ فِي حَرفٍ واحِدٍ. وَمِن شَواهِدِ قُوَّةِ حِفظِهِ أَيضًا ما ذَكَرَهُ ابنُ أَخِيهِ مِن أَنَّهُ حَفِظَ القُرآنَ فِي ثَمانينَ لَيلَةً. وَقالَ الزُّهرِيُّ عَن نَفسِهِ: «ما استَعَدتُ عِلمًا قَطُّ، وَما شَكَكتُ فِي حَديثٍ إِلَّا حَديثًا واحِدًا، فَسَأَلتُ صاحِبِي، فَإِذا هُوَ كَما حَفِظتُ». وَهٰذا مِن أَبلَغِ ما يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ ضَبطِهِ، فَإِنَّ إِعادَةَ أَربَعِ مِائَةِ حَديثٍ بَعدَ مُدَّةٍ عَلَى الوَجهِ نَفسِهِ مِن غَيرِ اختِلافٍ فِي حَرفٍ شَهادَةٌ عَمَلِيَّةٌ لَا مَجالَ فِيها لِلمُبالَغَةِ أَو حُسنِ الظَّنِّ.
❁ ثُمَّ جاءَت طَبَقاتُ أَتباعِ التَّابِعِينَ، فَظَهَرَ فِيهِم مِن قُوَّةِ الحِفظِ وَسَعَةِ المَحفوظِ ما يُشبِهُ ما عُرِفَ عَن أَسلَافِهِم، وَتَتابَعَت فِيهِم نَماذِجُ باهِرَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَلَكَةَ الحِفظِ كانَت أَصلًا راسِخًا فِي التَّلقِّي العِلمِيِّ، تُقَوَّى بِالمُذاكَرَةِ وَالتَّكرارِ وَالمُعارَضَةِ وَطُولِ المُمارَسَةِ.
❁ قالَ مُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ: «ما وَقَعَ فِي سَمعِي شَيءٌ فَنَسِيتُهُ». وَهٰذِهِ العِبارَةُ تُصَوِّرُ سُرعَةَ حِفظِهِ وَدَوامَ استِحضارِهِ لِما سَمِعَ.
❁ وَقالَ أَبو حاتِمٍ الرّازِيُّ: «كانَ عَمرو بنُ الحارِثِ أَحفَظَ النّاسِ فِي زَمانِهِ، لَم يَكُن لَهُ نَظيرٌ فِي الحِفظِ». وَقالَ ابنُ وَهبٍ: «ما رَأَيتُ أَحفَظَ مِنهُ». وَهٰذِهِ شَهادَةُ إِمامَينِ مِن أَهلِ المَعرِفَةِ وَالاختِبارِ، لَا شَهادَةُ مَن يَجهَلُ مَراتِبَ الحُفّاظِ وَأَحوالَ الرُّواةِ.
❁ وَقالَ مَعمَرٌ: «سَمِعتُ مِن قَتادَةَ وَلِي أَربَعَ عَشرَةَ سَنَةً، فَما سَمِعتُهُ إِذ ذاكَ كَأَنَّهُ مَكتوبٌ فِي صَدري». فَبَقِيَ ما سَمِعَهُ فِي صِغَرِ سِنِّهِ ثابِتًا فِي ذاكِرَتِهِ، كَأَنَّهُ نَصٌّ مَكتوبٌ يَقرَؤُهُ مِن صَحيفَةٍ.
❁ وَكانَ شُعبَةُ بنُ الحَجّاجِ واسِعَ الحِفظِ كَثيرَ الرِّوايَةِ، حَتَّى قالَ أَبو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ: «سَمِعتُ مِن شُعبَةَ سَبعَةَ آلافٍ، وَسَمِعَ غُندَرٌ سَبعَةَ آلافِ حَديثٍ». وَهٰذِهِ الأَعدادُ تَدُلُّ عَلَى غَزارَةِ مَحفوظِهِ وَكَثرَةِ ما كانَ يُحدِّثُ بِهِ تَلامِيذَهُ.
❁ وَلَم يَكُن لِحَمّادِ بنِ سَلَمَةَ مِنَ الكُتُبِ إِلَّا كِتابُ قَيسِ بنِ سَعدٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ سَمِعَ مِنهُ يَحيى بنُ ضُرَيسٍ عَشَرَةَ آلافِ حَديثٍ، وَقالَ عَمرو بنُ عاصِمٍ: «كَتَبتُ عَن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ بِضعَةَ عَشَرَ أَلفَ حَديثٍ». فَقِلَّةُ كُتُبِهِ لَم تَمنَع مِن سَعَةِ مَحفوظِهِ وَكَثرَةِ ما أَدّاهُ لِتَلامِيذِهِ.
❁ وَقالَ سُفيانُ الثَّورِيُّ: «ما استَودَعتُ قَلبِي شَيئًا قَطُّ فَخانَنِي». وَقالَ يَحيى القَطّانُ: «ما رَأَيتُ أَحفَظَ مِنهُ». وَشَهادَةُ يَحيى القَطّانِ لَهُ ذاتُ وَزنٍ عَظيمٍ؛ لِأَنَّ يَحيى كانَ مِن أَئِمَّةِ الحِفظِ وَالنَّقدِ نَفسِهِم.
❁ وَقالَ إِسرائِيلُ بنُ يُونُسَ: «كُنتُ أَحفَظُ حَديثَ أَبِي إِسحاقَ كَما أَحفَظُ السُّورَةَ مِنَ القُرآنِ». وَفِي هٰذا تَشبيهٌ يُبَيِّنُ شِدَّةَ إِتقانِهِ لِحَديثِ شَيخِهِ، حَتَّى صارَ استِحضارُهُ لَهُ كاستِحضارِ السُّورَةِ المَحفوظَةِ.
❁ وَقالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعدٍ: إِنَّ وُهَيبَ بنَ خالِدٍ كانَ يُملِي مِن حِفظِهِ، مَعَ كَثرَةِ رِوايَتِهِ. فَالجَمعُ بَينَ كَثرَةِ المَروِيّاتِ وَالإِملاءِ مِنَ الحِفظِ دَليلٌ عَلَى قُوَّةِ الضَّبطِ وَسَعَةِ الذاكِرَةِ.
❁ وَكانَ عِندَ هُشَيمٍ عِشرونَ أَلفَ حَديثٍ، وَقالَ عَبدُ الرَّحمٰنِ بنُ مَهدِيٍّ: «كانَ هُشَيمٌ أَحفَظَ لِلحَديثِ مِنَ الثَّورِيِّ». وَهٰذِهِ مُفاضَلَةٌ بَينَ إِمامَينِ مِن كِبارِ الحُفّاظِ، تَكشِفُ عَن مَبلَغِ ما بَلَغَهُ هُشَيمٌ مِنَ الحِفظِ.
❁ وَقالَ داوُدُ بنُ عَمرو الضَّبِّيُّ: «كانَ إِسماعِيلُ بنُ عَيّاشٍ يُحَدِّثُنا مِن حِفظِهِ، ما رَأَيتُ مَعَهُ كِتابًا قَطُّ، وَكانَ يَحفَظُ ثَلاثينَ أَلفَ حَديثٍ». وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحديثَهُ كانَ قائِمًا عَلَى حِفظٍ واسِعٍ مُستَحضَرٍ.
❁ وَكانَ حَديثُ سُفيانَ بنِ عُيَينَةَ نَحوًا مِن سَبعَةِ آلافِ حَديثٍ، وَلَم يَكُن لَهُ كُتُبٌ يَعتَمِدُ عَلَيها فِي تَحديثِهِ، بَل كانَ مَحفوظُهُ مُستَقِرًّا فِي صَدرِهِ.
❁ وَعَتَبَ والِدُ عَبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ عَلَى ابنِهِ مَرَّةً، فَقالَ: «إِنِّي لَئِن وَجَدتُ كُتُبَكَ لَأُحرِقَنَّها». فَقالَ ابنُ المُبارَكِ: «وَما عَلَيَّ؟ هُوَ فِي صَدري». وَقالَ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ بنِ شَقِيقٍ: «قُمتُ مَعَ ابنِ المُبارَكِ لَيلَةً بارِدَةً لِيَخرُجَ إِلَى المَسجِدِ، فَذاكَرَنِي عِندَ البابِ بِحَديثٍ، وَذاكَرتُهُ، فَما زالَ يُذاكِرُنِي حَتَّى جاءَ المُؤَذِّنُ فَأَذَّنَ لِلفَجرِ». فَاجتَمَعَ لِابنِ المُبارَكِ قُوَّةُ الحِفظِ وَدَوامُ المُذاكَرَةِ، وَهُما مِن أَكبَرِ أَسبابِ تَثبيتِ العِلمِ وَصِيانَتِهِ.
❁ وَقالَ يَحيى بنُ اليَمانِ: «لَو كانَ واوًا ما قَدَرُوا أَن يُدخِلوهُ عَلَيَّ». يُريدُ أَنَّ ضَبطَهُ لِلمَروِيِّ بَلَغَ مِنَ الدِّقَّةِ حَدًّا لَا يَستَطيعُ مَعَهُ أَحَدٌ أَن يَزيدَ فِي حَديثِهِ حَرفًا واحِدًا. وَكانَ يَحفَظُ فِي المَجلِسِ خَمسَ مِائَةِ حَديثٍ.
❁ وَكانَ أَبو مُعاوِيَةَ الضَّريرُ مَكفوفَ البَصَرِ، وَلٰكِنَّهُ كانَ مِن أَحفَظِ النّاسِ لِحَديثِ الأَعمَشِ. قالَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ: «كَتَبتُ عَن أَبِي مُعاوِيَةَ عَنِ الأَعمَشِ أَلفًا وَخَمسَ مِائَةِ حَديثٍ». وَقالَ جَريرٌ: «كُنّا نَخرُجُ مِن عِندِ الأَعمَشِ، فَلَا يَكونُ أَحفَظَ مِنّا لِحَديثِهِ مِن أَبِي مُعاوِيَةَ». وَقالَ أَبو مُعاوِيَةَ نَفسُهُ: «البُصَراءُ كانُوا عَلَيَّ عِيالًا عِندَ الأَعمَشِ، لَقَد رَأَيتُهُم يَجيئونَ كُلُّهُم إِلَى بابِي فَأُملي عَلَيهِم ما سَمِعُوا مِنَ الأَعمَشِ». فَمَعَ فَقدِهِ البَصَرَ صارَ مَرجِعًا لِلمُبصِرينَ فِي ضَبطِ ما سَمِعوهُ.
❁ وَكانَ مَروانُ بنُ مُعاوِيَةَ يَحفَظُ حَديثَهُ كُلَّهُ، فَلَم يَكُن مَحفوظُهُ مُتَفَرِّقًا وَلَا مُضطَرِبًا، بَل كانَ مُستَحضَرًا لَدَيهِ.
❁ وَقالَ يَحيى بنُ مَعينٍ: «جَميعُ ما حَدَّثَ بِهِ حَفصُ بنُ غِياثٍ بِبَغدادَ وَبِالكوفَةِ فَمِن حِفظِهِ، لَم يُخرِج كِتابًا، وَكَتَبُوا عَنهُ ثَلاثَةَ آلافٍ أَو أَربَعَةَ آلافِ حَديثٍ مِن حِفظِهِ». وَهٰذا نَصٌّ صَريحٌ فِي أَنَّ آلافَ الأَحاديثِ أُدِّيَت عَنهُ مِن غَيرِ رُجوعٍ إِلَى كِتابٍ.
❁ وَقالَ عَبدُ الرَّحمٰنِ بنُ مَهدِيٍّ: قالَ لِي سُفيانُ الثَّورِيُّ: «جِئنِي بِمَن أُذاكِرُهُ». فَجِئتُهُ بِيَحيى القَطّانِ، فَذاكَرَهُ، فَلَمّا خَرَجَ قالَ: «يا عَبدَ الرَّحمٰنِ، قُلتُ لَكَ: جِئنِي بِإِنسانٍ، فَجِئتَنِي بِشَيطانٍ». وَأَرادَ بِذٰلِكَ التَّعَجُّبَ مِن سُرعَةِ حِفظِ يَحيى وَقُوَّةِ استِحضارِهِ، لَا المَعنى الحَقيقِيَّ لِلَّفظِ.
❁ وَكانَ الوَليدُ بنُ مُسلِمٍ مِن أَحفَظِ النّاسِ لِلأَحاديثِ الطِّوالِ وَأَحاديثِ المَلاحِمِ، وَكانَ يَحفَظُ الأَبوابَ، أَي يَستَوعِبُ أَحاديثَ البابِ وَطُرُقَها وَما يَتَعَلَّقُ بِها.
❁ وَقالَ أَحمَدُ بنُ صالِحٍ: «حَدَّثَ ابنُ وَهبٍ بِمِائَةِ أَلفِ حَديثٍ». وَهٰذا العَدَدُ يَكشِفُ عَن سَعَةِ عِلمِهِ وَكَثرَةِ مَروِيّاتِهِ.
❁ وَقالَ الإِمامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: «ما رَأَت عَينِي مِثلَ وَكيعٍ قَطُّ». وَقالَ أَبو حاتِمٍ: «وَكيعٌ أَحفَظُ مِنَ ابنِ المُبارَكِ». وَقالَ أَبو داوُدَ: «ما رُئِيَ لِوَكيعٍ كِتابٌ قَطُّ». فَقَد كانَ تَحديثُهُ قائِمًا عَلَى حِفظٍ بالِغٍ، شَهِدَ لَهُ بِهِ أَئِمَّةُ عَصرِهِ.
❁ وَقالَ وَكيعٌ عَن عَبدِ الرَّحمٰنِ المُحارِبِيِّ: «ما كانَ أَحفَظَهُ لِلطِّوالِ». فَخَصَّهُ بِقُوَّةِ حِفظِ الأَحاديثِ الطَّويلَةِ، وَهِيَ أَشَدُّ حاجَةً إِلَى الضَّبطِ وَالمُراجَعَةِ.
❁ وَقالَ يَزيدُ بنُ هارونَ عَن نَفسِهِ: «أَحفَظُ أَربَعَةً وَعِشرينَ أَلفَ حَديثٍ بِالإِسنادِ، وَلَا فَخرَ». وَقالَ مَرَّةً: «وَأَحفَظُ عِشرينَ أَلفًا، فَمَن شاءَ فَليُدخِل فِيها حَرفًا». وَقالَ زِيادُ بنُ أَيّوبَ: «ما رَأَيتُ لِيَزيدَ بنِ هارونَ كِتابًا قَطُّ». فَلَم يَكُن حِفظُهُ مُقتَصِرًا عَلَى المُتونِ، بَل كانَ يَحفَظُها بِأَسانيدِها، وَهٰذا أَبلَغُ فِي الدِّقَّةِ وَأَعظَمُ مَؤُونَةً.
❁ وَقالَ زِيادُ بنُ أَيّوبَ: «ما رَأَيتُ لِابنِ عُلَيَّةَ كِتابًا قَطُّ». وَقالَ أَبو داوُدَ: «ما أَحَدٌ إِلَّا وَقَد أَخطَأَ إِلَّا ابنَ عُلَيَّةَ». وَالمُرادُ المُبالَغَةُ فِي وَصفِ شِدَّةِ ضَبطِهِ وَقِلَّةِ خَطَئِهِ.
❁ وَقالَ القَوارِيرِيُّ: «أَملى عَلَيَّ عَبدُ الرَّحمٰنِ بنُ مَهدِيٍّ عِشرينَ أَلفَ حَديثٍ حِفظًا». وَقالَ الذُّهلِيُّ: «ما رَأَيتُ فِي يَدِ عَبدِ الرَّحمٰنِ بنِ مَهدِيٍّ كِتابًا قَطُّ». فَكانَ يُملِي هٰذا القَدرَ الضَّخمَ مِنَ الحَديثِ مِن صَدرِهِ.
❁ وَكانَ حَديثُ مُحَمَّدِ بنِ عُبَيدٍ الطَّنافِسِيِّ أَربَعَةَ آلافِ حَديثٍ يَحفَظُها، وَيُؤَدِّيها مِن ذاكِرَتِهِ.
❁ وَكَتَبَ النّاسُ عَن أَبِي داوُدَ الطَّيالِسِيِّ مِن حِفظِهِ أَربَعينَ أَلفَ حَديثٍ، وَهُوَ عَدَدٌ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ مَحفوظِهِ وَكَثرَةِ مَروِيّاتِهِ.
❁ وَكانَ عِندَ أَبِي أَحمَدَ الزُّبَيرِيِّ كِتابٌ ضَخمٌ مِن حَديثِ سُفيانَ الثَّورِيِّ، فَقالَ: «لَا أُبالِي أَن يُسرَقَ مِنِّي كِتابُ سُفيانَ؛ إِنِّي أَحفَظُهُ كُلَّهُ». فَلَم يَكُنِ الكِتابُ عِندَهُ بَديلًا مِنَ الحِفظِ، بَل كانَ نُسخَةً مُؤَيِّدَةً لِما استَقَرَّ فِي صَدرِهِ.
❁ وَكانَ أَبو عاصِمٍ يَحفَظُ نَحوَ أَلفِ حَديثٍ، وَلَم يُحَدِّث قَطُّ إِلَّا مِن حِفظِهِ.
❁ وَكانَ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ بنُ شَقِيقٍ جامِعًا لِلعِلمِ، وَكانَ يُعَدُّ مِن أَحفَظِ النّاسِ لِكُتُبِ عَبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ.
❁ وَقالَ أَبو حاتِمٍ فِي سُلَيمانَ بنِ حَربٍ: «قَد ظَهَرَ مِن حَديثِهِ نَحوُ عَشَرَةِ آلافِ حَديثٍ، وَما رَأَيتُ فِي يَدِهِ كِتابًا قَطُّ». فَكانَ يُحدِّثُ بِهٰذا القَدرِ مِن حِفظِهِ.
❁ وَقالَ حَربٌ الكِرمانِيُّ فِي سَعِيدِ بنِ مَنصورٍ، المُتَوَفَّى سَنَةَ سَبعٍ وَعِشرينَ وَمِائَتَينِ: «أَملى عَلَينا نَحوًا مِن عَشَرَةِ آلافِ حَديثٍ مِن حِفظِهِ».
❁ وَقالَ أَبو زُرعَةَ الرّازِيُّ لِعَبدِ اللهِ بنِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: «كانَ أَبوكَ يَحفَظُ أَلفَ أَلفِ حَديثٍ». وَالمُرادُ بِالحَديثِ عِندَ المُحَدِّثِينَ هُنا طُرُقُهُ وَأَسانيدُهُ وَأَلفاظُهُ المُتَعَدِّدَةُ، لَا أَنَّ المَقصودَ مِليونُ مَتنٍ مُستَقِلٍّ؛ فَقَد يُعَدُّ الحَديثُ الواحِدُ بِطُرُقِهِ وَرِواياتِهِ أَحاديثَ مُتَعَدِّدَةً فِي اصطِلاحِهِم.
❁ وَقالَ أَبو داوُدَ الخَفّافُ: «أَملى عَلَينا إِسحاقُ بنُ راهَوَيهِ مِن حِفظِهِ أَحَدَ عَشَرَ أَلفَ حَديثٍ، ثُمَّ قَرَأَها عَلَينا، فَما زادَ حَرفًا وَلَا نَقَصَ حَرفًا». وَهٰذا مِن أَقوَى شَواهِدِ الضَّبطِ؛ إِذ جُمِعَ بَينَ الإِملاءِ مِنَ الحِفظِ وَالمُراجَعَةِ بَعدَهُ، فَظَهَرَتِ المُطابَقَةُ التّامَّةُ.
❁ وَوَصَفَ حاشِدُ بنُ إِسماعِيلَ حِفظَ الإِمامِ البُخارِيِّ فَقالَ: «كانَ البُخارِيُّ يَختَلِفُ مَعَنا إِلَى السَّماعِ وَهُوَ غُلامٌ، فَلَا يَكتُبُ، حَتَّى أَتى عَلَى ذٰلِكَ أَيّامٌ، فَكُنّا نَقولُ لَهُ، فَقالَ: إِنَّما قَد أَكثَرتُما عَلَيَّ، فَاعرِضا عَلَيَّ ما كَتَبتُما. فَأَخرَجنا إِلَيهِ ما كانَ عِندَنا، فَزادَ عَلَى خَمسَةَ عَشَرَ أَلفَ حَديثٍ، فَقَرَأَها كُلَّها عَن ظَهرِ قَلبٍ، حَتَّى جَعَلنا نُحكِمُ كُتُبَنا مِن حِفظِهِ، ثُمَّ قالَ: أَتَرَونَ أَنِّي أَختَلِفُ هَدَرًا وَأُضَيِّعُ أَيّامِي؟». وَقالَ الإِمامُ البُخارِيُّ عَن نَفسِهِ: «أَحفَظُ مِائَةَ أَلفِ حَديثٍ صَحيحٍ، وَمِائَتَي أَلفِ حَديثٍ غَيرِ صَحيحٍ». وَكانَ حِفظُهُ لِلضَّعيفِ وَغَيرِ الصَّحيحِ لِمَعرِفَةِ عِلَلِهِ وَطُرُقِهِ وَتَمييزِهِ مِنَ الصَّحيحِ، لَا لِلاحتِجاجِ بِهِ.
❁ وَقَدِ اشتَهَرَت وَاقِعَةُ اِمتِحانِ الإِمامِ البُخارِيِّ بِبَغدادَ، حِينَ اجتَمَعَ أَصحابُ الحَديثِ لِاختِبارِ حِفظِهِ وَدِقَّةِ ضَبطِهِ، فَعَمَدُوا إِلَى مِائَةِ حَديثٍ، فَقَلَبُوا أَسانيدَها وَمُتونَها؛ فَجَعَلُوا مَتنَ هٰذا الإِسنادِ لِإِسنادٍ آخَرَ، وَإِسنادَ هٰذا المَتنِ لِمَتنٍ غَيرِهِ، ثُمَّ وَزَّعُوا تِلكَ الأَحاديثَ عَلَى عَشَرَةِ رِجالٍ، فَكانَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُم عَشَرَةُ أَحاديثَ مَقلوبَةٍ. فَأَخذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُم يَسأَلُ البُخارِيَّ عَمَّا مَعَهُ، فَكانَ يَقولُ عِندَ كُلِّ حَديثٍ: «لَا أَعرِفُهُ». فَلَمَّا فَرَغَ الرِّجالُ جَميعًا مِن عَرضِ الأَحاديثِ المَقلوبَةِ، أَقبَلَ البُخارِيُّ عَلَى كُلِّ واحِدٍ مِنهُم، فَذَكَرَ لَهُ الحَديثَ عَلَى الوَجهِ الَّذِي أَلقاهُ بِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ رَدَّ كُلَّ مَتنٍ إِلَى إِسنادِهِ الصَّحيحِ، وَكُلَّ إِسنادٍ إِلَى مَتنِهِ، حَتَّى أَعادَ المِائَةَ كُلَّها دُونَ أَن يُخطِئَ فِي شَيءٍ مِنهَا. فَأَذعَنَ لَهُ النّاسُ يَومَئِذٍ بِقُوَّةِ الحِفظِ، وَسَعَةِ العِلمِ، وَدِقَّةِ التَّمييزِ بَينَ الأَسانيدِ وَالمُتونِ. وَالأَعجَبُ فِي هٰذا الِاختِبارِ لَيسَ مُجَرَّدَ رَدِّ الأَحاديثِ إِلَى وُجوهِها الصَّحيحَةِ، بَل حِفظُهُ أَيضًا لِصُوَرِها المَقلوبَةِ كَما أُلقِيَت عَلَيهِ، ثُمَّ تَصحيحُها واحِدًا واحِدًا.
❁ وَكانَ مِن قُوَّةِ حافِظَةِ الإِمامِ التِّرمِذِيِّ أَنَّهُ قالَ: «كُنتُ فِي طَريقِ مَكَّةَ، وَكُنتُ قَد كَتَبتُ جُزأَينِ مِن أَحاديثِ شَيخٍ، فَمَرَّ بِنا ذٰلِكَ الشَّيخُ، فَرُحتُ إِلَيهِ، وَأَنا أَظُنُّ أَنَّ الجُزأَينِ مَعِي، وَإِنَّما حَمَلتُ فِي مَحمَلِي جُزأَينِ بَياضًا. فَلَمّا ظَفِرتُ بِهِ سَأَلتُهُ السَّماعَ، فَأَجابَ، وَأَخَذَ يَقرَأُ مِن حِفظِهِ، ثُمَّ لَمَحَ البَياضَ فِي يَدِي، فَقالَ: أَما تَستَحي مِنِّي؟ فَقَصَصتُ عَلَيهِ القِصَّةَ، وَقُلتُ: إِنِّي أَحفَظُهُ كُلَّهُ. فَقالَ: اِقرَأ. فَقَرَأتُهُ عَلَيهِ عَلَى الوِلَاءِ، فَقالَ: هَلِ استَظهَرتَ قَبلَ أَن تَجِيءَ إِلَيَّ؟ قُلتُ: لَا. ثُمَّ قُلتُ: حَدِّثنِي بِغَيرِهِ. فَقَرَأَ عَلَيَّ أَربَعينَ حَديثًا مِن غَرائِبِ حَديثِهِ، ثُمَّ قالَ: هاتِ. فَقَرَأتُها عَلَيهِ مِن أَوَّلِها إِلَى آخِرِها، فَقالَ: ما رَأَيتُ مِثلَكَ». وَفِي هٰذِهِ الواقِعَةِ دَليلٌ باهِرٌ عَلَى سُرعَةِ حِفظِ التِّرمِذِيِّ وَقُوَّةِ استِحضارِهِ؛ فَإِنَّهُ لَم يَكتَفِ بِقِراءَةِ ما كانَ قَد سَمِعَهُ مِن قَبلُ دُونَ رُجوعٍ إِلَى كِتابٍ، بَل حَفِظَ أَربَعينَ حَديثًا مِن غَرائِبِ حَديثِ الشَّيخِ مِن سَماعٍ واحِدٍ، ثُمَّ أَعادَها عَلَيهِ مُرَتَّبَةً مِن أَوَّلِها إِلَى آخِرِها.
❁ وَعَن أَبِي زُرعَةَ الرّازِيِّ أَنَّ رَجُلًا استَفتاهُ، فَذَكَرَ أَنَّهُ حَلَفَ بِالطَّلاقِ أَنَّ أَبا زُرعَةَ يَحفَظُ مِائَةَ أَلفِ حَديثٍ، فَقالَ لَهُ أَبو زُرعَةَ: «تَمَسَّك بِامرَأَتِكَ». أَي: إِنَّ ما حَلَفَ عَلَيهِ حَقٌّ، فَلَا يَقَعُ عَلَيهِ حِنثٌ فِي يَمينِهِ؛ لِأَنَّ مِقدارَ مَحفوظِ أَبِي زُرعَةَ كانَ يَبلُغُ هٰذا العَدَدَ أَو يَزيدُ عَلَيهِ. وَهٰذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَعَةَ حِفظِهِ كانَت مَعلُومَةً مَشهورَةً عِندَ أَهلِ عَصرِهِ، لَا أَمرًا يَختَصُّ بِدَعواهُ عَن نَفسِهِ.
❁ وَقالَ أَبو اللَّيثِ عَبدُ اللهِ بنُ شُرَيحٍ الشَّيبانِيُّ البُخارِيُّ: «حَفِظتُ عَشَرَةَ آلافِ حَديثٍ مِن غَيرِ تَكريرٍ». وَالمُرادُ بِقَولِهِ: «مِن غَيرِ تَكريرٍ» أَنَّ هٰذِهِ العَشَرَةَ الآلافِ كانَت مِنَ الأَحاديثِ غَيرِ المُكَرَّرَةِ، فَلَم يَكُن يَعدُّ طُرُقَ الحَديثِ الواحِدِ وَأَسانيدَهُ المُتَعَدِّدَةَ أَحاديثَ مُستَقِلَّةً لِتَكثيرِ العَدَدِ، بَل كانَ يَقصِدُ عَشَرَةَ آلافِ مَتنٍ مُختَلِفٍ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ مَحفوظِهِ، وَكَثرَةِ ما استَوعَبَهُ مِن مُتونِ الأَحاديثِ المُتَغايِرَةِ، فَضلًا عَمّا يَتَّصِلُ بِها مِن أَسانيدَ وَطُرُقٍ وَرِواياتٍ.
❁ وَقِيلَ: إِنَّ كُتُبَ ابنِ أَبِي عاصِمٍ ذَهَبَت بِالبَصرَةِ فِي فِتنَةِ الزَّنجِ، فَأَعادَ مِن حِفظِهِ خَمسينَ أَلفَ حَديثٍ. وَهٰذِهِ الواقِعَةُ مِن أَظهَرِ الشَّواهِدِ عَلَى أَنَّ الكُتُبَ لَم تَكُن عِندَ أَئِمَّةِ الحَديثِ بَديلًا مِنَ الحِفظِ، بَل كانَ ما فِي السُّطورِ مُثبَتًا أَيضًا فِي الصُّدورِ؛ حَتَّى إِذا ضاعَتِ النُّسَخُ أَمكَنَ استِعادَةُ مَضامينِها مِنَ الحِفظِ.
❁ وَقالَ الخَطيبُ البَغدادِيُّ: إِنَّ صالِحَ جَزرَةَ حَدَّثَ دَهرًا مِن حِفظِهِ، وَلَم يَكُنِ استَصحَبَ مَعَهُ كِتابًا. فَقَد ظَلَّ زَمَنًا طَويلًا يُؤَدِّي الحَديثَ إِلَى تَلامِيذِهِ مِن مَحفوظِهِ، مِن غَيرِ أَن يَحتاجَ إِلَى مُراجَعَةِ أَصلٍ مَكتوبٍ فِي أَثناءِ تَحديثِهِ، وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى رُسوخِ مَروِيّاتِهِ وَقُوَّةِ استِحضارِهِ لَها.
❁ وَهٰذِهِ الأَخبارُ، عَلَى كَثرَتِها، لَيسَت إِلَّا نَماذِجَ مِن سِيَرِ أُلوفِ الرُّواةِ وَالحُفّاظِ الَّذِينَ حَفِلَت بِهِم كُتُبُ التَّراجِمِ وَالطَّبَقاتِ. وَهِيَ تَكشِفُ عَن حَقيقَةٍ بالِغَةِ الأَهمِّيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ نَقلَ الحَديثِ لَم يَقُم عَلَى ذاكِرَةٍ ضَعيفَةٍ مُهمَلَةٍ، وَلَا عَلَى رُواةٍ يَسمَعونَ ثُمَّ يُؤَدّونَ مِن غَيرِ حِفظٍ وَلَا ضَبطٍ؛ بَل تَوَلّاهُ رِجالٌ جَعَلُوا الحِفظَ صِناعَتَهُم، وَالمُذاكَرَةَ عادَتَهُم، وَالمُراجَعَةَ مَنهَجَهُم، وَعَرَضَ بَعضُهُم مَحفوظَهُ عَلَى بَعضٍ، وَاختَبَرَهُم أَئِمَّةُ النَّقدِ، وَكَشَفُوا ما يَقَعُ مِن أَوهامِهِم، وَمَيَّزُوا مَراتِبَهُم فِي الحِفظِ وَالإِتقانِ.
❁ وَمِن ثَمَّ؛ فَلَيسَ المَقصودُ مِن ذِكرِ هٰذِهِ النَّماذِجِ دَعوى عِصمَةِ كُلِّ راوٍ مِنَ الخَطَإِ؛ فَإِنَّ العِصمَةَ لَا تَكونُ لِآحادِ البَشَرِ، وَلٰكِنَّ المَقصودَ إِثباتُ أَنَّ عِلمَ الحَديثِ أُقيمَ عَلَى حِفظٍ خارِقٍ لِلعادَةِ فِي كَثيرٍ مِن رِجالِهِ، وَعَلَى مُراجَعَةٍ وَمُعارَضَةٍ وَنَقدٍ دَقيقٍ يَكشِفُ الخَطَأَ إِذا وَقَعَ. فَكانَت قُوَّةُ الحِفظِ إِحدى دَعائِمِ صِيانَةِ السُّنَّةِ، وَكانَ النَّقدُ وَالمُقابَلَةُ وَتَعَدُّدُ الطُّرُقِ دَعائِمَ أُخرى تَمنَعُ أَن يَستَبِدَّ وَهمُ راوٍ واحِدٍ بِرِوايَةِ الحَديثِ، أَو يَمرَّ خَطَؤُهُ مِن غَيرِ كَشفٍ وَبَيانٍ.
❁ وَإِذا كانَ هٰذا القَدرُ مِنَ النُّقولِ وَالشَّواهِدِ قَد يَثقُلُ عَلَى بَعضِ القُرّاءِ لِكَثرَتِهِ وَتَتابُعِهِ، فَإِنَّهُ ـ عَلَى كَثرَتِهِ ـ لَا يَزالُ غَيضًا مِن فَيضٍ، وَنَماذِجَ قَليلَةً مِن أَخبارٍ لا تُحصَى حَفِلَت بِها كُتُبُ الرِّجالِ وَالتَّراجِمِ وَطَبَقاتُ الحُفّاظِ. وَإِنَّما سِيقَت هٰذِهِ النَّماذِجُ المُتَتابِعَةُ لِتَتَضافَرَ دَلالاتُها، وَلِيَظهَرَ أَنَّ قُوَّةَ الحِفظِ لَم تَكُن خَصيصَةَ فَردٍ واحِدٍ، وَلَا ظاهِرَةً نادِرَةً مَحصورَةً فِي عَصرٍ مُعَيَّنٍ؛ بَل كانَت مَنهَجًا عِلمِيًّا وَمَلَكَةً راسِخَةً تَوارَثَها أَئِمَّةُ الحَديثِ جِيلًا بَعدَ جِيلٍ، وَقَوَّوها بِالمُذاكَرَةِ وَالمُراجَعَةِ وَالمُعارَضَةِ وَالِاختِبارِ. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ هٰذا المَوضوعَ يَستَحِقُّ أَن يُفرَدَ بِكِتابٍ كَبيرٍ مُستَقِلٍّ، تُجمَعُ فِيهِ نَماذِجُ حِفظِ أَئِمَّةِ الحَديثِ، وَطُرُقُ اختِبارِهِم، وَمَناهِجُهُم فِي ضَبطِ المَروِيّاتِ وَصِيانَتِها.
*❖ خَامِسًا: الاِحتِياطُ فِي رِوايَةِ الحَديثِ وَشِدَّةُ التَّوَقِّي مِنَ الزِّيادَةِ وَالنُّقصانِ*
❁ وَهُنا أَمرٌ جَديرٌ بِالعِنايَةِ البالِغَةِ وَالتَّنَبُّهِ التّامِّ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَما أَكَّدَ تَأكيدًا شَديدًا وُجوبَ تَبليغِ أَحاديثِهِ وَأَدائِها إِلَى مَن لَم يَسمَعها، فَقَد حَذَّرَ فِي الوَقتِ نَفسِهِ مِنَ الكَذِبِ عَلَيهِ أَشَدَّ التَّحذيرِ، وَتَوَعَّدَ مَن نَسَبَ إِلَيهِ ما لَم يَقُلهُ بِأَغلَظِ الوَعيدِ. فَاجتَمَعَ بِذٰلِكَ فِي نُفوسِ الصَّحابَةِ وَمَن بَعدَهُم أَمرانِ عَظيمانِ: الحِرصُ عَلَى تَبليغِ السُّنَّةِ وَعَدَمِ كِتمانِها، وَشِدَّةُ الحَذَرِ مِن أَن يُنسَبَ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ لَفظٌ لَم يَقُلهُ، أَو مَعنىً لَم يُرِدهُ.
❁ وَمِن أَجلِ هٰذا الوَعيدِ الشَّديدِ، ظَلَّت طائِفَةٌ مِن رُواةِ الحَديثِ، مُنذُ العَهدِ الأَوَّلِ، عَلَى غايَةِ الحَذَرِ وَالتَّوَقِّي فِي الرِّوايَةِ؛ فَكانُوا لَا يُحَدِّثُونَ إِلَّا بِما ضَبَطُوهُ وَاستَيقَنُوهُ، وَرُبَّما أَقَلُّوا مِنَ التَّحديثِ، لَا لِقِلَّةِ مَحفوظِهِم، وَلَا لِكِتمانِ العِلمِ، بَل خَشيَةَ أَن يَقَعَ مِنهُم سَهوٌ، أَو يَطرَأَ عَلَى المَتنِ زِيادَةٌ أَو نُقصانٌ. وَمِن ذٰلِكَ ما رُوِيَ عَنِ الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي «صَحيحِ البُخارِيِّ»، مِن إِقلالِهِ الرِّوايَةَ مَخافَةَ أَن يَدخُلَ فِي الوَعيدِ الوارِدِ فِيمَن كَذَبَ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ وَكانَ مِن شَأنِ أَنَسِ بنِ مالِكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ إِذا عَرَضَ لَهُ فِي الحَديثِ أَدنى شَكٍّ أَمسَكَ عَن رِوايَتِهِ، مَعَ سَعَةِ ما سَمِعَهُ وَطُولِ صُحبَتِهِ لِرَسولِ اللهِ ﷺ، وَكانَ يَقولُ: «لَولا أَنِّي أَخشى أَن أُخطِئَ لَحَدَّثتُكُم بِأَشياءَ سَمِعتُها مِن رَسولِ اللهِ ﷺ». وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ امتِناعَهُ عَن رِوايَةِ بَعضِ ما سَمِعَ لَم يَكُن ناتِجًا عَن نِسيانٍ مُستَرسَلٍ أَو تَهاوُنٍ فِي الحِفظِ، بَل كانَ ثَمَرَةَ وَرَعٍ شَديدٍ، وَخَوفٍ مِن أَن يُؤَدِّيَ الحَديثَ عَلَى غَيرِ وَجهِهِ الدَّقيقِ.
❁ وَقالَ أَبو جَعفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ: «لَم يَكُن أَحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ إِذا سَمِعَ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ حَديثًا أَحذَرَ أَلَّا يَزيدَ فِيهِ أَو يَنقُصَ مِنهُ مِنِ ابنِ عُمَرَ». فَقَد كانَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، مَعروفًا بِشِدَّةِ التَّحَرِّي فِي أَلفاظِ الحَديثِ، وَبِالحِرصِ عَلَى أَدائِها كَما سَمِعَها، حَتَّى إِنَّهُ لَم يَكُن يَرضَى بِتَقديمِ كَلِمَةٍ أَو تَأخيرِها، وَإِن لَم يَترَتَّب عَلَى ذٰلِكَ تَغَيُّرٌ فِي أَصلِ المَعنى.
❁ وَيُؤَيِّدُ ذٰلِكَ ما جاءَ فِي «صَحيحِ مُسلِمٍ» أَنَّ ابنَ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «بُنِيَ الإِسلامُ عَلَى خَمسٍ: عَلَى أَن يُوَحَّدَ اللهُ، وَإِقامِ الصَّلاةِ، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ، وَصِيامِ رَمَضانَ، وَالحَجِّ». فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: الحَجُّ وَصِيامُ رَمَضانَ. فَقالَ ابنُ عُمَرَ: «لَا، صِيامُ رَمَضانَ وَالحَجُّ؛ هٰكَذا سَمِعتُهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ».
❁ فَتَأَمَّل مِقدارَ تَحَرِّيهِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَم يُغَيِّر أَصلَ الحَديثِ، وَلَم يَزِد فِيهِ حُكمًا، وَلَم يُنقِص مِنهُ شَيئًا، وَإِنَّما قَدَّمَ الحَجَّ عَلَى صِيامِ رَمَضانَ، مَعَ بَقاءِ المَعنى العَامِّ صَحيحًا. وَمَعَ ذٰلِكَ لَم يَقبَلِ ابنُ عُمَرَ هٰذا التَّغييرَ اليَسيرَ فِي التَّرتيبِ، وَأَصَرَّ عَلَى أَدائِهِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي سَمِعَهُ، فَقالَ: «هٰكَذا سَمِعتُهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ». وَهٰذا يَكشِفُ عَن أَنَّ الأَمانَةَ فِي نَقلِ الحَديثِ عِندَهُم لَم تَكُن مُقتَصِرَةً عَلَى صِيانَةِ المَعنى مِنَ التَّحريفِ، بَل كانَت تَشمَلُ ـ ما أَمكَنَ ـ المُحافَظَةَ عَلَى نَظمِ الأَلفاظِ وَتَرتيبِها كَما وَرَدَت.
❁ وَقَد رَوَى الدّارِمِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، واقِعَةً أُخرى تُشبِهُ هٰذِهِ الواقِعَةَ فِي حَديثٍ آخَرَ؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هٰذا التَّحَرِّي لَم يَكُن مَوقِفًا عارِضًا وَقَعَ مَرَّةً واحِدَةً، بَل كانَ مَنهَجًا ثابِتًا فِي رِوايَتِهِ، وَسمَةً مَعرُوفَةً مِن سِماتِ أَدائِهِ لِحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ وَذَكَرَ الحافِظُ الذَّهَبِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ كانَ مِن أَشَدِّ الصَّحابَةِ تَحَرِّيًا فِي أَداءِ الحَديثِ، وَأَبلَغِهِم تَوَقِّيًا فِي رِوايَتِهِ، وَأَكثَرِهِم زَجرًا لِتَلامِيذِهِ عَنِ التَّساهُلِ فِي ضَبطِ أَلفاظِهِ. فَلَم يَكُن يَرضَى أَن يُنقَلَ حَديثُ رَسولِ اللهِ ﷺ عَلَى وَجهِ التَّقريبِ أَوِ التَّخمينِ، بَل كانَ يَحمِلُ نَفسَهُ وَمَن حَولَهُ عَلَى غايَةِ التَّثَبُّتِ وَالتَّحَرِّي؛ صِيانَةً لِلسُّنَّةِ مِنَ الزِّيادَةِ وَالنُّقصانِ، وَحِفظًا لِأَلفاظِها مِنَ التَّغييرِ وَالِاضطِرابِ.
❁ وَرَوَى ابنُ ماجَه عَن عَبدِ الرَّحمٰنِ بنِ أَبِي لَيلَى أَنَّهُ قالَ: قُلنا لِزَيدِ بنِ أَرقَمَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ: حَدِّثنا عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ: «كَبُرنا وَنَسِينا، وَالحَديثُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ شَديدٌ». وَفِي هٰذا الجَوابِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلَى عِظَمِ مَسؤُولِيَّةِ الرِّوايَةِ فِي نُفوسِ الصَّحابَةِ؛ فَإِنَّ زَيدًا، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لَم يَستَجِب لِطَلَبِ التَّحديثِ مُجَرَّدَ استِجابَةٍ عابِرَةٍ، بَل صَرَّحَ بِأَنَّ تَقَدُّمَ السِّنِّ وَاحتِمالَ النِّسيانِ يَحمِلانِهِ عَلَى التَّوَقُّفِ وَالحَذَرِ؛ لِأَنَّ الحَديثَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ أَمانَةٌ شَديدَةُ الخَطَرِ، لَا يَنبَغي أَن يُقدِمَ عَلَيها مَن لَم يَطمَئِنَّ إِلَى كَمالِ ضَبطِهِ.
❁ وَمِن أَجلِ هٰذا التَّوَقِّي كانَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، يُوصِي تَلامِيذَهُ قائِلًا: «إِذا أَرادَ أَحَدُكُم أَن يَروِيَ حَديثًا فَليُرَدِّدهُ ثَلاثًا». وَالمُرادُ أَن يَستَحضِرَ الحَديثَ وَيُراجِعَهُ فِي نَفسِهِ قَبلَ أَدائِهِ، لِيَختَبِرَ ثَباتَ أَلفاظِهِ، وَيَطمَئِنَّ إِلَى سَلامَةِ تَرتيبِهِ، وَيَدفَعَ عَن نَفسِهِ خَطَرَ العَجَلَةِ أَوِ الوَهمِ. فَتَكرارُ الحَديثِ قَبلَ رِوايَتِهِ كانَ عِندَهُم وَسيلَةً مِن وَسائِلِ المُراجَعَةِ وَالتَّثَبُّتِ، لَا مُجَرَّدَ تَكرارٍ لَفظِيٍّ لَا غايَةَ لَهُ.
❁ وَلِهٰذا الحَذَرِ أَيضًا كانَ أَبو بَكرٍ وَعُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، يُؤَكِّدانِ عَلَى إِقلالِ الرِّوايَةِ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ. وَلَم يَكُنِ المَقصودُ مِن ذٰلِكَ مَنعَ نَقلِ السُّنَّةِ أَو كِتمانَها؛ فَهُما مِن أَشَدِّ النّاسِ حِرصًا عَلَى نَشرِ هَديِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلٰكِنَّ المُرادَ الحَيلولَةُ دُونَ التَّساهُلِ فِي التَّحديثِ، وَحَملُ النّاسِ عَلَى أَلَّا يَروُوا إِلَّا ما حَفِظُوهُ وَضَبَطُوهُ وَاستَيقَنُوا صِحَّتَهُ. فَكانَ إِقلالُ الرِّوايَةِ عِندَهُما مِن بابِ الاحتِياطِ لِلسُّنَّةِ، لَا مِن بابِ الزُّهدِ فِي تَبليغِها.
❁ فَقَد جاءَ فِي «تَذكِرَةِ الحُفّاظِ» أَنَّ الجَدَّةَ جاءَت إِلى أَبِي بَكرٍ تَلتَمِسُ أَن تُوَرَّثَ، فَقالَ: ما أَجِدُ لَكِ فِي كِتابِ اللهِ شَيئًا، وَما عَلِمتُ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ لَكِ شَيئًا. ثُمَّ سَأَلَ النّاسَ، فَقالَ المُغِيرَةُ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يُعطِيها السُّدُسَ. فَقالَ: هَل مَعَكَ أَحَدٌ؟ فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ بِمِثلِ ذٰلِكَ، فَأَنفَذَهُ لَها أَبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
❁ وَفِيهِ أَيضًا أَنَّ أَبا موسى سَلَّمَ عَلى عُمَرَ مِن وَراءِ البابِ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَلَم يُؤذَن لَهُ، فَرَجَعَ، فَأَرسَلَ عُمَرُ فِي أَثَرِهِ، فَقالَ: لِمَ رَجَعتَ؟ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إِذا سَلَّمَ أَحَدُكُم ثَلاثًا فَلَم يُجَب فَليَرجِع». قالَ: لَتَأتِيَنِّي عَلى ذٰلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَو لَأَفعَلَنَّ بِكَ. فَجاءَنا أَبو موسى مُنتَقِعًا لَونُهُ وَنَحنُ جُلوسٌ، فَقُلنا: ما شَأنُكَ؟ فَأَخبَرَنا، وَقالَ: فَهَل سَمِعَ أَحَدٌ مِنكُم؟ فَقُلنا: نَعَم، كُلُّنا سَمِعَهُ، فَأَرسَلوا مَعَهُ رَجُلًا مِنهُم حَتّى أَتى عُمَرَ فَأَخبَرَهُ.
❁ وَعُمَرُ نَفسُهُ حَدَّثَ مَرَّةً فَقالَ: لَولا مَخافَةُ أَن أَزيدَ أَو أَنقُصَ لَحَدَّثتُكُم بِحَديثِ الأَعرابِيِّ حِينَ أَتى رَسولَ اللهِ ﷺ بِالأَرنَبِ، وَلٰكِن أَرسِلوا إِلى عَمّارٍ. فَأَرسَلوا إِلَيهِ، فَجاءَهُ، فَقالَ: أَشاهِدٌ أَنتَ رَسولَ اللهِ ﷺ وَقَد أَتاهُ أَعرابِيٌّ بِالأَرنَبِ؟ فَقالَ: رَأَيتُها تَدمَى. فَقالَ: نَعَم.
❁ وَإِنَّما المُرادُ مِن إِيرادِ هٰذِهِ الأَخبارِ أَنَّهُ إِذا كانَ مِن شَأنِهِم أَن يُؤَيِّدوا حَديثَ أَحَدِهِم بِرِوايَةِ الآخَرِ، فَالتَّصَوُّرُ بَعدَ ذٰلِكَ لِتَحريفِ الأَحاديثِ مُجرَّدُ وَهمٍ؛ فَلَو كانَ دَبَّ الشَّكُّ ـ عَلى سَبيلِ الاِفتِراضِ ـ فِي رِوايَةِ شَخصٍ واحِدٍ، فَإِنَّهُ لَا يُلتَفَتُ إِلى مِثلِ هٰذا الشَّكِّ إِذا كانَ هُناكَ اثنانِ.
❁ وَبِهٰذا يَتَبَيَّنُ أَنَّ نَقلَ السُّنَّةِ فِي جِيلِ الصَّحابَةِ لَم يَكُن رِوايَةً مُرسَلَةً يَتَساهَلُ أَصحابُها فِي أَلفاظِها، بَل كانَ أَمانَةً عَظيمَةً يَجتَمِعُ فِيها الحِفظُ، وَالتَّثَبُّتُ، وَالوَرَعُ، وَالخَوفُ مِنَ الخَطَإِ، حَتَّى إِنَّ بَعضَهُم كانَ يَترُكُ رِوايَةَ ما يَحفَظُهُ إِذا خَشِيَ أَدنى وَهمٍ فِيهِ، وَيَرُدُّ التَّغييرَ فِي تَرتيبِ الأَلفاظِ، مَعَ عَدَمِ تَغَيُّرِ المَعنى. فَأَيُّ عِنايَةٍ بِالحَديثِ أَبلَغُ مِن هٰذِهِ العِنايَةِ، وَأَيُّ احتِياطٍ فِي الرِّوايَةِ أَشَدُّ مِن هٰذا الاحتِياطِ؟
❁ وَبَعدَ هٰذِهِ الأَخبارِ وَالوَقائِعِ المُتَضافِرَةِ الَّتِي رُوِيَت عَن أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ، لَا مَناصَ لِمُنصِفٍ مِنَ القَولِ: إِنَّ جَماعَةً بَلَغَت فِي الحِيطَةِ وَالتَّوَقِّي وَالتَّحَرِّي هٰذا المَبلَغَ، وَكانَ أَفرادُها يَترُكُونَ رِوايَةَ ما سَمِعُوهُ إِذا عَرَضَ لَهُم أَدنى شَكٍّ، وَيُقِلُّونَ التَّحديثَ خَشيَةَ الوَهمِ، وَيُراجِعُونَ أَلفاظَ الحَديثِ قَبلَ أَدائِهِ؛ لَا يُتَصَوَّرُ مِنها أَن تَنسبَ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ ما فِيهِ أَدنى رِيبَةٍ أَو تَرَدُّدٍ، فَضلًا عَن أَن تَتَعَمَّدَ الكَذِبَ عَلَيهِ.
❁ بَل إِنَّ هٰذِهِ الدَّرَجَةَ مِنَ الوَرَعِ وَالحَذَرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحابَةَ، رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم، كانُوا يَعُدُّونَ الخَطَأَ غَيرَ المَقصودِ فِي الحَديثِ أَمرًا عَظيمًا يَجِبُ اجتِنابُهُ، فَكَيفَ يُظَنُّ بِهِم أَن يَتَعَمَّدُوا اختِلاقَ شَيءٍ أَو نِسبَتَهُ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ؟ إِنَّ مَن يَعرِفُ سِيَرَهُم، وَيَقفُ عَلَى شِدَّةِ وَرَعِهِم وَخَوفِهِم مِنَ اللهِ تَعَالَى، يَعلَمُ أَنَّ مِثلَ هٰذا الِاحتمالِ لَا يَقومُ عَلَيهِ دَليلٌ، بَل تُبطِلُهُ أَحوالُهُم وَمَناهِجُهُم فِي الرِّوايَةِ.
❁ وَإِذَا بَلَغَ بِهِمُ التَّوَقِّي وَالِاحتِياطُ هٰذا المَبلَغَ، مَعَ مَسِيسِ الحاجَةِ إِلَى نَقلِ الحَديثِ وَتَبليغِهِ، كانَ لِزامًا عَلَيهِم أَن يَبلُغُوا الغايَةَ فِي حِفظِهِ وَضَبطِهِ وَصِيانَتِهِ؛ لِأَنَّ مَن يَخشى الزِّيادَةَ وَالنُّقصانَ لَا بُدَّ أَن يُكثِرَ مِنَ المُراجَعَةِ وَالمُذاكَرَةِ، وَأَن يَحتاطَ فِي السَّماعِ وَالأَداءِ، وَأَن يَترُكَ ما لَم يَطمَئِنَّ إِلَى ثُبوتِهِ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ يَبعُدُ جِدًّا أَن يَطرَأَ عَلَى الأَحاديثِ خَلَلٌ واسِعٌ بِسَبَبِ السَّهوِ أَوِ النِّسيانِ، وَلَا سِيَّما أَنَّهُ قَد ثَبَتَ تارِيخِيًّا أَنَّ الصَّحابَةَ، مُنذُ بِدايَةِ الأَمرِ، لَم يَكتَفُوا بِمُجَرَّدِ سَماعِ الرِّوايَةِ مِن فَردٍ واحِدٍ فِي كُلِّ حالٍ، بَل كانُوا إِذا حَدَّثَ أَحَدٌ مِنهُم بِحَديثٍ طَلَبُوا مِنهُ ـ عِندَ الحاجَةِ ـ ما يُؤَيِّدُ رِوايَتَهُ وَيَشهَدُ لَها؛ زِيادَةً فِي التَّثَبُّتِ، وَمَزيدًا مِنَ الِاطمِئنانِ، وَاحتِياطًا فِي أَمرٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ وَالتَّشريعِ.
❁ وَلَم يَكُن طَلَبُ الشّاهِدِ أَوِ المُؤَيِّدِ مِنهُم اتِّهامًا لِلرّاوي بِالكَذِبِ، بَل كانَ ضَربًا مِنَ الاحتِياطِ العِلمِيِّ، وَتَأكيدًا لِما استَقَرَّ فِي نُفوسِهِم مِن عِظَمِ أَمانَةِ الحَديثِ. فَإِذا انضَمَّ إِلَى قُوَّةِ الحِفظِ شِدَّةُ الوَرَعِ، وَإِلَى دِقَّةِ الأَداءِ المُراجَعَةُ وَالتَّعاضُدُ وَطَلَبُ التَّأَييدِ، تَبَيَّنَ أَنَّ نَقلَ السُّنَّةِ فِي جِيلِ الصَّحابَةِ أُحيطَ بِمِنظومَةٍ مُحكَمَةٍ مِنَ الحِفظِ وَالتَّثَبُّتِ وَالنَّقدِ، تَجعَلُ اِحتمالَ الخَطَإِ أَضيَقَ ما يَكونُ، وَتَكشِفُهُ إِذا وَقَعَ مِن آحادِ الرُّواةِ.
❁ وَبِذٰلِكَ يَظهَرُ أَنَّ احتِياطَ الصَّحابَةِ لَم يَكُن مَوقِفًا سَلبِيًّا يَقتَصِرُ عَلَى قِلَّةِ الرِّوايَةِ، بَل كانَ مَنهَجًا مُتكامِلًا يَجمَعُ بَينَ قُوَّةِ الحِفظِ، وَدَوامِ المُراجَعَةِ، وَشِدَّةِ الوَرَعِ، وَالتَّثَبُّتِ مِنَ النّاقِلِ، وَطَلَبِ ما يُؤَيِّدُ المَروِيَّ عِندَ الحاجَةِ. وَهٰذِهِ كُلُّها أَسبابٌ مُتَضافِرَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ لَم تُنقَل عَن تَساهُلٍ وَإِهمالٍ، بَل حُمِلَت بِغايَةِ الأَمانَةِ وَالتَّحَرِّي وَالإِتقانِ.
❁ وَإِنَّهُ لَيُقالُ بِجُرأَةِ الحَقِّ وَوُضوحِ البُرهانِ: إِنَّ مَن يَستَمِرُّ فِي الشَّكِّ بَعدَ هٰذِهِ الدَّلائِلِ المُتَضافِرَةِ، وَالشَّواهِدِ التّارِيخِيَّةِ المُتَكاثِرَةِ، وَالمَناهِجِ الدَّقيقَةِ الَّتِي سَلَكَها نَقَلَةُ الحَديثِ فِي الحِفظِ وَالضَّبطِ وَالتَّثَبُّتِ؛ فَإِنَّهُ يَكونُ بَعيدًا عَنِ الفَهمِ الصَّحيحِ لِدَلالاتِ القُرآنِ الكَريمِ وَمَقاصِدِهِ، وَعَنِ الإِنصافِ فِي النَّظَرِ وَالحُكمِ. ذٰلِكَ أَنَّ القُرآنَ الكَريمَ لَم يَجعَل مُجَرَّدَ اِحتمالِ السَّهوِ أَوِ النِّسيانِ سَبَبًا لِإِسقاطِ الشَّهادَةِ وَرَدِّها، بَل شَرَعَ مِنَ الوَسائِلِ ما يَجبُرُ هٰذَا الِاحتمالَ، وَيَدفَعُ أَثَرَهُ، وَيُورِثُ الطُّمَأنينَةَ إِلَى صِحَّةِ المَشهودِ بِهِ.
❁ فَلَمَّا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى فِي آيَةِ الدَّينِ بِاِستِشهادِ رَجُلٍ وَامرَأَتَينِ عِندَ عَدَمِ وُجودِ رَجُلَينِ، بَيَّنَ الحِكمَةَ مِن ذٰلِكَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحدَاهُمَا الأُخرَى﴾. فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ اِحتمالَ السَّهوِ أَوِ النِّسيانِ لَا يَستلزِمُ إِهدارَ الشَّهادَةِ مِن أَصلِها، ما دامَ قَد وُجِدَ ما يَستَدرِكُ ذٰلِكَ، وَيَضبِطُهُ، وَيُعيدُهُ إِلَى وَجهِهِ الصَّحيحِ؛ وَهُوَ التَّذكيرُ وَالتَّعاضُدُ وَتَسانُدُ الشَّهاداتِ.
❁ فَإِذا كانَ القُرآنُ الكَريمُ قَدِ اعتَبَرَ التَّذكيرَ سَبَبًا كافِيًا فِي دَفعِ أَثَرِ السَّهوِ المُحتَمَلِ، وَلَم يَجعَل هٰذَا الِاحتمالَ مُفسِدًا لِلشَّهادَةِ وَلَا مُبطِلًا لَها؛ فَكَيفَ يَسُوغُ لِمُنصِفٍ أَن يَجعَلَ مُجَرَّدَ اِحتمالِ السَّهوِ مَثارًا لِلتَّشكيكِ فِي نَقلِ الحَديثِ النَّبَوِيِّ، مَعَ أَنَّ رُواتَهُ لَم يَعتَمِدوا عَلَى حافِظَةِ فَردٍ واحِدٍ، وَلَا عَلَى طَريقٍ واحِدٍ، وَلَا عَلَى مَجلِسٍ مُنفَرِدٍ؛ بَل تَضافَرَت رِواياتُهُم، وَتَعَدَّدَت طُرُقُهُم، وَقُوبِلَ حِفظُ بَعضِهِم بِحِفظِ بَعضٍ، وَعُورِضَتِ المَحفوظاتُ بِالمَكتوباتِ، وَرُوجِعَتِ الأَلفاظُ، وَمُحِّصَتِ الأَسانيدُ، وَكُشِفَتِ الأَوهامُ، وَبُيِّنَتِ الأَخطَاءُ، وَمُيِّزَ الثِّقَةُ مِنَ الضَّعيفِ، وَالمُتقِنُ مِن سَيِّئِ الحِفظِ؟
❁ وَإِذا كانَ تَذكيرُ إِحدَى المَرأَتَينِ لِلأُخرَى يَدفَعُ أَثَرَ النِّسيانِ المُحتَمَلِ فِي مَقامِ الشَّهادَةِ، فَمِن بابٍ أَولى أَن يَندَفِعَ هٰذَا الِاحتمالُ عَن رِوايَةِ أَئِمَّةٍ تَوافَرُوا عَلَى الحِفظِ وَالمُدارَسَةِ وَالمُذاكَرَةِ وَالمُقابَلَةِ وَالمُعارَضَةِ، وَعُرِفُوا بِسَعَةِ الحِفظِ، وَرُسوخِ الضَّبطِ، وَشِدَّةِ التَّثَبُّتِ، وَدِقَّةِ الأَداءِ، وَالوَرَعِ عَنِ الزِّيادَةِ وَالنُّقصانِ. بَل كانَ أَحَدُهُم يَرحَلُ الأَيامَ وَاللَّيالِيَ لِيَسمَعَ حَديثًا واحِدًا مِن مَصدَرِهِ، وَيَختَبِرُ حِفظَ الرَّاوِي، وَيُقارِنَ رِوايَتَهُ بِرِوايَةِ غَيرِهِ، فَإِذا ظَهَرَ لَهُ خَلَلٌ بَيَّنَهُ، وَإِذا وَجَدَ وَهمًا نَبَّهَ عَلَيهِ، دُونَ مُجامَلَةٍ وَلَا مُحاباةٍ.
❁ وَبِناءً عَلَى ذٰلِكَ، فَإِنَّ الِاحتِجاجَ بِإِمكانِ السَّهوِ وَالنِّسيانِ لِرَدِّ السُّنَّةِ أَوِ التَّشكيكِ فِيها اِحتِجاجٌ فاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَبنِي الحُكمَ عَلَى مُجَرَّدِ الِاحتمالِ العَقليِّ، وَيَتَجاهَلُ الوَقائِعَ الثّابِتَةَ وَالإِجراءاتِ العِلمِيَّةَ الَّتِي وُضِعَت لِدَفعِ هٰذَا الِاحتمالِ. وَلَو فُتِحَ هٰذا البابُ، لَم تَثبُت شَهادَةٌ، وَلَا خَبَرٌ، وَلَا وَثيقَةٌ، وَلَا حادثَةٌ تَارِيخِيَّةٌ؛ إِذ لَا يَسلَمُ بَشَرٌ مِن إِمكانِ السَّهوِ فِي أَصلِ خِلقَتِهِ، وَإِنَّما العِبرَةُ بِما يُحيطُ النَّقلَ مِن قَرائِنِ الضَّبطِ، وَوَسائِلِ التَّثَبُّتِ، وَأَسبابِ الِاطمِئنانِ.
❁ فَالمُنكِرُ لِثُبوتِ الحَديثِ بِمُجَرَّدِ اِحتمالِ السَّهوِ لَا يَعمَلُ بِمُقتَضَى العَقلِ وَالإِنصافِ، وَلَا بِدَلالَةِ القُرآنِ؛ لِأَنَّ القُرآنَ نَفسَهُ قَد أَقَرَّ أَصلَ الشَّهادَةِ مَعَ اِحتمالِ النِّسيانِ، وَشَرَعَ التَّذكيرَ وَالتَّعاضُدَ عِلاجًا لَهُ. فَكَيفَ يُقبَلُ بَعدَ ذٰلِكَ أَن تُرَدَّ رِوايَةُ أَئِمَّةٍ جَمَعُوا بَينَ قُوَّةِ الحِفظِ، وَتَعَدُّدِ الطُّرُقِ، وَكَثرَةِ المُراجَعَةِ، وَالمُقابَلَةِ، وَالكِتابَةِ، وَالنَّقدِ الدَّقيقِ، وَالتَّحَرِّي الشَّديدِ؟ إِنَّ هٰذَا لَتَناقُضٌ ظاهِرٌ، وَمُجانَبَةٌ لِمَنهَجِ العِلمِ، وَبُعدٌ عَنِ العَدلِ فِي الحُكمِ.
❁ بَل إِنَّ الآيَةَ نَفسَها دَلَّت عَلَى أَنَّ شَهادَةَ رَجُلٍ واحِدٍ تُقابِلُ، فِي هٰذَا المَقامِ الخَاصِّ، شَهادَةَ امرَأَتَينِ تَتَعاضَدانِ وَتُذَكِّرُ إِحداهُما الأُخرَى؛ فَإِذا كانَ خَبَرُ الرَّجُلِ الواحِدِ مُعتَبَرًا فِي مَقامِ الشَّهادَةِ، فَكَيفَ يُرَدُّ خَبَرُ أَئِمَّةِ الحَديثِ بِمُجَرَّدِ اِحتمالِ السَّهوِ، مَعَ ما عُرِفُوا بِهِ مِن قُوَّةِ الحِفظِ وَشِدَّةِ التَّثَبُّتِ وَتَعَدُّدِ وُجوهِ المُراجَعَةِ وَالمُقابَلَةِ؟
*❖ خَاتِمَةٌ*
❁ وَالخُلاصَةُ أَنَّ شُبهَةَ مَن قالَ: إِنَّ الحَديثَ إِنَّما اِعتَمَدَ قَرنَينِ عَلى الرِّوايَةِ فَقَط، فَدَخَلَهُ التَّصحيفُ وَالتَّحريفُ، شُبهَةٌ فاسِدَةٌ مِن أَصلِها؛ لِأَنَّها مَبنيَّةٌ عَلى دَعوى باطِلَةٍ، وَهِيَ عَدَمُ التَّقييدِ وَالكِتابَةِ فِي العُصورِ الأُولى، وَقَد ثَبَتَ بُطلانُها. ثُمَّ إِنَّهُ حَتّى مَعَ التَّنَزُّلِ الجَدَلِيِّ، فَإِنَّ العِنايَةَ البالِغَةَ بِحِفظِ الحَديثِ، وَالمُدارَسَةَ لَهُ، وَالمُذاكَرَةَ بِهِ، وَشِدَّةَ الاِحتِياطِ فِي رِوايَتِهِ، وَقُوَّةَ ذاكِرَةِ حَمَلَتِهِ، وَتَعاوُنَهُم عَلى المُراجَعَةِ وَالتَّثَبُّتِ، كُلُّ ذٰلِكَ يُبطِلُ هٰذَا التَّوَهُّمَ وَيَقطَعُ سَبيلَهُ.
❁ وَإِنَّ مَن يَزعُمُ بَعدَ هٰذَا كُلِّهِ أَنَّ الحَديثَ تَعَرَّضَ لِلتَّصحيفِ وَالتَّحريفِ لِمُجرَّدِ اِعتمادِهِ عَلى الرِّوايَةِ، فَلَيسَ ذٰلِكَ إِلَّا اِنتِهاكًا لِلإِنصافِ وَالعَدلِ، أَو إِعراضًا عَنِ الحَقائِقِ التّاريخِيَّةِ، أَو تَوَهُّمًا مَحضًا لا يَقومُ عَلى بُرهانٍ. وَاللهُ تَعالى أَعلَمُ.
وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
________________________________________
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
________________________________________
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي:
00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
________________________________________
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
________________________________________.
|
|