*كِتابَةُ الحَديثِ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ وَعَصرِ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعينَ وَتابِعِيهِم: رَدٌّ جامِعٌ عَلَى شُبهَةِ تَأَخُّرِ التَّدوينِ*
*❖ مُقَدِّمَةٌ*
❁ الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعينَ. أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ فِتنَةَ إِنكارِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَرَدِّ الحَديثِ الشَّريفِ مِن أَخطَرِ الفِتَنِ الَّتِي ظَهَرَت فِي العُصورِ المُتَأَخِّرَةِ، وَقَد أَثارَ بَعضُ المُلحِدينَ جُذورَها، ثُمَّ تَلَقَّفَتها طائِفَةٌ عُرِفَت بِاسمِ «القُرآنيِّينَ»، فَتَوَلَّت نَشرَها وَالدِّفاعَ عَنها، وَأَظهَرَت لِلنّاسِ مَقولاتِها الباطِلَةَ وَشُبُهاتِها المُضَلِّلَةَ، مُتَسَتِّرَةً بِدَعوى الِاكتِفاءِ بِالقُرآنِ الكَريمِ، مَعَ أَنَّ القُرآنَ نَفسَهُ قَد أَوجَبَ طاعَةَ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَاتِّباعَ سُنَّتِهِ، وَالرُّجوعَ إِلَى بَيانِهِ.
❁ وَقَد غَلَبَ عَلَى خِطابِ هٰذِهِ الطّائِفَةِ مَنهَجٌ يَطعَنُ فِي مَصادِرِ التَّشريعِ، وَيَهدِمُ حُجِّيَّةَ السُّنَّةِ، وَيَفتَحُ البابَ أَمامَ التَّلاعُبِ بِمَعانِي القُرآنِ وَأَحكامِهِ؛ وَلِهٰذا نُسِبَت إِلَيها فِتنَةُ إِنكارِ الحَديثِ، وَصارت مِن أَبرَزِ الجِهاتِ الَّتِي تَحمِلُ هٰذِهِ الفِكرَةَ، وَتُرَوِّجُ لَها، وَتُنافِحُ عَنها.
❁ وَعَلَى كُلِّ حالٍ، فَإِنَّ الدّافِعَ الكامِنَ وَراءَ هٰذِهِ الفِتنَةِ ـ عِندَ كَثيرٍ مِن دُعاتِها ـ هُوَ التَّخَلُّصُ مِن سُلطانِ السُّنَّةِ وَأَحكامِها، وَفَتحُ البابِ أَمامَ التَّحَلُّلِ مِن تَكاليفِ الشَّرعِ وَقُيودِهِ. غَيرَ أَنَّ هٰؤُلاءِ لَا يُصرِّحونَ غالبًا بِمَقاصِدِهِم الحَقيقِيَّةِ، بَل يُسدِلونَ عَلَيها سِتارًا مِنَ البَحثِ وَالتَّحقيقِ، وَيُقدِّمونَ شُبُهاتِهِم فِي صُورَةِ أَسئِلَةٍ عِلمِيَّةٍ وَاعتِراضاتٍ تارِيخِيَّةٍ.
❁ وَمِن أَشهَرِ شُبُهاتِهِم قَولُهُم: إِنَّ الحَديثَ النَّبَوِيَّ لَم يُقَيَّد كِتابَةً، وَلَم يُدَوَّن تَدوينًا مُعتَبَرًا، إِلَّا بَعدَ مُضِيِّ قَرنَينِ عَلَى وَفاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ. وَيُريدونَ مِن وراءِ هٰذِهِ الدَّعوى أَن يُلقُوا فِي نُفوسِ النّاسِ أَنَّ الحَديثَ، ما دامَ لَم يُدَوَّن ـ عَلَى زَعمِهِم ـ إِلَّا بَعدَ مُدَّةٍ طَويلَةٍ، وَكانَ الِاعتِمادُ خِلالَها عَلَى الحِفظِ وَالمُشافَهَةِ وَالرِّوايَةِ، فَإِنَّهُ يُحتَمَلُ أَن يَكونَ قَد دَخَلَهُ الخَلَلُ، أَو وَقَعَ فِي أَلفاظِهِ وَمَعانِيهِ تَغييرٌ وَتَحريفٌ، بِسَبَبِ ضَعفِ الذّاكِرَةِ، وَتَطاوُلِ الزَّمَنِ، وَكَثرَةِ النّاقِلينَ. ثُمَّ يَبنُونَ عَلَى ذٰلِكَ سُؤالَهُم: كَيفَ يُعتَمَدُ عَلَى الحَديثِ بَعدَ ذٰلِكَ، وَكَيفَ يُوثَقُ بِهِ فِي الدِّينِ وَالتَّشريعِ؟
❁ وَهٰذِهِ الشُّبهَةُ ـ عَلَى ما فِيها مِن تَهافُتٍ وَخَطَإٍ تارِيخِيٍّ وَمَنهَجِيٍّ ـ لَا تَلزَمُ عَنها، فِي حَدِّها الأَدنى، دَعوى إِنكارِ السُّنَّةِ كُلِّها؛ لِأَنَّ غايَةَ ما قَد يَدَّعِيهِ صاحِبُها هُوَ وُجودُ اِحتمالٍ فِي ضَبطِ بَعضِ المَروِيّاتِ. غَيرَ أَنَّ بَعضَ دُعاةِ هٰذا الفِكرِ جاوَزُوا هٰذا الحَدَّ، وَأَطلَقُوا دَعاوَى أَشدَّ بُطلانًا وَفُجورًا، فَزَعَمُوا أَنَّ المُسلِمينَ لَم يَكونوا عَلَى عِلمٍ بِالحَديثِ قَبلَ عَهدِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ، وَأَنَّ مَعرِفَةَ السُّنَّةِ وَرِوايَتَها لَم تَظهَر إِلَّا فِي ذٰلِكَ العَصرِ.
❁ وَمُؤَدَّى هٰذا الزَّعمِ أَنَّ أَصحابَ النَّبِيِّ ﷺ لَم يَنقُلوا إِلَى التَّابِعِينَ شَيئًا مِن أَقوالِهِ وَأَفعالِهِ وَتَقريراتِهِ، وَأَنَّ الأَحاديثَ إِنَّما ظَهَرَت بَعدَ ذٰلِكَ مُفتَعَلَةً أَو مُختَلَقَةً فِي عَهدِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ. وَهٰذا مِن أَفسَدِ الباطِلِ، وَأَشنَعِ الِافتِراءِ عَلَى التّارِيخِ وَالحَقائِقِ المَعلُومَةِ، بَل هُوَ مُصادَمَةٌ صَريحَةٌ لِما تَواتَرَ مِن رِوايَةِ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمِن وُجودِ الصُّحُفِ وَالكُتُبِ وَالمَجالِسِ العِلمِيَّةِ قَبلَ عَهدِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ بِزَمَنٍ طَويلٍ.
❁ وَلِذٰلِكَ كانَ مِنَ الواجِبِ التَّصَدِّي لِهٰذا الفِكرِ الفاسِدِ بِالبَيانِ وَالتَّفصيلِ، وَمُناقَشَتُهُ بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ قائِمٍ عَلَى الدَّليلِ وَالتَّوثيقِ وَالبُرهانِ، بَعِيدٍ عَنِ الشِّعارِ وَالدَّعوى المُجرَّدَةِ؛ حَتَّى تَتَبَيَّنَ الحَقيقَةُ، وَتَسقُطَ الشُّبهَةُ مِن أَصلِها، وَلَا يَبقَى لِمُنصِفٍ سَبيلٌ إِلَى رَدِّ الدَّليلِ إِلَّا بِالمُكابَرَةِ وَالإِعراضِ عَنِ الحَقِّ.
❁ وَتَرتَكِزُ هٰذِهِ الشُّبهَةُ عَلَى دَعويَينِ رَئيسَتَينِ:
أُولاهُما: أَنَّ الحَديثَ النَّبَوِيَّ لَم يُكتَب، وَلَم يُدَوَّن، إِلَّا بَعدَ مُضِيِّ قَرنَينِ عَلَى وَفاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ.
وَثانِيَتُهُما: أَنَّ الِاعتِمادَ خِلالَ هٰذِهِ المُدَّةِ كانَ عَلَى الحِفظِ وَالرِّوايَةِ الشَّفَهِيَّةِ وَحدَهُما، وَأَنَّ مُجَرَّدَ ذٰلِكَ كافٍ فِي إِسقاطِ الثِّقَةِ بِالسُّنَّةِ وَرَدِّ حُجِّيَّتِها.
❁ وَإِذا أَخَذنا فِي تَحليلِ الدَّعوى الأُولى، وَوَقَفنا عَلَى حَقيقَتِها مِن خِلالِ كُتُبِ التّارِيخِ وَالسِّيَرِ وَالتَّراجِمِ وَالحَديثِ، تَبَيَّنَ لَنا أَنَّها دَعوى ساقِطَةٌ مِن أَصلِها؛ لِأَنَّ الأَدلَّةَ التّارِيخِيَّةَ الثّابِتَةَ تُثبِتُ أَنَّ كِتابَةَ الحَديثِ وَتَقييدَهُ قَد بَدَأَتا فِي حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ نَفسِها، ثُمَّ استَمَرَّتا فِي عَهدِ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَتَتابَعَتا جِيلًا بَعدَ جِيلٍ، حَتَّى بَلَغَ التَّدوينُ مَراحِلَهُ الواسِعَةَ وَالمُنَظَّمَةَ فِي العُصورِ اللاحِقَةِ.
❁ فَالخَلَلُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ أَصحابُ هٰذِهِ الشُّبهَةِ أَنَّهُم خَلَطُوا بَينَ بِدايَةِ كِتابَةِ الحَديثِ، وَبَينَ مَرحَلَةِ جَمعِهِ فِي مُصَنَّفاتٍ جامِعَةٍ وَمُرَتَّبَةٍ عَلَى الأَبوابِ؛ فَجَعَلُوا تَأَخُّرَ بَعضِ أَنواعِ التَّصنيفِ دَليلًا عَلَى عَدَمِ وُجودِ الكِتابَةِ قَبلَها، وَهُوَ خَلطٌ ظاهِرٌ بَينَ أَمرَينِ مُختَلِفَينِ: كِتابَةِ الحَديثِ وَتَقييدِهِ مُنذُ العَصرِ النَّبَوِيِّ، وَجَمعِهِ فِي كُتُبٍ كُبرى مُبَوَّبَةٍ وَمُصَنَّفَةٍ فِي العُصورِ اللاحِقَةِ.
*❖ أَوَّلًا: كِتابَةُ الحَديثِ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ*
❁ إِذا نَظَرنا فِي أَخبارِ العَصرِ النَّبَوِيِّ وَتَتَبَّعنا النُّصوصَ الوارِدَةَ فِيهِ، وَجَدنا دَلائِلَ صَريحَةً تَقطَعُ بِأَنَّ كِتابَةَ الحَديثِ لَم تَكُن أَمرًا مُستَنكَرًا، وَلَا عَمَلًا طارِئًا ظَهَرَ بَعدَ زَمَنِ الرِّسالَةِ؛ بَل وَقَعَت فِي حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِإِذنِهِ، وَفِي بَعضِ الأَحوالِ بِأَمرِهِ وَحَثِّهِ. وَقَد حَفِظَت لَنا كُتُبُ السُّنَّةِ وَالآثارِ جُملَةً مِنَ الأَخبارِ الجَلِيَّةِ الَّتِي تُثبِتُ ذٰلِكَ إِثباتًا لَا يَبقَى مَعَهُ مَجالٌ لِدَعوى أَنَّ الحَديثَ ظَلَّ قُرونًا لَا يُكتَبُ وَلَا يُقَيَّدُ.
❁ فَمِن أَظهَرِ ما وَرَدَ فِي هٰذا البابِ ما رَواهُ الإِمامُ البُخارِيُّ فِي «صَحيحِهِ» عَن أَبِي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قالَ: «ما مِن أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكثَرَ حَديثًا عَنهُ مِنِّي إِلَّا ما كانَ مِن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو، فَإِنَّهُ كانَ يَكتُبُ وَلَا أَكتُبُ». وَهٰذِهِ الرِّوايَةُ نَصٌّ بَيِّنٌ فِي أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عَمرو بنِ العاصِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، كانَ يَكتُبُ الحَديثَ فِي حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّ هٰذِهِ الكِتابَةَ كانَت مَعلُومَةً لِأَصحابِهِ، حَتَّى إِنَّ أَبا هُرَيرَةَ، مَعَ سَعَةِ مَحفوظِهِ وَكَثرَةِ رِوايَتِهِ، استَثناهُ لِما كانَ يَمتازُ بِهِ مِن جَمعِ الحِفظِ وَالكِتابَةِ.
❁ وَزَادَت رِوايَةٌ أُخرى هٰذا المَعنى وُضوحًا، فَقَد رُوِيَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قالَ: «ما كانَ أَحَدٌ أَعلَمَ بِحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنِّي إِلَّا ما كانَ مِن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو، فَإِنَّهُ كانَ يَكتُبُ بِيَدِهِ، وَيَعِيهِ قَلبُهُ، وَكُنتُ أَعِيهِ بِقَلبِي وَلَا أَكتُبُ بِيَدِي، وَاستَأذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الكِتابَةِ عَنهُ فَأَذِنَ لَهُ» [مُسنَدُ الإِمامِ أَحمَدَ، وَشَرحُ مَعانِي الآثارِ لِلطَّحاوِيِّ، وَمَجمَعُ الزَّوائِدِ]. فَهٰذا النَّصُّ لَا يَكتَفِي بِإِثباتِ وُقوعِ الكِتابَةِ، بَل يُصَرِّحُ بِأَنَّها وَقَعَت بَعدَ استِئذانِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِإِذنٍ صَريحٍ مِنهُ؛ فَيَبطُلُ بِذٰلِكَ زَعمُ مَن يَدَّعِي أَنَّ كِتابَةَ الحَديثِ لَم تَكُن مَشروعَةً، أَو أَنَّها لَم تَحدُث فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ.
❁ وَمِمَّا يَزيدُ الأَمرَ جَلاءً ما رُوِيَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّهُ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «قَيِّدُوا العِلمَ». قُلتُ: وَما تَقييدُهُ؟ قالَ: «الكِتابَةُ» [مَجمَعُ الزَّوائِدِ: ١/١٥٢]. وَفِي هٰذا النَّصِّ جَعلٌ صَريحٌ لِلكِتابَةِ وَسيلَةً لِضَبطِ العِلمِ وَصِيانَتِهِ مِنَ الضَّياعِ، وَدَفعٌ لِما قَد يَعرِضُ لِلذَّاكِرَةِ مِن سَهوٍ أَو نِسيانٍ. فَالكِتابَةُ هُنا لَيسَت عَمَلًا ثانَوِيًّا، بَل أَداةٌ مِن أَدَواتِ الحِفظِ وَالتَّوثيقِ.
❁ وَرُوِيَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَيضًا أَنَّهُ قالَ: «كُنتُ أَكتُبُ كُلَّ شَيءٍ أَسمَعُهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ أُريدُ حِفظَهُ، فَنَهَتنِي قُرَيشٌ، وَقالوا: أَتَكتُبُ كُلَّ شَيءٍ تَسمَعُهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ، وَرَسولُ اللهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضا؟ فَأَمسَكتُ عَنِ الكِتابَةِ، فَذَكَرتُ ذٰلِكَ لِرَسولِ اللهِ ﷺ، فَأَومَأَ بِإِصبَعِهِ إِلَى فِيهِ، وَقالَ: اكتُب، فَوَالَّذي نَفسِي بِيَدِهِ ما يَخرُجُ مِنهُ إِلَّا حَقٌّ» [سُنَنُ أَبِي داوُدَ، وَسُنَنُ الدّارِمِيِّ].
❁ وَهٰذا مِن أَقوَى الأَدِلَّةِ فِي هٰذا البابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُثبِتُ مُجَرَّدَ جَوازِ الكِتابَةِ فَحَسبُ، بَل يَنقُلُ إِذنًا نَبَوِيًّا مُباشِرًا بِالكِتابَةِ، بَعدَ أَن عَرَضَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرو عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ما أَثارَتهُ قُرَيشٌ مِن شُبهَةٍ. فَأَزالَ النَّبِيُّ ﷺ الإِشكالَ، وَأَمَرَهُ أَن يَكتُبَ، وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ما يَخرُجُ مِنهُ فِي مَقامِ التَّبليغِ عَنِ اللهِ وَبَيانِ الدِّينِ حَقٌّ. وَبِذٰلِكَ اجتَمَعَ فِي هٰذا الخَبَرِ إِثباتُ الكِتابَةِ، وَإِقرارُها، وَالأَمرُ بِها، وَبَيانُ سَبَبِ الثِّقَةِ بِما يُكتَبُ عَنهُ ﷺ.
❁ وَقَد أَثمَرَت هٰذِهِ الكِتابَةُ صَحيفَةً جامِعَةً لِحَديثِ النَّبِيِّ ﷺ، عُرِفَت بِاسمِ «الصّادِقَةِ». وَكانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرو، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، شَديدَ التَّعَلُّقِ بِها، عَظيمَ العِنايَةِ بِحِفظِها، حَتَّى نُقِلَ عَنهُ أَنَّهُ قالَ: «ما يُرَغِّبُنِي فِي الحَياةِ إِلَّا الصّادِقَةُ»، ثُمَّ بَيَّنَها فَقالَ: «فَأَمَّا الصّادِقَةُ فَصَحيفَةٌ كَتَبتُها عَن رَسولِ اللهِ ﷺ» [سُنَنُ الدّارِمِيِّ]. وَتَسمِيَتُها بِـ«الصّادِقَةِ» تُناسِبُ مَصدَرَها؛ لِأَنَّها كُتِبَت عَن رَسولِ اللهِ ﷺ مُباشَرَةً، وَبِإِذنِهِ.
❁ وَلَيسَ بَينَ أَيدينا نَصٌّ قاطِعٌ يُحَدِّدُ عَدَدَ ما اشتَمَلَت عَلَيهِ هٰذِهِ الصَّحيفَةُ مِنَ الأَحاديثِ، وَلٰكِنَّ الثّابِتَ أَنَّها كانَت ذاتَ مَادَّةٍ عِلمِيَّةٍ مُعتَبَرَةٍ، وَأَنَّ صاحِبَها كانَ مِن أَكثَرِ الصَّحابَةِ كِتابَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَد نُقِلَ عَنهُ أَنَّهُ حَفِظَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ أَلفَ مَثَلٍ [عُمدَةُ القارِي]، وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ ما تَلَقَّاهُ وَدَوَّنَهُ وَوَعاهُ.
❁ وَلَم تَنقَطِع فَائِدَةُ هٰذِهِ الصَّحيفَةِ بِوَفاةِ صاحِبِها، بَل انتَقَلَت كُتُبُ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو إِلَى حَفيدِهِ شُعَيبٍ، فَكانَ يَروِي مِمَّا وَرِثَهُ مِنها، ثُمَّ رَوى عَنهُ ابنُهُ عَمرو بنُ شُعَيبٍ. وَمِن هُنا جاءَت السِّلسِلَةُ المَشهورَةُ: عَمرو بنُ شُعَيبٍ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ.
❁ وَقَد قالَ يَحيى بنُ مَعينٍ: «إِذا حَدَّثَ عَمرو بنُ شُعَيبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ فَهُوَ كِتابٌ». وَالمُرادُ أَنَّ أَصلَ هٰذِهِ الرِّوايَةِ كانَ مَكتوبًا مَحفوظًا فِي كُتُبِ الأُسرَةِ، لَا مُجَرَّدَ نَقلٍ شَفَهِيٍّ مُرسَلٍ. وَقَد نَقَلَ أَئِمَّةُ الحَديثِ فِي «تَهذيبِ التَّهذيبِ» وَغَيرِهِ نُصوصًا تُؤَيِّدُ انتِقالَ هٰذِهِ الصَّحيفَةِ وَبَقاءَ الِانتِفاعِ بِها.
❁ وَهٰذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتابَةَ الحَديثِ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ لَم تَكُن عَمَلًا شَخصِيًّا عابِرًا، يَنقَطِعُ أَثَرُهُ بِوَفاةِ كاتِبِهِ؛ بَل كانَت مَادَّةً عِلمِيَّةً مَحفوظَةً، تَناقَلَها الأَبناءُ عَنِ الآباءِ، وَدَخَلَت فِي سِلسِلَةِ الرِّوايَةِ وَالتَّحديثِ، وَانتَفَعَ بِها أَهلُ العِلمِ فِي الأَجيالِ اللاحِقَةِ. وَبِذٰلِكَ تَسقُطُ دَعوى أَنَّ الحَديثَ لَم يُعرَف لَهُ تَقييدٌ وَكِتابَةٌ إِلَّا بَعدَ قُرونٍ مِن وَفاةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَهٰذِهِ الصَّحيفَةُ وَنَظائِرُها شاهِدٌ تارِيخِيٌّ صَريحٌ عَلَى أَنَّ الكِتابَةَ بَدَأَت فِي حَياتِهِ ﷺ نَفسِها.
❁ وَلَا يَخطُرُ بِبالِ مُنصِفٍ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عَمرو بنِ العاصِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، كانَ مُنفَرِدًا بِكِتابَةِ الحَديثِ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ؛ فَإِنَّ النُّصوصَ وَالآثارَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكِتابَةَ كانَت مَعرُوفَةً عِندَ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وَأَنَّهُم كانُوا يُقَيِّدونَ ما يَسمَعونَهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ، تَثبيتًا لَهُ وَصِيانَةً مِنَ الضَّياعِ.
❁ فَقَد وَرَدَ فِي «سُنَنِ الدّارِمِيِّ» عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّهُ قالَ: بَينَما نَحنُ حَولَ رَسولِ اللهِ ﷺ نَكتُبُ، إِذ سُئِلَ رَسولُ اللهِ ﷺ: أَيُّ المَدينَتَينِ تُفتَحُ أَوَّلًا: قُسطَنطِينِيَّةُ أَو رُومِيَّةُ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا، بَل مَدينَةُ هِرَقلَ أَوَّلًا». وَقَولُهُ: «نَحنُ حَولَ رَسولِ اللهِ ﷺ نَكتُبُ» نَصٌّ صَريحٌ فِي أَنَّ الكِتابَةَ لَم تَكُن عَمَلًا فَردِيًّا مَحصورًا فِي عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو، بَل كانَت مَجلِسًا يَشتَرِكُ فِيهِ عِدَّةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، يَكتُبونَ بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي حَضرَتِهِ.
❁ وَرُوِيَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَيضًا ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفَرًا مِن أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَكتُبونَ الحَديثَ قَبلَ أَن يَشرَعَ هُوَ فِي كِتابَتِهِ؛ إِذ قالَ: كانَ عِندَ رَسولِ اللهِ ﷺ ناسٌ مِن أَصحابِهِ، وَأَنا مَعَهُم، وَأَنا أَصغَرُ القَومِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النّارِ». فَلَمَّا خَرَجَ القَومُ قُلتُ: كَيفَ تُحَدِّثونَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، وَقَد سَمِعتُم ما قالَ، وَأَنتُم تَنهَمِكونَ فِي الحَديثِ عَنهُ؟ فَضَحِكوا، وَقالُوا: يا ابنَ أَخِينا، إِنَّ ما سَمِعنا مِنهُ عِندَنا فِي كِتابٍ [مَجمَعُ الزَّوائِدِ].
❁ وَفِي هٰذا الخَبَرِ دَليلٌ واضِحٌ عَلَى أَنَّ بَعضَ الصَّحابَةِ كانَت عِندَهُم كُتُبٌ وَصُحُفٌ يُقَيِّدونَ فِيها ما يَسمَعونَهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَّ كَثرَةَ تَحديثِهِم لَم تَكُن قائِمَةً عَلَى مُجَرَّدِ الذَّاكِرَةِ المُرسَلَةِ، بَل عَلَى مَحفوظٍ مَكتوبٍ يَرجِعونَ إِلَيهِ وَيَثِقونَ بِضَبطِهِ. وَهٰذا يَجمَعُ بَينَ وَسيلَتَيِ الحِفظِ: حِفظِ الصُّدورِ، وَحِفظِ السُّطورِ.
❁ وَرَوَى الطَّبَرانِيُّ عَن رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قالَ: يا رَسولَ اللهِ، إِنّا نَسمَعُ مِنكَ أَشياءَ، أَفَنَكتُبُها؟ فَقالَ: «اكتُبوا وَلَا حَرَجَ». وَهٰذا إِذنٌ صَريحٌ عامٌّ فِي كِتابَةِ ما يُسمَعُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، يَنفي دَعوى أَنَّ الكِتابَةَ كانَت مَمنوعَةً مَنعًا مُطلَقًا فِي عَصرِهِ.
❁ وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنصارِ شَكا إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ سُوءَ الحِفظِ، فَقالَ لَهُ: «استَعِن بِيَمينِكَ عَلَى حِفظِكَ» [سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، وَمَجمَعُ الزَّوائِدِ]. وَعَن أَنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَجُلًا شَكا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُوءَ الحِفظِ، فَقالَ لَهُ: «استَعِن بِيَمينِكَ». وَرُوِيَ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ وَجابِرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُم، نَحوُ ذٰلِكَ. وَالمُرادُ بِالاستِعانَةِ بِاليَمينِ هُنا الكِتابَةُ؛ لِأَنَّ اليَدَ أَداةُ التَّقييدِ، وَالكِتابَةُ عَونٌ لِلذَّاكِرَةِ عَلَى ضَبطِ المَسموعِ وَاستِحضارِهِ عِندَ الحاجَةِ.
❁ وَفِي هٰذِهِ النُّصوصِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَكتَفِ بِإِباحَةِ الكِتابَةِ، بَل أَرشَدَ إِلَيها مَن شَكا ضَعفَ الحِفظِ، وَجَعَلَها وَسيلَةً مِن وَسائِلِ تَثبيتِ العِلمِ وَتَعاهُدِهِ. فَإِذا كانَتِ الكِتابَةُ عِلاجًا نَبَوِيًّا لِضَعفِ الذَّاكِرَةِ، بَطَلَ قَولُ مَن يَزعُمُ أَنَّ السُّنَّةَ تُرِكَت لِلحِفظِ وَحدَهُ دُونَ تَقييدٍ.
❁ وَمِن أَدلَّةِ الكِتابَةِ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ أَيضًا «كِتابُ الصَّدَقَةِ» الَّذي ثَبَتَ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كَتَبَهُ فِي آخِرِ عُمرِهِ، وَضَمَّنَهُ أَحكامَ زَكاةِ السّائِمَةِ وَبَهيمَةِ الأَنعامِ وَغَيرَها مِن أَحكامِ الصَّدَقاتِ. وَقَد قُبِضَ ﷺ قَبلَ أَن يَبعَثَ بِهِ إِلَى عُمّالِهِ، فَلَمَّا استُخلِفَ أَبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنفَذَهُ وَعَمِلَ بِما فِيهِ [سُنَنُ أَبِي داوُدَ، وَسُنَنُ التِّرمِذِيِّ].
❁ وَهٰذا الكِتابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعضَ الأَحكامِ الشَّرعِيَّةِ المُفَصَّلَةِ كانَ يُدَوَّنُ فِي وَثائِقَ رَسمِيَّةٍ، ثُمَّ يُعتَمَدُ عَلَيهِ فِي عَملِ الوُلاةِ وَالعُمّالِ بَعدَ وَفاةِ النَّبِيِّ ﷺ. فَلَم تَكُنِ الكِتابَةُ مُجَرَّدَ مُبادَرَةٍ شَخصِيَّةٍ مِن بَعضِ الصَّحابَةِ، بَل دَخَلَت فِي التَّنظيمِ الإِدارِيِّ وَالتَّشريعِيِّ لِلدَّولَةِ النَّبَوِيَّةِ.
❁ وَمِن كُتُبِ العَصرِ النَّبَوِيِّ أَيضًا ما رُوِيَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قالَ: أَتانَا كِتابُ رَسولِ اللهِ ﷺ: «أَلَّا تَنتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإِهابٍ وَلَا عَصَبٍ» [سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، وَسُنَنُ النَّسائِيِّ]. وَهٰذا نَصٌّ صَريحٌ فِي وُصولِ كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى القَبائِلِ وَالأَقاليمِ، وَفِي تَداوُلِها وَالاستِدلالِ بِها فِي الأَحكامِ.
❁ وَمِن أَبرَزِ ما يُستَشهَدُ بِهِ فِي هٰذا البابِ واقِعَةُ خُطبَةِ فَتحِ مَكَّةَ؛ فَقَد وَرَدَ فِي «صَحيحِ البُخارِيِّ» وَغَيرِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ يَومَ الفَتحِ خُطبَةً، فَلَمَّا فَرَغَ طَلَبَ أَبو شاهٍ اليَمَنِيُّ أَن تُكتَبَ لَهُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «اكتُبُوا لِأَبِي شاهٍ».
❁ وَهٰذا نَصٌّ قاطِعٌ لَا يَحتَمِلُ التَّأويلَ فِي إِجازَةِ كِتابَةِ الحَديثِ وَالأَمرِ بِها؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ لَم يَأذَن لِرَجُلٍ أَن يَكتُبَ خُطبَتَهُ بِنَفسِهِ فَحَسبُ، بَل أَمَرَ مَن حَضَرَ أَن يَكتُبوها لَهُ. وَهٰذا يُثبِتُ أَنَّ الخُطَبَ النَّبَوِيَّةَ وَالأَحكامَ الَّتِي تَشتَمِلُ عَلَيها كانَت تُقَيَّدُ كِتابَةً فِي عَهدِهِ ﷺ.
❁ وَكَذٰلِكَ كَتَبَ رَسولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَهلِ اليَمَنِ كِتابًا جامِعًا فِي الفَرائِضِ وَالسُّنَنِ وَالدِّيَاتِ وَالأَحكامِ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمرو بنِ حَزمٍ. وَقَد حَفِظَت كُتُبُ الحَديثِ قِطَعًا كَثيرَةً مِن هٰذا الكِتابِ؛ فَذَكَرَ الحاكِمُ فِي «المُستَدرَكِ» جُملَةً كَبيرَةً مِن مَوادِّهِ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعبِيِّ أَيضًا ذِكرُ كِتابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أَهلِ اليَمَنِ، وَأَخرَجَ ابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي «مُصَنَّفِهِ» عَدَدًا مِن أَحكامِهِ.
❁ وَيَكشِفُ كِتابُ عَمرو بنِ حَزمٍ عَن صُورَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِنَ التَّدوينِ الفِقهِيِّ النَّبَوِيِّ؛ إِذ جَمَعَ أَبوابًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ العِباداتِ وَالمُعامَلاتِ وَالجِناياتِ وَالدِّيَاتِ، وَأُرسِلَ إِلَى أَهلِ إِقليمٍ لِيَعمَلُوا بِهِ. فَهُوَ لَيسَ رِسالَةً عابِرَةً، بَل وَثيقَةٌ تَشريعِيَّةٌ مُفَصَّلَةٌ تُثبِتُ أَنَّ السُّنَّةَ كانَت تُدَوَّنُ وَتُبلَّغُ فِي صُورَةٍ مَكتوبَةٍ.
❁ وَمِن أَشهَرِ صُحُفِ ذٰلِكَ العَصرِ «صَحيفَةُ عَلِيٍّ»، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الَّتِي جاءَ ذِكرُها فِي «صَحيحِ البُخارِيِّ» وَ«صَحيحِ مُسلِمٍ» وَغَيرِهِما. وَكانَت تَشتَمِلُ عَلَى جُملَةٍ مِنَ الأَحكامِ؛ مِنها مَقاديرُ العُقولِ، أَيِ الدِّيَاتِ، وَفِكاكُ الأَسيرِ، وَأَنَّهُ لَا يُقتَلُ مُسلِمٌ بِكافِرٍ.
❁ وَكانَ مَكتوبًا فِيها أَيضًا: «المَدينَةُ حَرَمٌ ما بَينَ عَيرٍ إِلَى ثَورٍ، فَمَن أَحدَثَ فِيها حَدَثًا، أَو آوى مُحدِثًا، فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجمَعينَ، لَا يُقبَلُ مِنهُ صَرفٌ وَلَا عَدلٌ» [صَحيحُ البُخارِيِّ].
❁ وَجاءَ فِيها أَيضًا: «لَعَنَ اللهُ مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَن آوى مُحدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَن لَعَنَ والِدَيهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَن غَيَّرَ المَنارَ» [صَحيحُ مُسلِمٍ].
❁ وَكانَ مَكتوبًا فِيها كَذٰلِكَ: «ذِمَّةُ المُسلِمينَ واحِدَةٌ، يَسعَى بِها أَدناهُم، فَمَن أَخفَرَ مُسلِمًا، فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجمَعينَ، لَا يُقبَلُ مِنهُ صَرفٌ وَلَا عَدلٌ، وَمَن تَوَلَّى قَومًا بِغَيرِ إِذنِ مَوالِيهِ، فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجمَعينَ» [صَحيحُ البُخارِيِّ]. وَكانَت تَشتَمِلُ أَيضًا عَلَى بَعضِ أَحكامِ الزَّكاةِ.
❁ وَتَدُلُّ صَحيفَةُ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَلَى أَنَّ تَقييدَ الحَديثِ وَالأَحكامِ لَم يَكُن مَقصورًا عَلَى مَوضوعٍ واحِدٍ، بَل شَمِلَ أَبوابًا مُتَنَوِّعَةً؛ مِنَ الحُدودِ وَالدِّيَاتِ، وَالأَمانِ وَالعُهودِ، وَحُرمَةِ المَدينَةِ، وَالزَّكاةِ، وَغَيرِها. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ المادَّةِ المَكتوبَةِ فِي العَصرِ الأَوَّلِ.
❁ وَهٰذِهِ العُجالَةُ، عَلَى قِصَرِها، كافِيَةٌ لِإِثباتِ أَنَّ كِتابَةَ الحَديثِ فِي عَصرِ الرِّسالَةِ حَقيقَةٌ تارِيخِيَّةٌ ثابِتَةٌ لَا مِريَةَ فِيها؛ فَقَد ثَبَتَت كِتابَةُ الصَّحابَةِ بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِذنُهُ لَهُم فِيها، وَأَمرُهُ بِها، وَإِرشادُهُ إِلَيها لِتَقوِيَةِ الحِفظِ، وَكِتابَتُهُ لِلخُطَبِ وَالأَحكامِ وَالفَرائِضِ، وَإِرسالُهُ الكُتُبَ إِلَى الأَقاليمِ وَالعُمّالِ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ دَعوى أَنَّ الحَديثَ لَم يُكتَب إِلَّا بَعدَ قَرنَينِ مِن وَفاةِ النَّبِيِّ ﷺ دَعوى تُكَذِّبُها هٰذِهِ الوَثائِقُ وَالصُّحُفُ وَالمَكاتيبُ المُتَعدِّدَةُ. وَمَن تَتَبَّعَ كُتُبَ السُّنَّةِ وَالسِّيَرِ وَالتَّراجِمِ، وَزادَ فِي البَحثِ وَالنَّظَرِ، ظَفِرَ مِن شَواهِدِ الكِتابَةِ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ بِأَكثَرَ مِمّا ذُكِرَ هُنا، إِن شاءَ اللهُ تَعَالَى.
*❖ ثَانِيًا: كِتابَةُ الحَديثِ فِي عَصرِ الصَّحابَةِ*
❁ وَإِذا انتَقَلنا بَعدَ ذٰلِكَ إِلَى عَصرِ الصَّحابَةِ، رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم، وَتَأَمَّلنا أَخبارَ هٰذا العَصرِ وَآثارَهُ، وَجَدنا مِن وَقائِعِ كِتابَةِ الحَديثِ وَتَقييدِهِ ما يَكثُرُ عَدُّهُ وَيَصعُبُ حَصرُهُ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكِتابَةَ لَم تَنقَطِع بِوَفاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَم تَكُن خَصيصَةً بِبَعضِ الصَّحابَةِ فِي حَياتِهِ، بَل استَمَرَّت بَعدَهُ وَاتَّسَعَت دائِرَتُها، وَصارت وَسيلَةً مَعرُوفَةً لِحِفظِ السُّنَّةِ وَتَعاهُدِها وَتَبليغِها. وَفِيما يَأتي بَعضُ الأَمثِلَةِ الدّالَّةِ عَلَى ذٰلِكَ.
❁ فَقَد قالَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «قَيِّدُوا العِلمَ بِالكِتابِ» [سُنَنُ الدّارِمِيِّ، وَالمُستَدرَكُ]. وَهٰذا أَثَرٌ واضِحٌ فِي الحَثِّ عَلَى تَقييدِ العِلمِ وَضَبطِهِ بِالكِتابَةِ؛ لِأَنَّ العِلمَ إِذا تُرِكَ لِلحِفظِ وَحدَهُ كانَ أَعرَضَ لِلتَّفَلُّتِ، فَإِذا قُيِّدَ فِي الصُّحُفِ اجتَمَعَ لَهُ حِفظُ الصُّدورِ وَحِفظُ السُّطورِ.
❁ وَقالَ أَنَسُ بنُ مالِكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لِبَنيهِ: «يا بَنِيَّ، قَيِّدُوا هٰذا العِلمَ» [سُنَنُ الدّارِمِيِّ]. وَفِي هٰذِهِ الوَصِيَّةِ دَليلٌ عَلَى أَنَّ الكِتابَةَ لَم تَكُن عِندَهُم عَمَلًا طارِئًا وَلَا تَصرُّفًا فَردِيًّا، بَل كانَت مَنهَجًا عِلمِيًّا يُوصِي بِهِ الكِبارُ أَبناءَهُم وَتَلامِيذَهُم؛ حِرصًا عَلَى أَن يَبقَى العِلمُ مَحفوظًا وَمُتَناقَلًا بَينَ الأَجيالِ.
❁ وَعَن أَنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ مَحمودَ بنَ الرَّبيعِ حَدَّثَهُ عَن عِتبانَ بنِ مالِكٍ بِحَديثٍ طَويلٍ، فَأَعجَبَهُ، فَقالَ لِابنِهِ: «اكتُبهُ»، فَكَتَبَهُ [صَحيحُ مُسلِمٍ، وَشَرحُ مَعانِي الآثارِ]. وَفِي هٰذِهِ الواقِعَةِ صُورَةٌ واضِحَةٌ مِن صُوَرِ استِكتابِ الحَديثِ فِي مَجلِسِ العِلمِ؛ فَإِنَّ أَنَسًا لَم يَكتَفِ بِسَماعِ الحَديثِ وَحِفظِهِ، بَل أَمَرَ بِتَقييدِهِ فَورَ سَماعِهِ؛ لِما رَأَى فِيهِ مِنَ الفائِدَةِ وَالحاجَةِ إِلَى صِيانَتِهِ.
❁ وَقَد سَبَقَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ لَم يَكُن يَكتُبُ الحَديثَ فِي عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ، بَل كانَ يَعتَمِدُ عَلَى حِفظِهِ وَوَعيِهِ، غَيرَ أَنَّهُ كَتَبَ بَعدَ ذٰلِكَ، أَوِ استَكتَبَ مَن يَكتُبُ لَهُ، حَتَّى اجتَمَعَ لَهُ مِن حَديثِ النَّبِيِّ ﷺ كُتُبٌ وَصُحُفٌ. فَقَد ذَكَرَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ عَنِ الحَسَنِ بنِ عَمرو أَنَّهُ قالَ: تُحُدِّثَ عِندَ أَبِي هُرَيرَةَ بِحَديثٍ، فَقالَ لَهُ أَبو هُرَيرَةَ: إِن كُنتُ حَدَّثتُكَ بِهِ فَهُوَ مَكتوبٌ عِندِي. قالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي إِلَى بَيتِهِ، فَأَرانا كُتُبًا كَثيرَةً مِن حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَ ذٰلِكَ الحَديثَ فِيها [فَتحُ البارِي].
❁ وَفِي هٰذا الخَبَرِ دَلالَتانِ مُهِمَّتانِ: أُولاهُما أَنَّ أَبا هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كانت عِندَهُ كُتُبٌ تَضَمَّنَت مَروِيّاتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَثانِيَتُهُما أَنَّهُ كانَ يَرجِعُ إِلَى تِلكَ الكُتُبِ لِمُراجَعَةِ ما يُنسَبُ إِلَيهِ وَالتَّحَقُّقِ مِنهُ؛ فَاجتَمَعَ لَهُ الحِفظُ وَالتَّقييدُ وَالمُقابَلَةُ.
❁ وَعَن بَشيرِ بنِ نُهَيكٍ أَنَّهُ قالَ: «كُنتُ آخُذُ الكُتُبَ مِن أَبِي هُرَيرَةَ فَأَكتُبُها، فَإِذا فَرَغتُ قَرَأتُها عَلَيهِ، فَأَقولُ: الَّذي قَرَأتُهُ عَلَيكَ، أَسَمِعتَهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ؟ فَيَقولُ: نَعَم» [شَرحُ مَعانِي الآثارِ].
❁ وَهٰذا مِن أَبلَغِ الشَّواهِدِ عَلَى دِقَّةِ مَنهَجِهِم فِي الكِتابَةِ؛ فَلَم يَكُن بَشيرٌ يَنسَخُ ما عِندَ أَبِي هُرَيرَةَ ثُمَّ يَكتَفِي بِالنُّسخَةِ، بَل كانَ يَعرِضُ ما كَتَبَهُ عَلَى أَبِي هُرَيرَةَ، وَيَقرَؤُهُ عَلَيهِ، وَيَستَوثِقُ مِنهُ أَنَّ ذٰلِكَ مِمَّا سَمِعَهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ. فَاجتَمَعَ فِي هٰذِهِ الطَّريقَةِ النَّقلُ مِنَ الأَصلِ، وَالقِراءَةُ عَلَى الشَّيخِ، وَالتَّصحيحُ، وَالإِقرارُ بِالسَّماعِ.
❁ وَكانَ عِندَ عَبدِ اللهِ بنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، عِدَّةٌ مِنَ الصُّحُفِ المَكتوبَةِ فِي الحَديثِ وَالعِلمِ. وَمِن ذٰلِكَ أَنَّ ناسًا مِن أَهلِ الطّائِفِ أَتَوهُ بِصُحُفٍ مِن صُحُفِهِ لِيَقرَأَها عَلَيهِم، فَلَمَّا أَخَذَها لَم يَنطَلِق لِسانُهُ بِقِراءَتِها؛ لِذَهابِ بَصَرِهِ، فَقالَ: «إِنِّي لَمَّا ذَهَبَ بَصَرِي بَلِهتُ، فَاقرَؤُوها عَلَيَّ، وَلَا يَكُن فِي أَنفُسِكُم مِن ذٰلِكَ حَرَجٌ؛ فَإِنَّ قِراءَتَكُم عَلَيَّ كَقِراءَتِي عَلَيكُم» [سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، وَشَرحُ مَعانِي الآثارِ].
❁ وَيَدُلُّ هٰذا عَلَى وُجودِ صُحُفٍ مَنسوبَةٍ إِلَى ابنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، يَحمِلُها تَلامِيذُهُ وَيَقرَؤونَها عَلَيهِ، وَعَلَى أَنَّ العَرضَ وَالقِراءَةَ عَلَى الشَّيخِ كانا طَريقًا مُعتَمَدًا فِي تَوثيقِ النُّسَخِ وَإِجازَةِ رِوايَتِها. فَلَم تَكُنِ الصَّحيفَةُ تُنسَخُ ثُمَّ تُتَداوَلُ دُونَ مُراجَعَةٍ، بَل كانَت تُعرَضُ عَلَى صاحِبِ العِلمِ لِيُقِرَّ ما فِيها وَيُصَحِّحَهُ.
❁ وَعَن أَبِي البَختَرِيِّ أَنَّهُ قالَ: «سَمِعتُ حَديثًا مِن رَجُلٍ فَأَعجَبَنِي، فَقُلتُ: اكتُبهُ لِي، فَأَتَى بِهِ مَكتوبًا مُذَبَّرًا» [سُنَنُ أَبِي داوُدَ]. وَمَعنى «مُذَبَّرًا»: مُتقَنَ الكِتابَةِ، حَسَنَ الخَطِّ وَالتَّرتيبِ. وَفِي هٰذا دَليلٌ عَلَى أَنَّ العِنايَةَ لَم تَكُن بِأَصلِ الكِتابَةِ فَحَسبُ، بَل بِإِحكامِها وَتَوضيحِ خَطِّها؛ حَتَّى تَسلَمَ مِنَ الِالتِباسِ وَالتَّصحيفِ.
❁ وَعَن أَبانَ أَنَّهُ كانَ يَكتُبُ عِندَ أَنَسِ بنِ مالِكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي سَبُّورَةٍ [سُنَنُ الدّارِمِيِّ]، وَالسَّبُّورَةُ هِيَ اللَّوحُ الَّذي يُكتَبُ عَلَيهِ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَلامِيذَ الصَّحابَةِ كانُوا يُقَيِّدونَ الحَديثَ فِي مَجالِسِهِم مُباشَرَةً، وَيَستَعمِلونَ ما تَيَسَّرَ لَهُم مِن أَدَواتِ الكِتابَةِ.
❁ وَقالَ عَبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَقيلٍ: «كُنّا نَأتِي جابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ، فَنَسأَلُهُ عَن سُنَنِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَنَكتُبُها» [شَرحُ مَعانِي الآثارِ لِلطَّحاوِيِّ]. وَهٰذا نَصٌّ واضِحٌ فِي أَنَّ السُّنَنَ كانَت تُتَلَقَّى عَنِ الصَّحابَةِ بِالسُّؤالِ، ثُمَّ تُكتَبُ فِي مَجالِسِهِم، فَيَجتَمِعُ لِلطّالِبِ السَّماعُ المُباشِرُ وَالتَّقييدُ الفَورِيُّ.
❁ وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّهُ قالَ: «قَيِّدُوا العِلمَ بِالكِتابِ» [سُنَنُ الدّارِمِيِّ]. وَهٰذا يُؤَكِّدُ أَنَّ الحَثَّ عَلَى الكِتابَةِ لَم يَكُن مَقصورًا عَلَى صَحابِيٍّ واحِدٍ، بَل كانَ تَوجُّهًا مَعرُوفًا عِندَ عَدَدٍ مِن أَكابِرِ الصَّحابَةِ.
❁ وَعَن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ أَنَّهُ قالَ: «كُنتُ أَسيرُ مَعَ ابنِ عَبّاسٍ فِي طَريقِ مَكَّةَ لَيلًا، وَكانَ يُحَدِّثُنِي بِالحَديثِ، فَأَكتُبُهُ فِي واسِطَةِ الرَّحلِ، حَتَّى أُصبِحَ فَأَكتُبُهُ» [سُنَنُ الدّارِمِيِّ: ص ٦٩].
❁ وَالمَعنَى أَنَّهُ كانَ يَستَغِلُّ ظُلمَةَ اللَّيلِ وَعَدَمَ تَيَسُّرِ الكِتابَةِ المُتقَنَةِ فَيُثبِتُ الحَديثَ إِثباتًا أَوَّلِيًّا عَلَى واسِطَةِ الرَّحلِ؛ لِئَلَّا يَنساهُ، ثُمَّ إِذا أَصبَحَ نَقَلَهُ إِلَى صَحيفَتِهِ نَقلًا واضِحًا. وَفِي هٰذا مِن شِدَّةِ الحِرصِ عَلَى تَقييدِ العِلمِ ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم لَم يَكونُوا يُضَيِّعونَ فُرصَةَ السَّماعِ، حَتَّى فِي السَّفَرِ وَظُلمَةِ اللَّيلِ.
❁ وَعَن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ وَغَيرِهِ أَنَّهُم كانُوا يَكتُبونَ عِندَ ابنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، وَزادَ الدّارِمِيُّ: «حَتَّى تَمتَلِئَ الصَّحيفَةُ» [شَرحُ مَعانِي الآثارِ، وَسُنَنُ الدّارِمِيِّ]. وَهٰذا يُصَوِّرُ مَجالِسَ عِلمٍ مُنَظَّمَةً يَجلِسُ فِيها التَّلامِيذُ حَولَ الصَّحابِيِّ، فَيَسمَعونَ مِنهُ وَيَكتُبونَ حَتَّى تَمتَلِئَ صُحُفُهُم بِما يُملِيهِ عَلَيهِم.
❁ وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ حَنَشٍ أَنَّهُ قالَ: «رَأَيتُهُم يَكتُبونَ عِندَ البَراءِ بِأَطرافِ القَصَبِ عَلَى أَكُفِّهِم» [شَرحُ مَعانِي الآثارِ، وَسُنَنُ الدّارِمِيِّ]. وَيُقالُ: إِنَّهُم كانُوا يَكتُبونَ عَلَى أَكُفِّهِم عِندَ نَفادِ القِرطاسِ أَوِ امتِلائِهِ، ثُمَّ يَنقُلونَ ما كَتَبُوهُ إِلَى صُحُفِهِم بَعدَ رُجوعِهِم إِلَى مَنازِلِهِم. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ حِرصِهِم عَلَى أَلَّا يَفوتَهُم شَيءٌ مِنَ الحَديثِ الَّذي يَسمَعونَهُ.
❁ وَعَنِ الحَسَنِ بنِ جابِرٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبا أُمامَةَ الباهِلِيَّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَن كِتابَةِ العِلمِ، فَقالَ: «لَا بَأسَ بِذٰلِكَ» [شَرحُ مَعانِي الآثارِ، وَسُنَنُ الدّارِمِيّ]. وَهٰذا إِقرارٌ واضِحٌ مِن صَحابِيٍّ بِجَوازِ كِتابَةِ العِلمِ، يَنفي دَعوى أَنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَمنَعونَها مَنعًا عامًّا.
❁ وَعَن أَبِي بُردَةَ أَنَّهُ قالَ: «كُنتُ إِذا سَمِعتُ مِن أَبِي حَديثًا كَتَبتُهُ، فَقالَ: أَي بُنَيَّ، كَيفَ تَصنَعُ؟ قُلتُ: إِنِّي أَكتُبُ ما أَسمَعُ مِنكَ. قالَ: فَأتِنِي بِهِ. فَقَرَأتُهُ عَلَيهِ، فَقالَ: نَعَم، هٰكَذا سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ» [مَجمَعُ الزَّوائِدِ].
❁ وَفِي هٰذِهِ الواقِعَةِ صُورَةٌ مُتكامِلَةٌ مِن مَنهَجِ التَّوثيقِ عِندَهُم؛ فَأَبو بُردَةَ يَسمَعُ مِن أَبِيهِ أَبِي موسَى الأَشعَرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ثُمَّ يَكتُبُ ما سَمِعَ، ثُمَّ يَعرِضُ النُّسخَةَ عَلَى أَبِيهِ، فَيَقرَؤُها عَلَيهِ، فَيُقِرُّها أَبو موسَى وَيَشهَدُ أَنَّهُ سَمِعَها مِن رَسولِ اللهِ ﷺ. فَهُنا سَماعٌ، وَكِتابَةٌ، وَعَرضٌ، وَمُراجَعَةٌ، وَتَوثيقٌ لِمَصدَرِ الحَديثِ.
❁ وَهٰذِهِ الآثارُ، مَعَ تَعَدُّدِ أَصحابِها، وَتَنَوُّعِ أَحوالِها، وَاختِلافِ أَمكنَتِها وَصُوَرِها، تَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً لَا يَبقَى مَعَها مَجالٌ لِلتَّشكيكِ عَلَى أَنَّ كِتابَةَ الحَديثِ فِي عَصرِ الصَّحابَةِ كانَت أَمرًا شائِعًا مَعرُوفًا، لَا عَمَلًا نادِرًا أَو مَمنوعًا. فَمِنهُم مَن كانَ يَكتُبُ بِنَفسِهِ، وَمِنهُم مَن كانَ يَستَكتِبُ أَبناءَهُ وَتَلامِيذَهُ، وَمِنهُم مَن كانَ يُملِي، وَمِنهُم مَن كانَ يَعرِضُ عَلَيهِ طُلّابُهُ ما كَتَبوهُ فَيُصَحِّحُهُ وَيُقِرُّهُ.
❁ وَبِهٰذا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الكِتابَةَ عِندَ الصَّحابَةِ لَم تَكُن مُجَرَّدَ وَسيلَةٍ لِحِفظِ النَّصِّ، بَل كانَت جُزءًا مِن مَنهَجٍ عِلمِيٍّ مُتكامِلٍ، يَشمَلُ السَّماعَ المُباشِرَ، وَالتَّقييدَ، وَالمُراجَعَةَ، وَالقِراءَةَ عَلَى الشَّيخِ، وَمُقابَلَةَ النُّسَخِ، وَإِقرارَ المَروِيِّ وَتَوثيقَ مَصدَرِهِ. وَهٰذا كُلُّهُ يُبطِلُ دَعوى أَنَّ السُّنَّةَ فِي عَصرِ الصَّحابَةِ كانَت مَتروكَةً لِلحِفظِ الشَّفَهِيِّ المُجَرَّدِ دُونَ كِتابَةٍ وَلَا تَثَبُّتٍ.
*❖ ثَالِثًا: كِتابَةُ الحَديثِ فِي عَصرِ التَّابِعينَ وَتابِعِيهِم*
❁ وَإِذا انتَقَلنا بَعدَ ذٰلِكَ إِلَى عَصرِ التَّابِعينَ، وَتَتَبَّعنا أَخبارَهُم وَطَرائِقَهُم فِي تَلَقِّي السُّنَّةِ وَحِفظِها، وَجَدنا أَنَّ كِتابَةَ الحَديثِ قَدِ انتَشَرَت فِي زَمانِهِم انتشارًا واسِعًا، وَأَصبَحَت مَظهَرًا مَعرُوفًا مِن مَظاهِرِ الحَياةِ العِلمِيَّةِ. فَمِنهُم مَن كانَ يَكتُبُ الحَديثَ بِيَدِهِ، وَمِنهُم مَن كانَ يُملِي عِلمَهُ عَلَى تَلامِيذِهِ فَيَكتُبونَهُ بَينَ يَدَيهِ، وَمِنهُم مَن كانَت لَهُ صُحُفٌ وَكُتُبٌ يَرجِعُ إِلَيها وَيَروي مِنهَا، وَفِيما يَأتي جُملَةٌ مِنَ الأَمثِلَةِ الدّالَّةِ عَلَى ذٰلِكَ.
❁ فَقَد قِيلَ لِإِبراهيمَ النَّخَعِيِّ: ما لِسالِمِ بنِ أَبِي الجَعدِ أَتَمُّ حَديثًا مِنكَ؟ فَقالَ: «لِأَنَّهُ كانَ يَكتُبُ» [سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، وَسُنَنُ الدّارِمِيِّ]. وَتُوفِّيَ سالِمُ بنُ أَبِي الجَعدِ سَنَةَ إِحدى وَمِئَةٍ لِلهِجرَةِ، وَقَد أَدرَكَ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ وَسَمِعَ مِنهُم. وَفِي هٰذا الخَبَرِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلَى أَثَرِ الكِتابَةِ فِي إِحكامِ الرِّوايَةِ وَاستِيفاءِ المَحفوظِ؛ فَقَد نَسَبَ إِبراهيمُ تَمامَ حَديثِ سالِمٍ وَدِقَّتَهُ إِلَى عِنايَتِهِ بِالكِتابَةِ.
❁ وَقالَ أَبو الزِّنادِ: «كُنّا نَطوفُ مَعَ الزُّهرِيِّ عَلَى العُلَماءِ، وَمَعَهُ الأَلواحُ وَالصُّحُفُ، يَكتُبُ كُلَّ ما سَمِعَ» [تَذكِرَةُ الحُفّاظِ]. وَتُوفِّيَ الإِمامُ الزُّهرِيُّ سَنَةَ أَربَعٍ وَعِشرينَ وَمِئَةٍ. وَهٰذا الوَصفُ يُصَوِّرُ طَريقَةَ طَلَبِهِ لِلعِلمِ فِي شَبابِهِ؛ فَلَم يَكُن يَكتَفِي بِالسَّماعِ وَالحِفظِ، بَل كانَ يَصحَبُ مَعَهُ أَدَواتِ الكِتابَةِ، وَيُقَيِّدُ كُلَّ ما يَسمَعُهُ مِنَ العُلَماءِ؛ لِيَجمَعَ بَينَ حِفظِ القَلبِ وَتَقييدِ اليَدِ.
❁ وَعَن صالِحِ بنِ كَيسانَ أَنَّهُ قالَ: «اجتَمَعتُ أَنا وَالزُّهرِيُّ وَنَحنُ نَطلُبُ العِلمَ، فَقالَ لِي: تَعالَ حَتَّى نَكتُبَ السُّنَنَ، فَكَتَبنا ما جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ» [كَنزُ العُمّالِ]. وَفِي هٰذا النَّصِّ تَصريحٌ واضِحٌ بِأَنَّ جَمعَ السُّنَنِ وَكِتابَتَها كانَ مَشروعًا عِلمِيًّا قائِمًا بَينَ طُلّابِ العِلمِ فِي عَصرِ التَّابِعينَ، قَبلَ التَّدوينِ الرَّسمِيِّ الواسِعِ الَّذي أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ.
❁ وَقالَ هِشامُ بنُ الغازِ: «كانَ يُسأَلُ عَطاءُ بنُ أَبِي رَباحٍ، وَيُكتَبُ ما يُجيبُ بِهِ بَينَ يَدَيهِ» [سُنَنُ الدّارِمِيِّ]. وَتُوفِّيَ عَطاءُ بنُ أَبِي رَباحٍ سَنَةَ أَربَعَ عَشرَةَ وَمِئَةٍ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَتاوى التَّابِعينَ وَأَجوبَتَهُم وَما يَروونَهُ مِنَ السُّنَنِ كانَ يُقَيَّدُ فِي مَجالِسِهِم مُباشَرَةً، وَبِحُضورِهِم وَإِقرارِهِم.
❁ وَقالَ رَجاءُ بنُ حَيوَةَ: «كَتَبَ هِشامُ بنُ عَبدِ المَلِكِ إِلَى عامِلِهِ أَن يَسأَلَنِي عَن حَديثٍ، فَكُنتُ قَد نَسِيتُهُ، لَولا أَنَّهُ كانَ عِندِي مَكتوبًا» [سُنَنُ الدّارِمِيِّ]. وَفِي هٰذا الخَبَرِ بَيانٌ عَمَلِيٌّ لِفائِدَةِ الكِتابَةِ فِي صِيانَةِ الحَديثِ مِنَ الضَّياعِ؛ فَقَد عَرَضَ لِرَجاءٍ نِسيانُ الحَديثِ، غَيرَ أَنَّ وُجودَهُ مَكتوبًا حَفِظَهُ وَمَكَّنَهُ مِنَ الرُّجوعِ إِلَيهِ.
❁ وَعَن سُلَيمانَ بنِ موسى أَنَّهُ رَأَى نافِعًا مَولى ابنِ عُمَرَ يُملِي عِلمَهُ، وَيُكتَبُ بَينَ يَدَيهِ [سُنَنُ الدّارِمِيِّ]. وَتُوفِّيَ نافِعٌ سَنَةَ سَبعَ عَشرَةَ وَمِئَةٍ. وَهٰذا مِن أَوضَحِ الدَّلائِلِ عَلَى أَنَّ الإِملاءَ وَالكِتابَةَ كانا طَريقًا مُعتَمَدًا فِي نَقلِ السُّنَّةِ؛ فَالشَّيخُ يُملِي، وَالتَّلامِيذُ يَكتُبونَ، وَذٰلِكَ بَينَ يَدَيهِ، مِمَّا يُتِيحُ لَهُ التَّصحيحَ وَالمُراجَعَةَ وَالإِقرارَ.
❁ وَقالَ رَجُلٌ لِلحَسَنِ البَصرِيِّ: عِندِي بَعضُ حَديثِكَ أَروِيهِ عَنكَ، فَقالَ: «نَعَم» [سُنَنُ التِّرمِذِيِّ]. وَيَدُلُّ هٰذا عَلَى إِقرارِ الحَسَنِ لِما كُتِبَ أَو حُفِظَ عَنهُ، وَإِجازَتِهِ لِرِوايَتِهِ بَعدَ ثُبوتِ نِسبَتِهِ إِلَيهِ.
❁ وَذُكِرَ فِي «تَهذيبِ التَّهذيبِ» أَنَّ حُمَيدًا الطَّويلَ أَخَذَ كُتُبَ الحَسَنِ البَصرِيِّ، فَنَسَخَها، ثُمَّ رَدَّها إِلَيهِ. وَفِي هٰذا دَليلٌ عَلَى وُجودِ كُتُبٍ مَنسوبَةٍ إِلَى الحَسَنِ، وَعَلَى أَنَّ طُلّابَ العِلمِ كانُوا يَنسَخونَ مِن أُصولِ شُيوخِهِم، ثُمَّ يَرُدّونَها إِلَيهِم، وَهُوَ مَنهَجٌ واضِحٌ فِي نَقلِ الكُتُبِ وَتَكثيرِ نُسَخِها.
❁ ثُمَّ جاءَ عَهدُ الخَليفَةِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ، رَحِمَهُ اللهُ، فَانتَقَلَت عَمَلِيَّةُ الجَمعِ مِنَ الجُهودِ الفَردِيَّةِ وَالمَجالِسِ العِلمِيَّةِ المُتَفَرِّقَةِ إِلَى جُهدٍ رَسمِيٍّ أَوسَعَ نِطاقًا. فَكَتَبَ إِلَى عُمّالِهِ وَوُلاتِهِ أَن يَكتُبوا إِلَيهِ ما عِندَهُم مِن حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَ أَبا بَكرِ بنَ حَزمٍ بِجَمعِ الحَديثِ وَتَدوينِهِ [صَحيحُ البُخارِيِّ].
❁ وَقَد جَمَعَ أَبو بَكرِ بنُ حَزمٍ عِدَّةَ دَواوينَ، وَجَهَّزَها لِإِرسالِها إِلَى عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ، غَيرَ أَنَّ الخَليفَةَ تُوفِّيَ قَبلَ وُصولِها إِلَيهِ. وَكَذٰلِكَ قامَ ابنُ شِهابٍ الزُّهرِيُّ بِجَمعِ الحَديثِ بِأَمرٍ مِن عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَملَ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ لَم يَكُن بِدايَةَ الكِتابَةِ، بَل كانَ بِدايَةَ مَرحَلَةٍ رَسمِيَّةٍ واسِعَةٍ مِن جَمعِ ما كانَ مَكتوبًا وَمَحفوظًا وَمُتَداوَلًا قَبلَ ذٰلِكَ.
❁ وَعَن مَعمَرٍ أَنَّ دَواوينَ حَديثِ الزُّهرِيِّ حُمِلَت عَلَى عِدَّةِ رَواحِلَ [تَذكِرَةُ الحُفّاظِ]. وَهٰذا يَكشِفُ عَن ضَخامَةِ المادَّةِ المَكتوبَةِ الَّتِي جَمَعَها الزُّهرِيُّ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ تَدوينَ الحَديثِ فِي زَمانِهِ لَم يَكُن مُقتَصِرًا عَلَى صُحُفٍ قَليلَةٍ، بَل تَحَوَّلَ إِلَى دَواوينَ كَثيرَةٍ تَحتاجُ إِلَى عِدَّةِ رَواحِلَ لِحَملِها.
❁ وَقَد تُوفِّيَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ سَنَةَ إِحدى وَمِئَةٍ لِلهِجرَةِ؛ أَي: بَعدَ وَفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَقَلَّ مِن تِسعينَ سَنَةً. وَهٰذا التّارِيخُ وَحدَهُ كافٍ فِي إِبطالِ دَعوى مَن زَعَمَ أَنَّ الحَديثَ لَم يُكتَب إِلَّا بَعدَ قَرنَينِ مِن وَفاتِهِ ﷺ.
❁ فَهٰذِهِ المُقتَطَفاتُ مِن أَخبارِ التَّابِعينَ، عَلَى ما فِيها مِنَ الإِيجازِ، كافِيَةٌ فِي إِثباتِ أَنَّ كِتابَةَ الحَديثِ فِي عَصرِهِم كانَت واسِعَةَ الِانتِشارِ، مُتَنَوِّعَةَ الصُّوَرِ؛ فَمِنهَا الكِتابَةُ الفَردِيَّةُ، وَالإِملاءُ عَلَى التَّلامِيذِ، وَنَسخُ كُتُبِ الشُّيوخِ، وَعَرضُ النُّسَخِ عَلَيهِم، وَالرُّجوعُ إِلَى الصُّحُفِ عِندَ النِّسيانِ، وَجَمعُ السُّنَنِ فِي دَواوينَ واسِعَةٍ.
❁ وَإِذا نَظَرنا فِي سِنِي وَفَياتِ هٰؤُلاءِ الأَئِمَّةِ، تَبَيَّنَ لَنا أَنَّ أَكثَرَ هٰذِهِ الوَقائِعِ وَقَعَ قَبلَ مُضِيِّ مِئَةِ عامٍ عَلَى وَفاةِ النَّبِيِّ ﷺ، بَل إِنَّ بَعضَها وَقَعَ فِي العُقودِ الأُولى مِن هٰذِهِ المُدَّةِ. فَسالِمُ بنُ أَبِي الجَعدِ وَعُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ تُوفِّيَا سَنَةَ إِحدى وَمِئَةٍ، وَعَطاءٌ سَنَةَ أَربَعَ عَشرَةَ وَمِئَةٍ، وَنافِعٌ سَنَةَ سَبعَ عَشرَةَ وَمِئَةٍ، وَالزُّهرِيُّ سَنَةَ أَربَعٍ وَعِشرينَ وَمِئَةٍ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ القَولَ بِأَنَّ كِتابَةَ الحَديثِ لَم تَظهَر إِلَّا فِي زَمَنٍ مُتَأَخِّرٍ جِدًّا قَولٌ تُكَذِّبُهُ التَّوارِيخُ الثّابِتَةُ وَالأَخبارُ المُتَضافِرَةُ. وَالحَقيقَةُ أَنَّ عَصرَ التَّابِعينَ شَهِدَ اتِّساعَ ما بَدَأَ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ وَعَصرِ الصَّحابَةِ، ثُمَّ جاءَ أَمرُ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ لِيَجمَعَ هٰذِهِ الجُهودَ وَيُنَظِّمَها وَيُوَسِّعَ نِطاقَها، لَا لِيُنشِئَ كِتابَةَ الحَديثِ مِن عَدَمٍ.
*❖ رَابِعًا: الكِتابَةُ فِي عَصرِ تابِعِي التَّابِعينَ وَبِدايَةُ التَّدوينِ المُنَظَّمِ*
❁ وَلنَمضِ بَعدَ ذٰلِكَ إِلَى عَصرِ أَتباعِ التَّابِعينَ، فَنَجِدُ أَنَّ أَخبارَ كِتابَةِ الحَديثِ فِيهِ أَكثَرُ وَأَوفَرُ مِمّا كانَ فِي العُصورِ الَّتِي سَبَقَتهُ، وَنَجِدُ أَنَّ تَقييدَ السُّنَّةِ قَد أَخَذَ يَتَّسِعُ وَيَنتَظِمُ، وَأَنَّ دَواوينَ الحَديثِ وَكُتُبَهُ قَد تَكاثَرَت وَانتَشَرَت فِي مُختَلَفِ الأَمصارِ، حَتَّى إِنَّ بَعضَها بَقِيَ مَحفوظًا عَلَى مَرِّ العُصورِ وَكَرِّ الدُّهورِ، وَوَصَلَ إِلَى أَيدِينا.
❁ وَقَدِ استَمَرَّت فِي هٰذا العَصرِ عادَةُ كِتابَةِ الحَديثِ عَن سَماعِ الشَّيخِ المُحَدِّثِ، وَنَسخِ كُتُبِهِ، وَمُقابَلَتِها وَضَبطِها، غَيرَ أَنَّ هٰذِهِ المَرحَلَةَ امتازَت أَيضًا بِظُهورِ التَّأليفِ الفَنِّيِّ، وَالتَّصنيفِ عَلَى الأَبوابِ وَالمَوضوعاتِ، وَجَمعِ الأَحاديثِ فِي كُتُبٍ مُستَقِلَّةٍ ذاتِ مَناهِجَ واضِحَةٍ وَتَرتيبٍ مُنَظَّمٍ.
❁ فَقَد قالَ مُحَمَّدُ بنُ بَشيرٍ: «كانَ عِندَ مِسعَرٍ نَحوُ أَلفِ حَديثٍ، فَكَتَبتُها سِوَى عَشَرَةٍ» [تَذكِرَةُ الحُفّاظِ]. وَقَد تُوفِّيَ مِسعَرٌ سَنَةَ خَمسٍ وَخَمسينَ وَمِئَةٍ لِلهِجرَةِ. وَفِي هٰذا دَليلٌ عَلَى أَنَّ مَروِيّاتِ الشَّيخِ كانَت تُجمَعُ وَتُستَوعَبُ بِالكِتابَةِ، حَتَّى لَا يَفوتَ مِنها إِلَّا القَليلُ.
❁ وَقالَ عَبدُ الرَّزّاقِ: «كَتَبتُ عَن مَعمَرٍ عَشَرَةَ آلافِ حَديثٍ» [تَذكِرَةُ الحُفّاظِ]. وَقَد تُوفِّيَ مَعمَرُ بنُ راشِدٍ سَنَةَ ثَلاثٍ وَخَمسينَ وَمِئَةٍ. وَهٰذا العَدَدُ الكَبيرُ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ المادَّةِ المَكتوبَةِ، وَعَلَى أَنَّ التَّلميذَ كانَ يَستَوعِبُ مَروِيّاتِ شَيخِهِ فِي صُحُفٍ وَكُتُبٍ مَحفوظَةٍ.
❁ وَقالَ أَبو داوُدَ: «لَم يَكُن لِحَمّادِ بنِ سَلَمَةَ كِتابٌ إِلَّا كِتابُ قَيسِ بنِ سَعدٍ» [تَذكِرَةُ الحُفّاظِ]. وَالمَقصودُ أَنَّ الكُتُبَ الَّتِي كانَ يَعتَمِدُ عَلَيها قَليلَةٌ بِالنِّسبَةِ إِلَى سَعَةِ مَحفوظِهِ، لا أَنَّهُ لَم يَكُن يَعرِفُ الكِتابَةَ أَو لَم تُكتَب عَنهُ الأَحاديثُ؛ فَقَد كانَ حَمّادٌ مِن أَوعِيَةِ الحَديثِ وَمِن أَكثَرِ أَهلِ عَصرِهِ رِوايَةً.
❁ وَقالَ إِبراهيمُ بنُ موسى: «قَدِمَ سُفيانُ الثَّورِيُّ اليَمَنَ، فَقالَ: اطلُبوا لِي كاتِبًا سَريعَ الخَطِّ، فَارتادُونِي، وَكُنتُ أَكتُبُ» [تَذكِرَةُ الحُفّاظِ]. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُحَدِّثَ كانَ يَستَعينُ بِالكاتِبِ السَّريعِ لِتَقييدِ ما يُمليهِ مِنَ الحَديثِ، وَأَنَّ الكِتابَةَ أَصبَحَت عَمَلًا عِلمِيًّا مُنَظَّمًا تَتَطَلَّبُ مَن يُحسِنُها وَيُتقِنُها.
❁ وَقالَ أَبو نُعَيمٍ: «كَتَبتُ عَن أَزيَدَ مِن مِئَةِ شَيخٍ». وَفِي هٰذا تَصويرٌ لِسَعَةِ الرِّحلَةِ فِي طَلَبِ الحَديثِ، وَكَثرَةِ الشُّيوخِ الَّذِينَ كانَ الطّالِبُ يَكتُبُ عَنهُم، وَيَجمَعُ مَروِيّاتِهِم فِي كُتُبِهِ وَصُحُفِهِ.
❁ وَكَتَبَ شُعَيبُ بنُ أَبِي حَمزَةَ لِلخَليفَةِ هِشامِ بنِ عَبدِ المَلِكِ شَيئًا كَثيرًا بِإِملاءِ الزُّهرِيِّ عَلَيهِ. وَقالَ أَبو زُرعَةَ الدِّمَشقِيُّ: سَمِعتُ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ يَقولُ: «رَأَيتُ كُتُبَ شُعَيبِ بنِ أَبِي حَمزَةَ، فَرَأَيتُ كُتُبًا مَضبوطَةً مُقَيَّدَةً». وَقَد تُوفِّيَ شُعَيبٌ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ وَمِئَةٍ.
❁ وَفِي هٰذِهِ الشَّهادَةِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ العِنايَةَ بِالكُتُبِ لَم تَكُن مُقتَصِرَةً عَلَى كَثرَةِ ما تَشتَمِلُ عَلَيهِ مِنَ الأَحاديثِ، بَل كانَت تَشمَلُ ضَبطَها وَتَقييدَها وَتَصحيحَها وَإِحكامَ نُسَخِها؛ لِتَسلَمَ مِنَ التَّصحيفِ وَالتَّحريفِ.
❁ وَكانَ أَبو عَوانَةَ الوَضّاحُ يَقرَأُ وَلَا يُحسِنُ الكِتابَةَ، فَكانَ يَستَعينُ بِمَن يَكتُبُ لَهُ، وَتُوفِّيَ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ وَمِئَةٍ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَن لَم يَتَيَسَّر لَهُ أَن يَكتُبَ بِيَدِهِ لَم يَترُكِ التَّقييدَ، بَل كانَ يَستَكتِبُ غَيرَهُ؛ حِرصًا عَلَى حِفظِ مَروِيّاتِهِ.
❁ وَكانَ عِندَ عَبدِ اللهِ بنِ لَهِيعَةَ أَيضًا كُتُبٌ وَأُصولٌ، فَقالَ عُثمانُ بنُ صالِحٍ: «كَتَبتُ كِتابَ عِمارَةَ بنِ غَزِيَّةَ مِن أَصلِهِ». وَقَد تُوفِّيَ ابنُ لَهِيعَةَ سَنَةَ أَربَعٍ وَسَبعينَ وَمِئَةٍ. وَقَولُهُ: «مِن أَصلِهِ» يَدُلُّ عَلَى وُجودِ نُسَخٍ أَصلِيَّةٍ مُعتَمَدَةٍ يُرجَعُ إِلَيها عِندَ النَّسخِ وَالمُقابَلَةِ.
❁ وَكانَ لِسُلَيمانَ بنِ بِلالٍ، المُتَوَفَّى سَنَةَ ثَلاثٍ وَسَبعينَ وَمِئَةٍ، كُتُبٌ مَحفوظَةٌ، فَلَمَّا حَضَرَتهُ الوَفاةُ أَوصى بِها إِلَى عَبدِ العَزيزِ بنِ أَبِي حازِمٍ. وَهٰذا يُبَيِّنُ أَنَّ كُتُبَ الحَديثِ كانَت تُعَدُّ مِن نَفائِسِ التَّرِكاتِ العِلمِيَّةِ، فَيُوصَى بِها إِلَى أَهلِ العِلمِ وَالثِّقَةِ؛ صِيانَةً لَها وَحِفظًا لِمادَّتِها.
❁ وَقالَ أَبو حاتِمٍ الرّازِيُّ: إِنَّ أَبا نُعَيمٍ كَتَبَ عَن عَبدِ السَّلامِ بنِ حَربٍ أُلوفًا مِنَ الأَحاديثِ، وَقَد تُوفِّيَ عَبدُ السَّلامِ سَنَةَ سَبعٍ وَثَمانينَ وَمِئَةٍ. وَهٰذا يُؤَكِّدُ استمرارَ الكِتابَةِ عَنِ الشُّيوخِ وَاستِيعابَ مَروِيّاتِهِم فِي أُصولٍ واسِعَةٍ.
❁ وَكانَ فِي كُتُبِ عَبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ الَّتِي حَدَّثَ بِها نَحوٌ مِن عِشرينَ أَلفَ حَديثٍ، وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى ضَخامَةِ المادَّةِ الَّتِي جَمَعَها وَدَوَّنَها، وَعَلَى أَنَّ الكُتُبَ فِي ذٰلِكَ العَصرِ بَلَغَت أَحجامًا كَبيرَةً وَمَضامينَ واسِعَةً.
❁ وَكانَ عِندَ مُحَمَّدِ بنِ جَعفَرٍ المَعرُوفِ بِغُندَرٍ كُتُبٌ مَضبوطَةٌ، فَقالَ يَحيى بنُ مَعينٍ: «كانَ غُندَرٌ أَصَحَّ النّاسِ كِتابًا». وَقالَ عَبدُ الرَّحمٰنِ بنُ مَهدِيٍّ: «كُنّا نَستَفيدُ مِن كُتُبِ غُندَرٍ فِي حَياةِ شُعبَةَ». وَقَد تُوفِّيَ غُندَرٌ سَنَةَ ثَلاثٍ وَتِسعينَ وَمِئَةٍ.
❁ وَهٰذِهِ الشَّهادَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكُتُبَ كانَت تُفاضَلُ مِن جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالضَّبطِ، وَأَنَّ نُقّادَ الحَديثِ كانُوا يَعرِفونَ أَصَحَّ النُّسَخِ وَأَتقَنَها، وَيَرجِعونَ إِلَيها لِلمُقارَنَةِ وَالتَّصحيحِ، حَتَّى فِي حَياةِ الشَّيخِ الَّذي رُوِيَت عَنهُ.
❁ وَإِلَى جانِبِ هٰذِهِ الكِتابَةِ المُباشِرَةِ عَنِ الشُّيوخِ، ظَهَرَ فِي هٰذا العَصرِ نَشاطُ التَّأليفِ الفَنِّيِّ وَالتَّصنيفِ المُنَظَّمِ؛ فَلَم يَعُدِ العَمَلُ مَقصورًا عَلَى جَمعِ المَروِيّاتِ فِي صُحُفٍ مُتَفَرِّقَةٍ، بَل شَرَعَ العُلَماءُ فِي تَرتيبِها عَلَى الأَبوابِ، وَجَمعِ أَحاديثِ كُلِّ مَوضوعٍ فِي مَوضِعِهِ، وَتَأليفِ كُتُبٍ مُستَقِلَّةٍ فِي السُّنَنِ وَالمَغازِي وَالسِّيَرِ وَالزُّهدِ وَالفِتَنِ وَغَيرِ ذٰلِكَ.
❁ فَقَد قامَ بِمَكَّةَ عَبدُ المَلِكِ بنُ عَبدِ العَزيزِ بنُ جُرَيجٍ، المُتَوَفَّى سَنَةَ خَمسينَ وَمِئَةٍ، بِالتَّصنيفِ وَجَمعِ العِلمِ، وَقامَ بِاليَمَنِ مَعمَرُ بنُ راشِدٍ، المُتَوَفَّى سَنَةَ ثَلاثٍ وَخَمسينَ وَمِئَةٍ، وَبِالبَصرَةِ سَعيدُ بنُ أَبِي عَروبَةَ، المُتَوَفَّى سَنَةَ سِتٍّ وَخَمسينَ وَمِئَةٍ، وَالرَّبيعُ بنُ صَبيحٍ، المُتَوَفَّى سَنَةَ إِحدى وَأَربَعينَ وَمِئَةٍ، فَصَنَّفُوا وَجَمَعُوا الأَحاديثَ وَالآثارَ.
❁ وَفِي المَغازِي وَالسِّيَرِ صَنَّفَ مُوسى بنُ عُقبَةَ، المُتَوَفَّى سَنَةَ إِحدى وَأَربَعينَ وَمِئَةٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ إِسحاقَ، المُتَوَفَّى سَنَةَ إِحدى وَخَمسينَ وَمِئَةٍ، فَجَمَعا أَخبارَ السِّيرَةِ وَالمَغازِي وَرَتَّباها وَدَوَّناها.
❁ وَتَلا هٰؤُلاءِ أَئِمَّةٌ كِبارٌ فِي مُختَلَفِ الأَمصارِ؛ فَصَنَّفَ بِالشّامِ الإِمامُ الأَوزاعِيُّ، المُتَوَفَّى سَنَةَ سَبعٍ وَخَمسينَ وَمِئَةٍ، وَفِي خُراسانَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ، المُتَوَفَّى سَنَةَ إِحدى وَثَمانينَ وَمِئَةٍ، وَفِي البَصرَةِ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ، المُتَوَفَّى سَنَةَ سَبعٍ وَسِتِّينَ وَمِئَةٍ، وَفِي الكوفَةِ سُفيانُ الثَّورِيُّ، المُتَوَفَّى سَنَةَ إِحدى وَسِتِّينَ وَمِئَةٍ.
❁ وَفِي هٰذا العَصرِ نَفسِهِ أَلَّفَ الإِمامُ مالِكُ بنُ أَنَسٍ كِتابَهُ المَشهورَ «المُوَطَّأَ»، فَطَارَ صِيتُهُ فِي الآفاقِ، وَتَلَقّاهُ العُلَماءُ بِالقَبولِ وَالعِنايَةِ، وَكانَت وَفاةُ الإِمامِ مالِكٍ، رَحِمَهُ اللهُ، سَنَةَ تِسعٍ وَسَبعينَ وَمِئَةٍ.
❁ وَأَلَّفَ أَبو مَعشَرٍ السِّندِيُّ كِتابًا فِي المَغازِي، وَتُوفِّيَ سَنَةَ سَبعينَ وَمِئَةٍ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى استمرارِ التَّصنيفِ فِي السِّيرَةِ وَالمَغازِي وَتَعَدُّدِ الكُتُبِ فِي هٰذا الفَنِّ.
❁ وَتَلا هٰذا الجِيلَ إِبراهيمُ بنُ مُحَمَّدٍ الأَسلَمِيُّ، أُستاذُ الإِمامِ الشّافِعِيِّ، فَصَنَّفَ «مُوَطَّأً» عَلَى مِنوالِ «مُوَطَّأِ» مالِكٍ. وَقالَ فِيهِ ابنُ عَدِيٍّ: «مُوَطَّؤُهُ أَضعافُ مُوَطَّأِ مالِكٍ». وَتُوفِّيَ إِبراهيمُ سَنَةَ أَربَعٍ وَثَمانينَ وَمِئَةٍ.
❁ وَكانَ يَحيى بنُ زَكَرِيّا بنِ أَبِي زائِدَةَ الكوفِيُّ، صاحِبُ أَبِي حَنيفَةَ، إِمامًا صاحِبَ تَصانيفَ، وَتُوفِّيَ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَمانينَ وَمِئَةٍ.
❁ وَصَنَّفَ المُعافى بنُ عِمرانَ المَوصِلِيُّ، المُتَوَفَّى سَنَةَ خَمسٍ وَثَمانينَ وَمِئَةٍ، فِي السُّنَنِ وَالزُّهدِ وَالأَدَبِ وَالفِتَنِ وَغَيرِ ذٰلِكَ، وَهٰذا يُظهِرُ اتِّساعَ مَجالاتِ التَّصنيفِ وَتَنَوُّعَ مَوضوعاتِهِ.
❁ وَكانَ لِعَبدِ الرَّحيمِ بنِ سُلَيمانَ الكِنانِيِّ أَيضًا مُصَنَّفاتٌ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَثرَةِ المُصَنِّفينَ وَتَعدُّدِ مَدارِسِهِم وَأَمصارِهِم.
❁ وَصَنَّفَ الإِمامُ أَبو يُوسُفَ يَعقوبُ بنُ إِبراهيمَ، المُتَوَفَّى سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَمانينَ وَمِئَةٍ، كِتابَ «الآثارِ»، وَكِتابَ «الخَراجِ»، وَغَيرَهُما مِنَ المُصَنَّفاتِ.
❁ وَصَنَّفَ الإِمامُ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشَّيبانِيُّ، المُتَوَفَّى سَنَةَ تِسعٍ وَثَمانينَ وَمِئَةٍ، «المُوَطَّأَ»، وَكِتابَ «الآثارِ»، وَكِتابَ «الحُجَّةِ»، وَغَيرَ ذٰلِكَ مِنَ الكُتُبِ.
❁ وَصَنَّفَ الوَليدُ بنُ مُسلِمٍ، المُتَوَفَّى سَنَةَ خَمسٍ وَتِسعينَ وَمِئَةٍ، سَبعينَ كِتابًا فِي شَتّى أَبوابِ الحَديثِ وَمَوضوعاتِهِ، وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى بُلوغِ التَّصنيفِ فِي أَواخِرِ القَرنِ الثّانِي دَرَجَةً عالِيَةً مِنَ التَّخَصُّصِ وَالتَّنَوُّعِ.
❁ وَكانَ وَكيعُ بنُ الجَرّاحِ أَيضًا صاحِبَ مُصَنَّفاتٍ فِي الحَديثِ وَالعِلمِ، وَتُوفِّيَ سَنَةَ سَبعٍ وَتِسعينَ وَمِئَةٍ.
❁ وَقامَ عَبدُ اللهِ بنُ وَهبٍ، المُتَوَفَّى سَنَةَ سَبعٍ وَتِسعينَ وَمِئَةٍ، بِتَأليفِ كُتُبٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنها: «أَهوالُ القِيامَةِ»، وَ«الجامِعُ»، وَمُوَطَّأٌ كَبيرٌ ضَخمٌ، وَغَيرُ ذٰلِكَ مِنَ المُصَنَّفاتِ.
❁ وَخَلَّفَ مُحَمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، المُتَوَفَّى سَنَةَ خَمسٍ وَتِسعينَ وَمِئَةٍ، كِتابَ «الزُّهدِ» وَكِتابَ «الدُّعاءِ»، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّأليفَ لَم يَعُد مَقصورًا عَلَى جَمعِ السُّنَنِ العامَّةِ، بَل ظَهَرَت كُتُبٌ مُتَخَصِّصَةٌ فِي الأَبوابِ وَالمَوضوعاتِ.
❁ وَلَم تَكُن جَميعُ هٰذِهِ المُصَنَّفاتِ مَفقودَةً، بَل وَصَلَ إِلَى أَيّامِنا عَدَدٌ مِن كُتُبِ ذٰلِكَ العَصرِ، أَو وَصَلَت مَوادُّها وَرِواياتُها مِن خِلالِ نُسَخٍ وَطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَمِن ذٰلِكَ «الجامِعُ» لِسُفيانَ، وَكِتابُ «الزُّهدِ وَالرَّقائِقِ» لِعَبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ، وَ«المُوَطَّأُ» لِلإِمامِ مالِكٍ، وَكِتابُ «الآثارِ» وَكِتابُ «الخَراجِ» لِأَبِي يُوسُفَ، وَ«المُوَطَّأُ» وَكِتابُ «الآثارِ» وَكِتابُ «الحُجَّةِ» لِلإِمامِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ.
❁ وَهٰذِهِ الأَخبارُ وَالمُصَنَّفاتُ تَدُلُّ دَلالَةً قاطِعَةً عَلَى أَنَّ القَرنَ الثّانِيَّ الهِجرِيَّ لَم يَكُن قَرنَ بِدايَةِ كِتابَةِ الحَديثِ، بَل كانَ قَرنَ ازدِهارِها وَاتِّساعِها وَانتِقالِها إِلَى التَّصنيفِ الفَنِّيِّ المُنَظَّمِ. فَالكِتابَةُ كانَت مَوجودَةً قَبلَ ذٰلِكَ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ وَعَصرِ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعينَ، ثُمَّ نَمَت وَتَطَوَّرَت حَتَّى ظَهَرَت هٰذِهِ الدَّواوينُ وَالمُصَنَّفاتُ الكُبرى.
❁ وَبِذٰلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ سِلسِلَةَ كِتابَةِ الحَديثِ لَم تَنقَطِع فِي عَصرٍ مِنَ العُصورِ؛ بَل بَدَأَت فِي حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاستَمَرَّت فِي عَهدِ الصَّحابَةِ، وَاتَّسَعَت فِي عَصرِ التَّابِعينَ، ثُمَّ بَلَغَت فِي عَصرِ أَتباعِ التَّابِعينَ مَرحَلَةَ التَّصنيفِ وَالتَّبويبِ وَالتَّخصُّصِ. وَعَلَى هٰذا؛ فَدَعوى أَنَّ السُّنَّةَ لَم تُكتَب إِلَّا بَعدَ قَرنَينِ دَعوى تُكَذِّبُها الكُتُبُ المَحفوظَةُ، وَالتَّوارِيخُ الثّابِتَةُ، وَالأَخبارُ المُتَضافِرَةُ، وَالمُصَنَّفاتُ الَّتِي لا يَزالُ بَعضُها بَينَ أَيدِينا إِلَى اليَومِ.
*❖ خَاتِمَةٌ*
❁ وَبَعدَ هٰذا العَرضِ المُتَّصِلِ لِمَراحِلِ كِتابَةِ الحَديثِ، بَدءًا مِن عَصرِ الرِّسالَةِ، ثُمَّ عَصرِ الصَّحابَةِ، ثُمَّ عَصرِ التَّابِعينَ وَأَتباعِهِم، يَتَبَيَّنُ بِغايَةِ الوُضوحِ أَنَّ دَعوى تَأَخُّرِ كِتابَةِ الحَديثِ إِلَى ما بَعدَ قَرنَينِ مِن وَفاةِ النَّبِيِّ ﷺ دَعوى باطِلَةٌ، لَا تَثبُتُ أَمامَ النُّقولِ الصَّحيحَةِ، وَلَا تَصمُدُ أَمامَ الاستِقراءِ التّارِيخِيِّ، وَلَا تَسلَمُ مِن مُواجَهَةِ الشَّواهِدِ الكَثيرَةِ المُتَنَوِّعَةِ الَّتِي تُثبِتُ أَنَّ كِتابَةَ الحَديثِ وَتَقييدَهُ وَحِفظَهُ وَمُراجَعَتَهُ وَجَمعَهُ وَتَصنيفَهُ قَد بَدَأَت مُبَكِّرًا جِدًّا، وَتَتابَعَت دُونَ انقِطاعٍ.
❁ فَقَد ثَبَتَ أَنَّ الحَديثَ كُتِبَ فِي حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِإِذنِهِ، وَفِي بَعضِ الأَحيانِ بِأَمرِهِ؛ ثُمَّ استَمَرَّ الصَّحابَةُ، رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم، فِي تَقييدِهِ وَمُراجَعَتِهِ وَعَرضِهِ وَتَصحيحِهِ؛ ثُمَّ اتَّسَعَتِ الكِتابَةُ فِي عَصرِ التَّابِعينَ، وَظَهَرَتِ الصُّحُفُ وَالدَّواوينُ، ثُمَّ تَطَوَّرَ الأَمرُ فِي عَصرِ أَتباعِ التَّابِعينَ إِلَى التَّصنيفِ الفَنِّيِّ، وَالتَّبويبِ، وَجَمعِ الأَحاديثِ عَلَى المَوضوعاتِ وَالأَبوابِ. فَلَم يَكُنِ التَّدوينُ المُتَأَخِّرُ ابتِداءً لِكِتابَةِ السُّنَّةِ، بَل كانَ مَرحَلَةً مُتَقَدِّمَةً مِن مَراحِلِ مَسارٍ عِلمِيٍّ بَدَأَ مُنذُ العَهدِ النَّبَوِيِّ.
❁ وَبِذٰلِكَ يَظهَرُ أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ لَم تُترَك سُدًى، وَلَم تُهمَل هَمَلًا، وَلَم تُنقَل عَن طَريقِ حِفظٍ مُجرَّدٍ مُنفَصِلٍ عَنِ المُراجَعَةِ وَالتَّوثيقِ؛ بَل أَحاطَها اللهُ تَعَالَى بِجُملَةٍ مِنَ الأَسبابِ العِلمِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ الَّتِي تَضافَرَت عَلَى حِفظِها، مِنَ الكِتابَةِ، وَالحِفظِ، وَالمُذاكَرَةِ، وَالعَرضِ، وَالمُقابَلَةِ، وَالتَّصحيحِ، وَالنَّقدِ، وَالتَّمييزِ بَينَ مَراتِبِ الرُّواةِ، وَتَتَبُّعِ الأَسانيدِ وَالمُتونِ.
❁ وَإِنَّ أَهلَ الإِنكارِ، حِينَ يَبنونَ شُبهَتَهُم عَلَى دَعوى تَأَخُّرِ التَّدوينِ، فَإِنَّهُم إِنَّما يَبنونَها إِمَّا عَلَى جَهلٍ بِحَقائِقِ التّارِيخِ، وَإِمَّا عَلَى تَجاهُلٍ مُتَعَمَّدٍ لِلوَثائِقِ وَالنُّقولِ، وَإِمَّا عَلَى رَغبَةٍ فِي إِسقاطِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ وَهَدمِ مَكانَتِها مِن أَصلِها. أَمَّا مَن قَرَأَ هٰذِهِ الأَخبارَ وَالآثارَ بِإِنصافٍ، وَنَظَرَ فِيها نَظَرَ الباحِثِ المُتَجَرِّدِ، فَإِنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ الحَديثَ النَّبَوِيَّ دَخَلَ مَيادينَ الكِتابَةِ وَالحِفظِ وَالتَّقييدِ وَالمُراجَعَةِ فِي وَقتٍ مُبَكِّرٍ جِدًّا.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَمَا ظَهَرَ فِي العُصورِ اللاحِقَةِ مِنَ الجَوامِعِ وَالمُسانيدِ وَالسُّنَنِ وَالمُصَنَّفاتِ لَم يَكُن ابتِداعًا لِمادَّةٍ لَم تَكُن مَوجودَةً مِن قَبلُ، وَلَا إِنشاءً لِحَديثٍ لَم يَكُن مَعرُوفًا، بَل كانَ جَمعًا لِمادَّةٍ مَرويَّةٍ وَمَحفوظَةٍ وَمَكتوبَةٍ، وَتَرتيبًا لَها، وَتَنقيحًا لِطُرُقِها، وَتَمييزًا لِصَحيحِها مِن ضَعيفِها، وَحِفظًا لَها فِي مُصَنَّفاتٍ أَوسَعَ وَأَشمَلَ.
❁ وَمِن هُنا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الفَرقَ كَبيرٌ بَينَ «بِدايَةِ الكِتابَةِ»، وَ«مَرحَلَةِ الجَمعِ الرَّسمِيِّ»، وَ«مَرحَلَةِ التَّصنيفِ المُنَظَّمِ»؛ فَالأُولى بَدَأَت فِي حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالثّانِيَةُ اتَّسَعَت فِي عَصرِ التَّابِعينَ، وَالثّالِثَةُ ازدَهَرَت فِي عَصرِ أَتباعِهِم. وَمَن خَلَطَ بَينَ هٰذِهِ المَراحِلِ، جَعَلَ تَأَخُّرَ التَّصنيفِ الشّامِلِ دَليلًا عَلَى عَدَمِ وُجودِ الكِتابَةِ قَبلَهُ، وَهُوَ خَطَأٌ ظاهِرٌ فِي فَهمِ التّارِيخِ وَتَحليلِ مَراحِلِهِ.
❁ وَبِهٰذِهِ الحَقائِقِ المُتَضافِرَةِ تَسقُطُ شُبهَةُ تَأَخُّرِ تَدوينِ الحَديثِ، وَيَثبُتُ أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ نُقِلَت فِي سِلسِلَةٍ مُتَّصِلَةٍ مِنَ الحِفظِ وَالكِتابَةِ وَالتَّعاهُدِ وَالنَّقدِ، وَأَنَّ العُلَماءَ لَم يَبنوا مَعرِفَتَهُم بِها عَلَى دَعاوى مُرسَلَةٍ، بَل عَلَى أُصولٍ مَكتوبَةٍ، وَمَروِيّاتٍ مُسنَدَةٍ، وَمَناهِجَ دَقيقَةٍ فِي التَّوثيقِ وَالتَّمييزِ.
❁ فَنَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يُبَصِّرَ المُسلِمينَ بِدِينِهِم، وَأَن يَرزُقَهُم فَهمَ كِتابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَأَن يَحفَظَ عَلَيهِم أُصولَ دِينِهِم، وَأَن يَرُدَّ كَيدَ المُبطِلينَ فِي نُحورِهِم، وَأَن يَجعَلَنا مِن أَهلِ الصِّدقِ وَالعِلمِ
وَالإِنصافِ وَحُسنِ الاتِّباعِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ.
وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
________________________________________
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
________________________________________
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي:
00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
________________________________________
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
________________________________________.
|
|