*كُن قُرآنِيًّا حَقًّا بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ (2)*
*❖ مُقَدِّمَةُ*
❁ الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعينَ. أَمَّا بَعدُ؛ فَقَد تَقَرَّرَ فِي الجُزءِ الأَوَّلِ أَنَّ اتِّباعَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مِن تَمامِ الِامتِثالِ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ، وَأَنَّها البَيانُ النَّبَوِيُّ الَّذِي لَا يُستَغنَى عَنهُ فِي فَهمِ أَحكامِهِ وَتَطبِيقِها.
❁ وَفِي هٰذا الجُزءِ نُواصِلُ ـ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى ـ كَشفَ الشُّبُهاتِ المُثارَةِ حَولَ السُّنَّةِ، وَبَيانَ ما أَحاطَها بِهِ الصَّحابَةُ وَالعُلَماءُ مِنَ التَّثَبُّتِ وَالعِنايَةِ، وَالرَّدَّ عَلَى دَعاوى المُنكِرِينَ بِالحُجَّةِ العِلمِيَّةِ وَالبُرهانِ الواضِحِ؛ لِيَظهَرَ أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ نُقِلَت بِأَمانَةٍ وَدِقَّةٍ، وَأَنَّ التَّمَسُّكَ بِها تَمَسُّكٌ بِهَديِ رَسولِ اللهِ ﷺ وَامتِثالٌ لِأَمرِ اللهِ تَعَالَى.
*❖ تَثَبُّتُ الصَّحابَةِ فِي نَقلِ السُّنَّةِ*
❁ يَزعُمُ بَعضُ المُشَوِّشينَ أَنَّ أَبا بَكرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، كانا يَمنَعانِ النّاسَ مِن رِوايَةِ السُّنَّةِ، أَو يُحَذِّرانِ مِنَ العَمَلِ بِحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ. وَهٰذا فَهمٌ مَقلوبٌ لِمَواقِفِهِما؛ فَإِنَّهُما لَم يَرُدّا السُّنَّةَ، وَلَم يُنكِرا حُجِّيَّتَها، بَل كانا يَحتاطانِ فِي نَقلِها، وَيَستَثبِتانِ مِنَ الرّاوي عِندَ الحاجَةِ؛ حِفاظًا عَلَى حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنَ الخَطَإِ وَالوَهمِ وَالكَذِبِ.
❁ وَالفَرقُ كَبيرٌ بَينَ رَدِّ السُّنَّةِ، وَبَينَ التَّثَبُّتِ مِن صِحَّةِ نِسبَتِها إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَرادُّ السُّنَّةِ يَرفُضُ الحَديثَ وَلَو ثَبَتَ، أَمّا المُتَثَبِّتُ فَيَبحَثُ عَن ثُبوتِهِ، فَإِذا ثَبَتَ عِندَهُ قَبِلَهُ وَعَمِلَ بِهِ. وَهٰذا هُوَ الَّذي كانَ عَلَيهِ أَبو بَكرٍ وَعُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما.
❁ فَقَد جاءَت جَدَّةٌ إِلَى أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، تَسأَلُهُ عَن مِيراثِها، فَقالَ لَها: «ما لَكِ فِي كِتابِ اللهِ شَيءٌ، وَما عَلِمتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ شَيئًا، فَارجِعِي حَتّى أَسأَلَ النّاسَ». ثُمَّ سَأَلَ الصَّحابَةَ عَن حُكمِها.
❁ فَشَهِدَ المُغيرَةُ بنُ شُعبَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ شَهِدَ رَسولَ اللهِ ﷺ أَعطى الجَدَّةَ السُّدُسَ، فَقالَ لَهُ أَبو بَكرٍ: هَل مَعَكَ غَيرُكَ؟ فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، بِمِثلِ ذٰلِكَ، فَقَضى أَبو بَكرٍ لِلجَدَّةِ بِالسُّدُسِ.
❁ فَهَل هٰذا مَوقِفُ مَن يَرُدُّ السُّنَّةَ، أَم مَوقِفُ مَن يَتَثَبَّتُ مِنها ثُمَّ يَقضي بِها؟ لَو كانَ أَبو بَكرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، يَرفُضُ حَديثَ رَسولِ اللهِ ﷺ، لَما سَأَلَ عَنهُ، وَلَما طَلَبَ مَن يُؤَيِّدُهُ، وَلَما غَيَّرَ حُكمَهُ بَعدَ ثُبوتِ السُّنَّةِ عِندَهُ. وَلٰكِنَّهُ لَمّا ثَبَتَ لَهُ الحَديثُ أَنفَذَ حُكمَهُ، وَجَعَلَهُ أَصلًا فِي القَضاءِ.
❁ وَطَلَبُهُ شاهِدًا آخَرَ لَم يَكُن طَعنًا فِي عَدالَةِ المُغيرَةِ بنِ شُعبَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، بَل كانَ زِيادَةً فِي التَّثَبُّتِ فِي حُكمٍ يَتَعَلَّقُ بِالمَواريثِ وَحُقوقِ العِبادِ، وَتَعليمًا لِلنّاسِ أَنَّ نِسبَةَ القَولِ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ أَمرٌ عَظيمٌ لا يَنبَغي أَن يُتَساهَلَ فِيهِ.
❁ وَكَذٰلِكَ ما وَقَعَ لِعُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مَعَ أَبِي موسى الأَشعَرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ فَقَد جاءَ أَبو موسى يَستَأذِنُ عَلَى عُمَرَ، فَاستَأذَنَ ثَلاثًا، فَلَم يُؤذَن لَهُ، فَرَجَعَ. فَلَمّا عَلِمَ عُمَرُ بِرُجوعِهِ أَرسَلَ فِي طَلَبِهِ، وَقالَ لَهُ: ما مَنَعَكَ أَن تَدخُلَ؟
❁ فَقالَ أَبو موسى: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «الِاستِئذانُ ثَلاثٌ، فَإِن أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارجِع». فَقالَ لَهُ عُمَرُ: لَتَأتِيَنِّي عَلَى هٰذا بِبَيِّنَةٍ، أَو لَأَفعَلَنَّ بِكَ. فَذَهَبَ أَبو موسى إِلَى مَجلِسِ الأَنصارِ، وَأَخبَرَهُم بِما قالَ عُمَرُ.
❁ فَقالَ الأَنصارُ: لَا يَقومُ مَعَكَ إِلَّا أَصغَرُ القَومِ، فَقامَ مَعَهُ أَبو سَعيدٍ الخُدرِيُّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَشَهِدَ أَنَّهُ سَمِعَ هٰذا الحَديثَ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ. وَفِي إِرسالِ أَصغَرِ القَومِ دَليلٌ عَلَى أَنَّ الحَديثَ كانَ مَشهورًا عِندَهُم، حَتّى إِنَّ صِغارَهُم كانوا يَعرِفونَهُ.
❁ فَلَمّا ثَبَتَ الحَديثُ عِندَ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَبِلَهُ، وَلَم يَرُدَّهُ. وَقالَ لِأَبِي موسى ما مَعناهُ: «أَمَا إِنِّي لَم أَتَّهِمكَ، وَلٰكِنِّي خَشِيتُ أَن يَتَقَوَّلَ النّاسُ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ». فَصَرَّحَ بِأَنَّ مَقصودَهُ لَم يَكُن اتِّهامَ أَبِي موسى بِالكَذِبِ، بَل تَقريرَ مَنهَجِ التَّثَبُّتِ وَالاحتِياطِ فِي الحَديثِ.
❁ وَكانَ أَبو موسى الأَشعَرِيُّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مِن كِبارِ الصَّحابَةِ وَعُلَمائِهِم، وَمَعَ ذٰلِكَ طَلَبَ مِنهُ عُمَرُ مَن يُؤَيِّدُ رِوايَتَهُ؛ لِيَكونَ ذٰلِكَ أَبلَغَ فِي تَعليمِ غَيرِهِ، وَأَشدَّ رَدعًا لِمَن قَد تُحَدِّثُهُ نَفسُهُ أَن يَنسِبَ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ ما لَم يَقُلهُ.
❁ فَإِذا رَأَى النّاسُ أَنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، يَطلُبُ التَّثَبُّتَ مِمَّن هُوَ بِمَكانَةِ أَبِي موسى، عَلِمَ كُلُّ واحِدٍ أَنَّ بابَ الرِّوايَةِ لَيسَ مَفتوحًا لِلدَّعاوى المُرسَلَةِ، وَأَنَّ مَن يَروي عَن رَسولِ اللهِ ﷺ سَيُسأَلُ وَيُراجَعُ وَيُستَثبَتُ مِنهُ.
❁ وَهٰذا كُلُّهُ دَليلٌ عَلَى أَمانَةِ الصَّحابَةِ، وَشِدَّةِ حِرصِهِم عَلَى حِفظِ السُّنَّةِ، لَا عَلَى رَفضِها. فَلَو كانُوا يُريدونَ مَنعَ رِوايَتِها، لَما سَأَلوا عَنها، وَلَما طَلَبوا الشُّهودَ عَلَيها، وَلَما حَكَموا بِمُقتَضاها بَعدَ ثُبوتِها.
❁ وَلَم يَكُن طَلَبُ الشّاهِدِ عِندَهُم شَرطًا عامًّا فِي قَبولِ كُلِّ حَديثٍ؛ فَقَد قَبِلوا أَخبارَ الآحادِ الثِّقاتِ فِي مَواقِعَ كَثيرَةٍ، وَعَمِلوا بِها. وَإِنَّما كانُوا يَطلُبونَ التَّأييدَ أَحيانًا لِمَزيدٍ مِنَ الِاطمِئنانِ، أَو لِأَهمِّيَّةِ المَسأَلَةِ، أَو لِتَعليمِ النّاسِ شِدَّةَ الاحتِياطِ فِيما يُنسَبُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.
❁ وَمِن هُنا يَتَبَيَّنُ أَنَّ إِقلالَ بَعضِ الصَّحابَةِ مِنَ الرِّوايَةِ، أَو طَلَبَهُمُ التَّثَبُّتَ مِن بَعضِ الأَخبارِ، لَم يَكُن إِنكارًا لِلسُّنَّةِ، بَل كانَ مِن أَقوَى أَسبابِ حِفظِها؛ لِأَنَّهُ أَغلَقَ بابَ التَّساهُلِ، وَرَدَعَ الكاذِبينَ، وَحَمَلَ الرُّواةَ عَلَى المُراجَعَةِ وَالتَّحَرِّي وَالدِّقَّةِ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ الاستِدلالَ بِمَواقِفِ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، عَلَى أَنَّهُما مَنَعا السُّنَّةَ أَو حَذَّرا مِنَ العَمَلِ بِها استِدلالٌ باطِلٌ؛ لِأَنَّ هٰذِهِ المَواقِفَ نَفسَها تَشهَدُ بِتَعظيمِهِما لِلسُّنَّةِ، وَبِعَمَلِهِما بِها بَعدَ ثُبوتِها، وَبِحِرصِهِما عَلَى أَلَّا يُنسَبَ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ إِلَّا ما صَحَّ وَثَبَتَ.
❁ وَبِذٰلِكَ يَظهَرُ أَنَّ تَثَبُّتَ الصَّحابَةِ فِي نَقلِ الحَديثِ كانَ سِياجًا واقِيًا لِلسُّنَّةِ، وَدَليلًا عَلَى أَنَّها نُقِلَت فِي جَوٍّ مِنَ الوَرَعِ وَالدِّقَّةِ وَالمُراجَعَةِ، لَا فِي جَوٍّ مِنَ التَّساهُلِ وَالإِهمالِ.
*❖ كَشفُ الكَذِبِ وَدَفعُ شُبهَةِ المُنافِقِ المُدَّعِي لِلصُّحبَةِ*
❁ وَأَمَّا قَولُ بَعضِ رَادِّي السُّنَّةِ: إِنَّهُ قَد يَكونُ بَينَ الصَّحابَةِ مَن أَظهَرَ الإِسلَامَ وَأَبطَنَ النِّفاقَ، وَلَم يَعلَمِ الصَّحابَةُ حَقيقَةَ حالِهِ، فَيُحتَمَلُ أَن يَكذِبَ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ؛ فَهٰذِهِ شُبهَةٌ مَردودَةٌ؛ لِأَنَّ الصَّحابَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُم، كُلَّهُم عُدولٌ، وَقَد ثَبَتَت عَدالَتُهُم بِتَعدِيلِ اللهِ تَعَالَى وَرَسولِهِ ﷺ لَهُم، فَلَا يُبحَثُ فِي عَدالَةِ مَن ثَبَتَت صُحبَتُهُ، وَلَا يُتَّهَمُ فِي دِينِهِ وَرِوايَتِهِ بِغَيرِ بُرهانٍ. وَأَمَّا المُنافِقُ فَلَيسَ مِنَ الصَّحابَةِ المَمدوحينَ شَرعًا، وَإِن ظَهَرَ فِي زَمَنِهِم بِمَظهَرِ الإِسلَامِ؛ فَإِن لَم يَكُن حالُهُ قَد ظَهَرَ فِي أَوَّلِ أَمرِهِ، فَإِنَّ كَذِبَهُ وَنِفاقَهُ لَا يَلبَثانِ أَن يَظهَرا عِندَ الِاختِبارِ وَالمُراجَعَةِ، وَلَا سِيَّما إِذا تَصَدَّى لِنِسبَةِ الأَقوالِ وَالأَحكامِ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ وَذٰلِكَ لِأَنَّ رِوايَةَ الحَديثِ لَم تَكُن دَعوى مُرسَلَةً يَقولُها مَن شاءَ، ثُمَّ تَقبَلُها الأُمَّةُ مِن غَيرِ بَحثٍ وَلَا تَثَبُّتٍ؛ بَل كانَ الصَّحابَةُ يَتَعارَفونَ، وَيَعرِفُ بَعضُهُم مَجالِسَ بَعضٍ، وَمَواقِعَ حُضورِهِم مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَكانُوا يَتَذاكَرونَ الأَحاديثَ، وَيُراجِعُ بَعضُهُم بَعضًا، وَيَطلُبونَ التَّأييدَ عِندَ الحاجَةِ. فَلَو تَجَرَّأَ مُنافِقٌ مَجهولُ الحالِ عَلَى اختِلاقِ حَديثٍ، أَو نِسبَةِ حُكمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَم يَقُلهُ، لَوَجَدَ أَمامَهُ جَماعَةً مِمَّن عايَشُوا النَّبِيَّ ﷺ، وَعَرَفُوا أَقوالَهُ وَأَحوالَهُ، فَيَسأَلونَهُ عَن مَصدَرِ رِوايَتِهِ، وَيُقارِنونَها بِما حَفِظوهُ، وَيَكشِفونَ ما فِيها مِن نَكارَةٍ أَو مُخالَفَةٍ؛ فَيَظهَرُ كَذِبُهُ، وَيَنكَشِفُ نِفاقُهُ، وَيَسقُطُ خَبَرُهُ، وَلَا يَتمَكَّنُ مِن تَرويجِ باطِلِهِ بَينَهُم.
❁ وَيَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ هٰذِهِ المُراقَبَةِ أَنَّ الصَّحابَةَ كانوا يَستَثبِتونَ أَحيانًا مِن رِوايَةِ الثِّقَةِ المَعرُوفِ بِالصِّدقِ وَالفَضلِ، كَما فَعَلَ أَبو بَكرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مَعَ المُغيرَةِ بنِ شُعبَةَ، وَكَما فَعَلَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مَعَ أَبِي موسى الأَشعَرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ فَإِذا كانَ التَّثَبُّتُ يَقَعُ مَعَ أَمثالِ هٰؤُلاءِ الأَجلَّاءِ زِيادَةً فِي الِاحتِياطِ، فَكَيفَ يُتَصَوَّرُ أَن يُترَكَ مَجهولُ الحالِ، أَو مَن تَحُفُّ بِرِوايَتِهِ الرِّيبَةُ، يَنسِبُ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ ما يَشاءُ دُونَ مُراجَعَةٍ أَو نَقدٍ؟! بَل إِنَّ تَثَبُّتَ الصَّحابَةِ، وَتَداوُلَهُمُ الأَحاديثَ فِيما بَينَهُم، وَمَعرِفَتَهُم بِالرُّواةِ وَأَحوالِهِم، كانَ سِياجًا يَمنَعُ الكاذِبَ مِن أَن يَستَتِرَ طَويلًا، وَيَحولُ دُونَ أَن يَنفَرِدَ مُنافِقٌ بِاختِلاقِ خَبَرٍ، ثُمَّ يَروجَ خَبَرُهُ بَينَ الصَّحابَةِ مِن غَيرِ أَن يَظهَرَ تَناقُضُهُ وَيُفتَضَحَ كَذِبُهُ.
❁ وَيَزدادُ هٰذا المَعنَى وُضوحًا بِالنَّظَرِ إِلَى المَنهَجِ الَّذِي سَلَكَهُ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ فِي جَمعِ الرِّوَايَاتِ وَمُقَارَنَةِ بَعضِهَا بِبَعضٍ؛ فَإِنَّهُم لَم يَنظُرُوا إِلَى كُلِّ حَدِيثٍ نَظَرًا مُنعَزِلًا عَن سَائِرِ النُّصُوصِ، بَل جَمَعُوا طُرُقَهُ وَشَوَاهِدَهُ وَمُتَابَعَاتِهِ، فَقَد يَتَقَوَّى الحَدِيثُ بِغَيرِهِ إِذَا تَعَدَّدَت طُرُقُهُ وَسَلِمَت مِنَ الضَّعفِ الشَّدِيدِ، وَقَد يَكشِفُ بَعضُ الرِّوَايَاتِ وَهمًا وَقَعَ فِيهِ بَعضُ الرُّوَاةِ. وَإِذَا ظَهَرَ بَينَ نَصَّينِ تَعَارُضٌ فِي الظَّاهِرِ، نَظَرُوا فِي إِمكَانِ الجَمعِ بَينَهُمَا؛ لِأَنَّ الجَمعَ بَينَ الدَّلِيلَينِ أَولَى مِن إِهمَالِ أَحَدِهِمَا مَتَى أَمكَنَ، فَإِن تَعَذَّرَ الجَمعُ نَظَرُوا فِي النَّاسِخِ وَالمَنسُوخِ، أَو رَجَّحُوا أَثبَتَ الرِّوَايَتَينِ وَأَصَحَّهُمَا، وَرَدُّوا مَا تَبَيَّنَ شُذُوذُهُ أَو نَكَارَتُهُ أَو مُخَالَفَتُهُ لِمَا هُوَ أَوثَقُ مِنهُ.
❁ وَالشَّرِيعَةُ فِي حَقِيقَتِهَا بِنَاءٌ وَاحِدٌ مُتَمَاسِكٌ، تُفَسِّرُ نُصُوصُهَا بَعضَهَا بَعضًا، وَيَشهَدُ بَعضُهَا لِبَعضٍ، وَتَنتَظِمُ أَحكَامُهَا فِي أُصُولٍ وَقَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ لَا تَتَنَاقَضُ فِيمَا بَينَهَا. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ النَّصَّ المَوضُوعَ أَوِ المُنكَرَ لَا يَسلَمُ ـ فِي الغَالِبِ ـ مِن مُخَالَفَةِ نَصٍّ ثَابِتٍ، أَو أَصلٍ شَرعِيٍّ مُحكَمٍ، أَو مَجمُوعِ مَا عُرِفَ مِن هَديِ النَّبِيِّ ﷺ وَسُنَّتِهِ؛ فَتَظهَرُ نَكَارَتُهُ عِندَ عَرضِهِ عَلَى سَائِرِ الأَدِلَّةِ، وَعِندَ مُقَارَنَةِ لَفظِهِ وَمَعنَاهُ بِالرِّوَايَاتِ المَحفُوظَةِ. وَبِهٰذا يَضِيقُ مَجَالُ الكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ضِيقًا شَدِيدًا؛ لِأَنَّ الخَبَرَ المَكذُوبَ لَا يُترَكُ مُنفَرِدًا حَتَّى يَستَقِرَّ فِي الدِّينِ، بَل تُحَاصِرُهُ النُّصُوصُ الثَّابِتَةُ وَالقَوَاعِدُ المُحكَمَةُ، وَيَكشِفُهُ النَّقدُ وَالمُقَارَنَةُ وَجَمعُ الطُّرُقِ.
❁ فَلَو فُرِضَ أَنَّ شَخصًا أَظهَرَ الإِسلَامَ وَخَفِيَ نِفَاقُهُ، ثُمَّ نَقَلَ خَبَرًا كَذِبًا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنَّ خَبَرَهُ لَا يَكتَسِبُ القَبولَ بِمُجَرَّدِ دَعوَاهُ؛ بَل يُنظَرُ فِي حَالِ نَاقِلِهِ، وَاتِّصَالِ سَنَدِهِ، وَضَبطِ رُوَاتِهِ، وَمُوَافَقَتِهِ لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ، وَسَلَامَتِهِ مِنَ الشُّذُوذِ وَالعِلَّةِ. فَإِن خَالَفَ العَقَائِدَ الثَّابِتَةَ، أَوِ الأَحكَامَ المُحكَمَةَ، أَوِ النُّصُوصَ الأَصَحَّ وَالأَثبَتَ، رُدَّ وَلَم يُلتَفَت إِلَيهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي أُصُولِ العَقِيدَةِ وَأَبوَابِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ؛ فَإِنَّ هٰذِهِ الأَبوَابَ لَا تُبنَى عَلَى الأَخبَارِ الوَاهِيَةِ وَالرِّوَايَاتِ غَيرِ الثَّابِتَةِ.
❁ وَأَمَّا مَا رُوِيَ بِإِسنَادٍ ضَعِيفٍ فِي فَضَائِلِ الأَعمَالِ وَالتَّرغِيبِ وَالتَّرهِيبِ، وَلَم يَكُن ضَعفُهُ شَدِيدًا، وَلَم يَتَضَمَّن حُكمًا جَدِيدًا، وَلَا عَقِيدَةً مُستَقِلَّةً، وَكَانَ مَعنَاهُ دَاخِلًا تَحتَ أَصلٍ شَرعِيٍّ ثَابِتٍ؛ فَقَد رَخَّصَ جَمعٌ مِن أَهلِ العِلمِ فِي رِوَايَتِهِ وَالعَمَلِ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاحتِيَاطِ وَالرَّجَاءِ، مِن غَيرِ جَزمٍ بِنِسبَتِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَالعَمَلُ حِينَئِذٍ لَيسَ مَبنِيًّا عَلَى الخَبَرِ الضَّعِيفِ وَحدَهُ، بَل عَلَى الأَصلِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَندَرِجُ ذٰلِكَ العَمَلُ تَحتَهُ؛ فَإِن دَعَا الخَبَرُ إِلَى صَدَقَةٍ أَو ذِكرٍ أَو إِحسَانٍ ثَبَتَ فَضلُهُ بِأَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ، لَم يَكُن فِيهِ تَشرِيعُ عِبَادَةٍ مُستَحدَثَةٍ، بَل تَرغِيبٌ فِي أَصلٍ مَشرُوعٍ مِن قَبلُ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ إِلَى السُّنَّةِ يَكونُ بِجَمعِ نُصُوصِهَا وَمُرَاعَاةِ مَرَاتِبِهَا، لَا بِاجتِزَاءِ خَبَرٍ وَالنَّظَرِ إِلَيهِ مُنفَرِدًا عَن سَائِرِ الأَدِلَّةِ. فَمَا وَافَقَ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ وَالأُصُولَ المُحكَمَةَ، وَثَبَتَ بِطَرِيقٍ مُعتَبَرٍ، قُبِلَ وَعُمِلَ بِهِ، وَمَا خَالَفَهَا أَو عَارَضَ مَا هُوَ أَثبَتُ مِنهُ رُدَّ أَو حُمِلَ عَلَى وَجهٍ يَزُولُ بِهِ التَّعَارُضُ إِن أَمكَنَ. وَبِهٰذَا المَنهَجِ المُتكَامِلِ حُفِظَتِ الشَّرِيعَةُ مِن دَخِيلِ الكَذِبِ وَالوَهمِ، وَبَطَلَت بِذٰلِكَ شُبهَةُ مَن زَعَمَ أَنَّ خَبَرًا مَكذُوبًا، يَروِيهِ مُنافِقٌ يَدَّعِي الصُّحبَةَ وَيَخفَى حالُهُ، يُمكِنُ أَن يَتَسَلَّلَ إِلَى الدِّينِ، ثُمَّ يَستَقِرَّ فِيهِ دُونَ أَن تَكشِفَ كَذِبَهُ سَائِرُ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ، وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ المُحكَمَةُ، وَقَوَاعِدُ النَّقدِ وَالمُقارَنَةِ وَالتَّثَبُّتِ.
*❖ هَلِ التَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ يُفَرِّقُ الأُمَّةَ؟*
❁ مِنَ العَجيبِ قَولُ بَعضِ رادِّي السُّنَّةِ: إِنَّ التَّمَسُّكَ بِسُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَقَبولَ الأَحاديثِ الصَّحيحَةِ عَنهُ، يُؤَدِّيانِ إِلَى تَفريقِ الأُمَّةِ؛ لِأَنَّ الأَحاديثَ ـ عَلَى زَعمِهِم ـ كانَت سَبَبًا فِي اختِلافِ الفُقَهاءِ وَتَعَدُّدِ مَذاهِبِهِم.
❁ وَهٰذا قَولٌ باطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَخلِطُ بَينَ الِاختِلافِ الفِقهِيِّ المُعتَبَرِ، وَبَينَ التَّنازُعِ المَذمومِ وَالتَّفَرُّقِ فِي أُصولِ الدِّينِ. فَلَيسَ كُلُّ اختِلافٍ شَرًّا، وَلَا كُلُّ تَعَدُّدٍ فِي الاجتِهادِ يُعَدُّ فُرقَةً؛ بَل كَثيرٌ مِنِ اختِلافِ الفُقَهاءِ هُوَ اختِلافُ تَنَوُّعٍ وَاجتِهادٍ، لا اختِلافُ تَضادٍّ وَتَباغُضٍ.
❁ وَقَد يَختَلِفُ العُلَماءُ فِي فَهمِ دَلالَةِ الحَديثِ، أَو فِي ثُبوتِ بَعضِ طُرُقِهِ، أَو فِي الجَمعِ بَينَهُ وَبَينَ غَيرِهِ مِنَ النُّصوصِ، أَو فِي مَعرِفَةِ العامِّ وَالخاصِّ، وَالمُطلَقِ وَالمُقَيَّدِ، وَالنّاسِخِ وَالمَنسوخِ. وَهٰذا كُلُّهُ مِن طَبيعَةِ الاجتِهادِ العِلمِيِّ، وَلا يَقدَحُ فِي وَحدَةِ الأُمَّةِ ما دامَ أَهلُهُ مُجتَمِعينَ عَلَى أُصولِ الإِيمانِ، وَعَلَى تَعظيمِ الكِتابِ وَالسُّنَّةِ.
❁ وَالِاختِلافُ الفِقهِيُّ المُعتَبَرُ لَم يَمنَعِ العُلَماءَ مِنَ التَّراحُمِ وَالتَّناصُحِ وَالصَّلاةِ بَعضِهِم خَلفَ بَعضٍ، وَلَم يَجعَل كُلَّ فَريقٍ مِنهُم يَخرُجُ مِن دِينِ الآخَرِ أَو يَقطَعُ صِلَتَهُ بِهِ. فَهُوَ اختِلافٌ داخِلَ دائِرَةِ الشَّريعَةِ، لا خُروجٌ عَنها، وَمَبنِيٌّ عَلَى طَلَبِ الحَقِّ مِنَ الأَدِلَّةِ، لا عَلَى رَدِّ الوَحيِ وَاتِّباعِ الهَوى.
❁ ثُمَّ إِنَّ دَعوى أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الَّتي أَنتَجَتِ الِاختِلافَ تَتَجاهَلُ أَنَّ النّاسَ قَد يَختَلِفونَ فِي فَهمِ آياتِ القُرآنِ نَفسِهِ، وَفِي دَلالاتِ أَلفاظِهِ، وَفِي تَنزيلِ أَحكامِهِ عَلَى الوَقائِعِ. فَهَل يَقتَضي ذٰلِكَ رَدَّ القُرآنِ؟ كَلّا، بَل يَقتَضي الرُّجوعَ إِلَى أُصولِ الفَهمِ الصَّحيحِ، وَإِلَى أَهلِ العِلمِ وَالِاختِصاصِ. وَكَذٰلِكَ الشَّأنُ فِي السُّنَّةِ.
❁ وَأَمَّا الَّذي يُفَرِّقُ الأُمَّةَ حَقًّا، فَهُوَ دَعوَةُ النّاسِ إِلَى رَدِّ سُنَّةِ نَبِيِّهِم ﷺ، وَقَطعُ صِلَتِهِم بِبَيانِهِ وَهَديِهِ وَسيرَتِهِ؛ لِأَنَّ مَن رَفَضَ السُّنَّةَ فَتَحَ البابَ لِكُلِّ شَخصٍ أَن يَفهَمَ القُرآنَ عَلَى وَفقِ هَواهُ، وَأَن يَستَنبِطَ مِنَ الدِّينِ ما يَشاءُ دُونَ مِعيارٍ جامِعٍ أَو بَيانٍ نَبَوِيٍّ مُلزِمٍ.
❁ فَبِرَدِّ السُّنَّةِ تَتَعَدَّدُ الأَهواءُ وَالتَّفسيراتُ بِعَدَدِ الأَشخاصِ، وَيَصيرُ لِكُلِّ إِنسانٍ دِينٌ يَصوغُهُ وَفقَ رَأيِهِ. أَمَّا السُّنَّةُ فَتَردُّ النّاسَ إِلَى بَيانِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَجمَعُهُم عَلَى النَّموذَجِ العَمَلِيِّ الَّذي عَلَّمَهُ لِأَصحابِهِ وَنَقَلَتهُ الأُمَّةُ جيلًا بَعدَ جيلٍ.
❁ وَكَيفَ يَكونُ اتِّباعُ رَسولِ اللهِ ﷺ سَبَبًا لِلفُرقَةِ، وَقَد جَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَديَهُ صِراطًا مُستَقيمًا، فَقالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهدِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾ [الشُّورى: ٥٢]؟ فَهَديُ النَّبِيِّ ﷺ هِدايَةٌ إِلَى الصِّراطِ المُستَقيمِ، وَلا يُمكِنُ أَن يَكونَ ما يَهدِي إِلَى الصِّراطِ سَبَبًا فِي الضَّلالِ وَالتَّفَرُّقِ.
❁ وَقَد حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى مِن مُخالَفَةِ أَمرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ﴿فَليَحذَرِ الَّذينَ يُخالِفونَ عَن أَمرِهِ أَن تُصيبَهُم فِتنَةٌ أَو يُصيبَهُم عَذابٌ أَليمٌ﴾ [النُّور: ٦٣]. فَالآيَةُ تَجعَلُ مُخالَفَةَ أَمرِ الرَّسولِ ﷺ سَبَبًا لِلفِتنَةِ وَالعَذابِ، لا التَّمَسُّكَ بِأَمرِهِ وَاتِّباعَ سُنَّتِهِ.
❁ وَمِن هُنا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الفِتنَةَ الحَقيقِيَّةَ لا تَنتُجُ مِنَ اتِّباعِ السُّنَّةِ، بَل مِن مُخالَفَتِها وَإِعراضِ النّاسِ عَنها. فَكُلَّما بَعُدَ النّاسُ عَن بَيانِ النَّبِيِّ ﷺ، اتَّسَعَ مَجالُ الأَهواءِ، وَاشتَدَّ التَّنازُعُ، وَضَعُفَ المِعيارُ الَّذي يَرجِعونَ إِلَيهِ عِندَ الِاختِلافِ.
❁ وَقَد أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبادَهُ بِالِاعتِصامِ بِحَبلِهِ، وَنَهاهُم عَنِ التَّفَرُّقِ، وَلا يَتِمُّ الِاعتِصامُ بِوَحيِهِ إِلَّا بِالِاعتِصامِ بِكِتابِهِ وَبِسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ هِيَ البَيانُ المُعصومُ لِلكِتابِ، وَهِيَ الَّتي تَشرَحُ أَوامِرَهُ وَتُفَصِّلُ أَحكامَهُ وَتُبَيِّنُ سُبُلَ تَطبيقِهِ.
❁ وَلا يَلزَمُ مِن وُجودِ اجتِهاداتٍ فِقهِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَن تَتَفَرَّقَ القُلوبُ أَو تَتَنازَعَ الأُمَّةُ؛ فَقَد تَتَعَدَّدُ الطُّرُقُ الاجتِهادِيَّةُ، وَيَبقَى الأَصلُ واحِدًا، وَالقِبلَةُ واحِدَةً، وَالنَّبِيُّ المُتَّبَعُ واحِدًا، وَالكِتابُ وَالسُّنَّةُ مَرجِعَ الجَميعِ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ دَعوى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالسُّنَّةِ يُفَرِّقُ الأُمَّةَ دَعوى مَقلوبَةٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الَّتي تَجمَعُ النّاسَ عَلَى هَديِ نَبِيِّهِم ﷺ، وَتَضبِطُ فَهمَهُم لِلقُرآنِ، وَتَحُولُ دُونَ تَحكيمِ الأَهواءِ وَالآراءِ المُجَرَّدَةِ فِي الدِّينِ.
❁ أَمَّا رَدُّ السُّنَّةِ، فَهُوَ الَّذي يَقطَعُ الأُمَّةَ عَن سِيرَةِ نَبِيِّها وَتَفسيرِهِ وَتَطبيقِهِ لِلكِتابِ، وَيَفتَحُ أَبوابَ التَّناقُضِ وَالاضطِرابِ وَالتَّفَرُّقِ. فَالعِصمَةُ مِنَ الفُرقَةِ لَيسَت فِي تَركِ السُّنَّةِ، بَل فِي حُسنِ فَهمِها، وَاتِّباعِها، وَالِاعتِصامِ بِها مَعَ كِتابِ اللهِ تَعَالَى.
*❖ شُبهَةُ أَنَّ السُّنَّةَ كَتَبَهَا العَجَمُ*
❁ يَزعُمُ بَعضُ رادِّي السُّنَّةِ أَنَّ الَّذينَ كَتَبوا الحَديثَ وَدَوَّنوا السُّنَّةَ كانُوا مِنَ العَجَمِ، ثُمَّ يَبنُونَ عَلَى ذٰلِكَ دَعوى أَنَّهُم كانوا مُتَآمِرينَ عَلَى الإِسلامِ، أَو أَنَّ ما دَوَّنوهُ لا يُوثَقُ بِهِ. وَهٰذِهِ شُبهَةٌ ساقِطَةٌ، تَجمَعُ بَينَ الجَهلِ بِالتّاريخِ، وَالتَّعَصُّبِ لِلعِرقِ، وَالطَّعنِ فِي عُلَماءِ الأُمَّةِ بِلا بُرهانٍ.
❁ وَأَوَّلُ ما يُقالُ فِي رَدِّها: إِنَّ السُّنَّةَ لَم يَكتُبها العَجَمُ وَحدَهُم، بَل خَدَمَها عُلَماءُ العَرَبِ وَغَيرِ العَرَبِ، وَاشتَرَكَ فِي حِفظِها وَتَدوينِها وَنَقدِها أَئِمَّةٌ مِن مُختَلَفِ القَبائِلِ وَالبُلدانِ. فَمِن أَئِمَّةِ الحَديثِ العَرَبِ الإِمامُ مالِكُ بنُ أَنَسٍ، وَالإِمامُ الشّافِعِيُّ، وَالحُمَيدِيُّ القُرَشِيُّ، وَالإِمامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، وَغَيرُهُم مِن أَئِمَّةِ الحِجازِ وَالعِراقِ وَالشّامِ.
❁ وَكَما كانَ فِي خُدّامِ السُّنَّةِ عَرَبٌ، كانَ فِيهِم أَئِمَّةٌ مِن غَيرِ العَرَبِ، شَرَّفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِحِفظِ دِينِهِ، وَخِدمَةِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ. وَلا يَقدَحُ فِي عِلمِ العالِمِ وَلا فِي أَمانَتِهِ أَن يَكونَ عَرَبِيًّا أَو أَعجَمِيًّا؛ فَالعِبرَةُ فِي الإِسلامِ بِالإِيمانِ وَالتَّقوى وَالعِلمِ وَالصِّدقِ وَالضَّبطِ، لا بِالأَنسابِ وَالأَلوانِ وَاللُّغاتِ.
❁ وَإِنَّ جَعلَ العُجمَةِ تُهمَةً فِي نَفسِها مُخالَفٌ لِأُصولِ الإِسلامِ؛ فَإِنَّ الإِسلامَ لَم يَجعَل الفَضلَ لِجِنسٍ عَلَى جِنسٍ، وَلَا لِلُغَةٍ عَلَى لُغَةٍ، بَل قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقَاكُم﴾. فَمَن كانَ أَتقَى للهِ، وَأَعلَمَ بِدِينِهِ، وَأَصدَقَ فِي نَقلِهِ، فَهُوَ أَكرَمُ وَأَرفَعُ، سَواءٌ أَكانَ عَرَبِيًّا أَم أَعجَمِيًّا.
❁ وَقَد بَيَّنَ رَسولُ اللهِ ﷺ بُطلانَ التَّفاخُرِ بِالأَنسابِ وَالأَجناسِ، وَأَنَّ مِعيارَ الفَضلِ هُوَ التَّقوى. فَكَيفَ يُجعَلُ مُجَرَّدُ كَونِ العالِمِ غَيرَ عَرَبِيٍّ دَليلًا عَلَى أَنَّهُ مُتَآمِرٌ عَلَى الإِسلامِ؟ وَأَيُّ مَنطِقٍ يَقبَلُ أَن يُتَّهَمَ الإِنسانُ فِي دِينِهِ وَأَمانَتِهِ بِسَبَبِ أَصلِهِ أَو لُغَتِهِ؟
❁ ثُمَّ إِنَّ هٰذِهِ الشُّبهَةَ تَغفُلُ عَن حَقيقَةٍ واضِحَةٍ، وَهِيَ أَنَّ كُتُبَ السُّنَّةِ لَم تُقبَل لِأَنَّ مُصَنِّفَها عَرَبِيٌّ أَو أَعجَمِيٌّ، بَل قُبِلَت لِما بَنَت عَلَيهِ مِن أَسانيدَ مَعلُومَةٍ، وَرُواةٍ مَعروفينَ، وَمَناهِجَ دَقيقَةٍ فِي التَّوثيقِ وَالنَّقدِ وَالمُقارَنَةِ. فَالاحتِجاجُ بِالحَديثِ لا يَقومُ عَلَى نَسَبِ المُصَنِّفِ، بَل عَلَى صِحَّةِ الإِسنادِ، وَثِقَةِ الرُّواةِ، وَسَلامَةِ المَتنِ مِنَ الشُّذوذِ وَالعِلَّةِ.
❁ وَلَو كانَ مِعيارُ القَبولِ وَالرَّدِّ هُوَ الجِنسَ وَالنَّسَبَ، لَبَطَلَت أَبوابٌ كَثيرَةٌ مِن عُلومِ الإِسلامِ؛ فَقَد خَدَمَ العَجَمُ عُلومَ العَرَبِيَّةِ وَالتَّفسيرِ وَالفِقهِ وَالأُصولِ وَالقِراءاتِ، وَنَبَغَ مِنهُم أَئِمَّةٌ كِبارٌ تَلَقَّتِ الأُمَّةُ عُلومَهُم بِالقَبولِ. فَهَل يُرَدُّ عِلمُهُم جَميعًا لِمُجَرَّدِ أَنَّهُم لَيسوا مِنَ العَرَبِ؟ هٰذا لا يَقولُهُ مَن عَرَفَ قَدرَ العِلمِ وَأَهلِهِ.
❁ وَمِنَ التَّناقُضِ أَيضًا أَنَّ بَعضَ مَن يَطعَنُ فِي أَئِمَّةِ السُّنَّةِ لِعُجمَتِهِم يَقبَلُ عُلومَ الطِّبِّ وَالهَندَسَةِ وَالفَلَكِ وَالفَلسَفَةِ عَن أُمَمٍ شَتّى، ثُمَّ يَجعَلُ الأَصلَ العِرقِيَّ سَبَبًا لِرَدِّ عِلمِ أَئِمَّةٍ عُرِفوا بِالوَرَعِ وَالحِفظِ وَالتَّثَبُّتِ وَخِدمَةِ الدِّينِ. فَإِن كانَتِ العُجمَةُ تُسقِطُ العِلمَ، فَلِمَ لا يَلتَزِمُ هٰذا المِعيارَ فِي سائِرِ العُلومِ؟
❁ وَالحَقيقَةُ أَنَّ اشتِراكَ العَرَبِ وَالعَجَمِ فِي خِدمَةِ السُّنَّةِ مِن مَحاسِنِ هٰذِهِ الأُمَّةِ، وَدَليلٌ عَلَى عُمومِ رِسالَةِ الإِسلامِ، وَعَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَخَّرَ لِحِفظِ دِينِهِ رِجالًا مِن مُختَلَفِ الشُّعوبِ وَالأَمصارِ. فَلَم تَكُنِ السُّنَّةُ مِلكًا لِقَومٍ دُونَ قَومٍ، بَل كانَت أَمانَةَ الأُمَّةِ كُلِّها.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ دَعوى أَنَّ السُّنَّةَ كَتَبَهَا العَجَمُ المُتَآمِرونَ دَعوى عارِيَةٌ مِنَ الدَّليلِ، تَقومُ عَلَى التَّعَصُّبِ وَالتَّشويهِ، لا عَلَى البَحثِ العِلمِيِّ وَالنَّقدِ المُنصِفِ. فَالسُّنَّةُ خَدَمَها عَرَبٌ وَعَجَمٌ، وَحُفِظَت بِالإِسنادِ وَالتَّوثيقِ وَالنَّقدِ، وَلا يَضرُّها أَصلُ ناقِلِها ما دامَ ثِقَةً صادِقًا ضابِطًا.
❁ فَالمِعيارُ الصَّحيحُ لَيسَ: أَعَرَبِيٌّ هُوَ أَم أَعجَمِيٌّ؟ بَل: أَثِقَةٌ هُوَ أَم لا؟ أَضابِطٌ هُوَ أَم لا؟ أَثَبَتَت رِوايَتُهُ بِالمَوازينِ العِلمِيَّةِ أَم لَم تَثبُت؟ وَبِهٰذِهِ المَوازينِ حَفِظَ اللهُ تَعَالَى سُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَأَبطَلَ دَعاوى المُبطِلينَ.
*❖ شُبهَةُ عَرضِ السُّنَّةِ عَلَى القُرآنِ*
❁ يَستَدِلُّ بَعضُ رادِّي السُّنَّةِ بِخَبَرٍ يَشيعُ عَلَى أَلسِنَتِهِم، وَمَعناهُ: «ما جاءَكُم عَنِّي فَاعرِضوهُ عَلَى كِتابِ اللهِ، فَما وافَقَهُ فَخُذوهُ، وَما خالَفَهُ فَرُدُّوهُ»، ثُمَّ يَنسُبونَ هٰذا المَعنى إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ، وَيَجعَلونَهُ أَصلًا فِي رَدِّ كُلِّ حَديثٍ لَم يَجِدوا مَعناهُ مَنصوصًا عَلَيهِ فِي القُرآنِ الكَريمِ.
❁ وَأَوَّلُ ما يُقالُ لَهُم: كَيفَ تَستَدِلُّونَ بِحَديثٍ نَبَوِيٍّ عَلَى عَدَمِ حُجِّيَّةِ الحَديثِ النَّبَوِيِّ؟ فَإِن كانَ الحَديثُ عِندَكُم لَا يُحتَجُّ بِهِ، لَم يَجُز لَكُم أَن تَجعَلوهُ دَليلًا عَلَى مَذهَبِكُم، وَإِن كانَ يَجوزُ الِاحتِجاجُ بِهِ، فَقَد أَقرَرتُم مِن حَيثُ لَا تَشعُرونَ بِأَنَّ السُّنَّةَ حُجَّةٌ يُستَدَلُّ بِها.
❁ ثُمَّ إِنَّ هٰذا الخَبَرَ بِأَلفاظِهِ المُشتَهِرَةِ لَا يَثبُتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَد بَيَّنَ أَئِمَّةُ الحَديثِ ضَعفَ طُرُقِهِ وَعَدَمَ صَلاحِيَّتِهِ لِلاحتِجاجِ. فَمِنَ العَجيبِ أَن يَزعُمَ رادُّو السُّنَّةِ أَنَّهُم يَرفُضونَ الأَحاديثَ خَوفًا مِنَ الضَّعيفِ وَالمَوضوعِ، ثُمَّ يَستَدِلُّونَ بِخَبَرٍ غَيرِ ثابِتٍ لِرَدِّ الأَحاديثِ الصَّحيحَةِ.
❁ وَلَو صَحَّ هٰذا الخَبَرُ ـ وَهُوَ لَم يَصِحَّ ـ لَم يَكُن مَعناهُ أَنَّ كُلَّ حُكمٍ جاءَت بِهِ السُّنَّةُ وَلَم يُذكَر بِلَفظِهِ فِي القُرآنِ يَجِبُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ القُرآنَ نَفسَهُ قَد أَمَرَ بِطاعَةِ الرَّسولِ ﷺ، وَالأَخذِ بِما جاءَ بِهِ، وَالانتِهاءِ عَمّا نَهى عَنهُ، فَقالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾، وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطاعَ اللهَ﴾.
❁ وَالفَرقُ كَبيرٌ بَينَ مُخالَفَةِ السُّنَّةِ لِلقُرآنِ، وَبَينَ أَن تَأتيَ السُّنَّةُ بِحُكمٍ لَم يَرِد تَفصيلُهُ فِي القُرآنِ؛ فَالسُّنَّةُ قَد تُفَصِّلُ مُجمَلَ القُرآنِ، أَو تُقَيِّدُ مُطلَقَهُ، أَو تُخَصِّصُ عامَّهُ، أَو تَشرَحُ المُبهَمَ مِنهُ، أَو تَأتيَ بِحُكمٍ أَذِنَ اللهُ تَعَالَى لِرَسولِهِ ﷺ أَن يُبَلِّغَهُ. وَهٰذا كُلُّهُ بَيانٌ لِلقُرآنِ وَعَمَلٌ بِمُقتَضاهُ، لَا مُخالَفَةٌ لَهُ.
❁ فَالقُرآنُ أَمَرَ بِالصَّلاةِ، وَالسُّنَّةُ بَيَّنَت عَدَدَ رَكَعاتِها وَصِفَةَ أَدائِها، وَأَمَرَ القُرآنُ بِالزَّكاةِ، وَالسُّنَّةُ بَيَّنَت أَنصِبَتَها وَمَقاديرَها، وَفَرَضَ القُرآنُ الحَجَّ، وَالسُّنَّةُ بَيَّنَت مَناسِكَهُ. فَهَل يُقالُ إِنَّ هٰذِهِ التَّفاصيلَ تُرَدُّ لِأَنَّها لَم تُذكَر فِي القُرآنِ تَفصيلًا؟ إِنَّ القَولَ بِذٰلِكَ يَنتهي إِلَى تَعطيلِ أَوامِرِ القُرآنِ نَفسِها.
❁ وَالمَنهَجُ الصَّحيحُ لَيسَ أَن يَجعَلَ كُلُّ إِنسانٍ فَهمَهُ الخاصَّ لِلقُرآنِ مِعيارًا يَقبَلُ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ ما يُوافِقُ رَأيَهُ، وَيَرُدُّ ما لا يَفهَمُهُ أَو لا يَهواهُ؛ فَإِنَّ هٰذا يَجعَلُ الهَوى وَالعَقلَ القاصِرَ حاكِمًا عَلَى الوَحيِ، وَيَفتَحُ بابًا لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ التَّلاعُبِ بِالنُّصوصِ.
❁ وَإِنَّما المَنهَجُ العِلمِيُّ هُوَ التَّثَبُّتُ أَوَّلًا مِن صِحَّةِ الحَديثِ بِقَواعِدِ المُحَدِّثينَ، فَإِذا ثَبَتَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ وَجَبَ قَبولُهُ، ثُمَّ يُفهَمُ فِي ضَوءِ القُرآنِ وَسائِرِ نُصوصِ السُّنَّةِ، وَيُجمَعُ بَينَ الأَدِلَّةِ جَمعًا صَحيحًا، وَيُرَدُّ المُتَشابِهُ إِلَى المُحكَمِ، وَالعامُّ إِلَى الخاصِّ، وَالمُطلَقُ إِلَى المُقَيَّدِ.
❁ وَلا يُمكِنُ أَن يَثبُتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَديثٌ صَحيحٌ صَريحٌ يُناقِضُ آيَةً قُرآنِيَّةً مُحكَمَةً مُناقَضَةً حَقيقِيَّةً؛ لِأَنَّ القُرآنَ وَالسُّنَّةَ الصَّحيحَةَ وَحيٌ مِن عِندِ اللهِ تَعَالَى، وَالحَقُّ لا يُناقِضُ الحَقَّ. وَإِن ظَهَرَ لِلباحِثِ تَعارُضٌ، فَإِنَّما يَكونُ ذٰلِكَ لِضَعفِ الحَديثِ، أَو لِسُوءِ فَهمِهِ، أَو لِعَدَمِ جَمعِ النُّصوصِ الوارِدَةِ فِي البابِ، أَو لِجَهلٍ بِوُجوهِ اللُّغَةِ وَالدَّلالَةِ وَالنَّسخِ وَالتَّخصيصِ.
❁ وَقَد تَكونُ السُّنَّةُ الصَّحيحَةُ مُوافِقَةً لِلقُرآنِ بِأَن تُؤَكِّدَ حُكمَهُ، أَو مُبَيِّنَةً لَهُ بِتَفصيلِ مُجمَلِهِ، أَو مُخَصِّصَةً لِعامِّهِ، أَو مُقَيِّدَةً لِمُطلَقِهِ، أَو مُثبِتَةً لِحُكمٍ سَكَتَ القُرآنُ عَن تَفصيلِهِ، وَكُلُّ ذٰلِكَ داخِلٌ فِي طاعَةِ الرَّسولِ ﷺ الَّتِي أَمَرَ بِها القُرآنُ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ قَولَ بَعضِهِم: «لا نَقبَلُ مِنَ الحَديثِ إِلَّا ما وافَقَ القُرآنَ» قَولٌ مُجمَلٌ يَحتَمِلُ حَقًّا وَباطِلًا؛ فَإِن أَرادوا أَنَّ السُّنَّةَ الصَّحيحَةَ لا تُناقِضُ القُرآنَ، فَهٰذا حَقٌّ، وَإِن أَرادوا أَنَّهُم لا يَقبَلونَ مِنَ السُّنَّةِ إِلَّا ما وَجَدوا حُكمَهُ مَذكورًا فِي القُرآنِ تَفصيلًا، فَهٰذا باطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُبطِلُ وَظيفَةَ السُّنَّةِ فِي البَيانِ وَالتَّفصيلِ وَالتَّشريعِ.
❁ فَالصَّوابُ أَن يُقبَلَ كُلُّ ما صَحَّ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، وَأَن يُرَدَّ ما لَم يَثبُت عَنهُ، وَأَن يُجمَعَ بَينَ نُصوصِ الكِتابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وَجهٍ يَليقُ بِوَحدَةِ مَصدَرِهِما؛ فَكِلاهُما يَهدي إِلَى الحَقِّ، وَلا يَأتي الوَحيُ الصَّحيحُ بِما يُناقِضُ وَحيًا صَحيحًا.
*❖ حُجِّيَّةُ خَبَرِ الواحِدِ الثِّقَةِ*
❁ يَسأَلُ بَعضُهُم: كَيفَ نَقبَلُ حَديثًا رَواهُ واحِدٌ أَوِ اثنانِ أَو عَدَدٌ قَليلٌ مِنَ الصَّحابَةِ، مَعَ أَنَّ القُرآنَ الكَريمَ نَقَلَهُ جَمعٌ كَبيرٌ عَن جَمعٍ كَبيرٍ، حَتَّى بَلَغَنا بِالتَّواتُرِ؟ وَكَيفَ نَضمَنُ صِحَّةَ خَبَرٍ لَم يَروِهِ إِلَّا ناقِلٌ واحِدٌ؟
❁ وَهٰذا السُّؤالُ ناشِئٌ مِنَ الخَلطِ بَينَ طَريقَةِ ثُبوتِ القُرآنِ الكَريمِ، وَطُرُقِ ثُبوتِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ؛ فَلَيسَ مِن شَرطِ كُلِّ خَبَرٍ صَحيحٍ أَن يَنقُلَهُ عَدَدٌ كَبيرٌ، بَل قَد يَثبُتُ الخَبَرُ بِنَقلِ الواحِدِ إِذا كانَ ناقِلُهُ عَدلًا صادِقًا ضابِطًا، وَاتَّصَلَ سَنَدُهُ، وَسَلِمَ خَبَرُهُ مِنَ الشُّذوذِ وَالعِلَّةِ القادِحَةِ.
❁ فَقِلَّةُ عَدَدِ النّاقِلينَ لا تَستَلزِمُ ضَعفَ الخَبَرِ، كَما أَنَّ كَثرَةَ النّاقِلينَ لا تَستَلزِمُ صِحَّةَ كُلِّ ما يَنقُلونَهُ، وَإِنَّما العِبرَةُ بِصِدقِ النّاقِلِ وَعَدالَتِهِ وَضَبطِهِ، وَبِسَلامَةِ طَريقِ النَّقلِ مِنَ الخَلَلِ. فَرُبَّ خَبَرٍ نَقَلَهُ واحِدٌ ثِقَةٌ ضابِطٌ، فَكانَ أَصحَّ مِن خَبَرٍ تَناقَلَهُ عَدَدٌ مِن غَيرِ الثِّقاتِ.
❁ وَقَد دَلَّ القُرآنُ الكَريمُ نَفسُهُ عَلَى الِاعتِبارِ بِحالِ النّاقِلِ، وَعَلَى التَّفريقِ بَينَ خَبَرِ الفاسِقِ وَخَبَرِ العَدلِ، فَقالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُم فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَومًا بِجَهَالَةٍ فَتُصبِحُوا عَلَى مَا فَعَلتُم نَادِمِينَ﴾ [الحُجُراتُ: ٦].
❁ فَقَد عَلَّقَ اللهُ تَعَالَى الأَمرَ بِالتَّبَيُّنِ عَلَى مَجيءِ الفاسِقِ بِالنَّبَإِ، وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ العَدلِ لَيسَ كَخَبَرِ الفاسِقِ؛ فَلَو كانَ خَبَرُ كُلِّ فَردٍ مَردودًا لِكَونِهِ فَردًا، لَما كانَ لِتَخصيصِ الفاسِقِ بِالأَمرِ بِالتَّبَيُّنِ مَعنًى.
❁ وَلَيسَ مَعنى ذٰلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنِ ادَّعى العَدالَةَ يُقبَلُ خَبَرُهُ دُونَ بَحثٍ، بَل يَجِبُ التَّحَقُّقُ مِن عَدالَةِ الرّاوي وَضَبطِهِ وَاتِّصالِ سَماعِهِ، وَهٰذا هُوَ ما قامَ بِهِ أَئِمَّةُ الحَديثِ؛ فَدَرَسوا أَحوالَ الرُّواةِ، وَمَيَّزوا الثِّقاتِ مِنَ الضُّعَفاءِ، وَعَرَفوا مَن يُقبَلُ خَبَرُهُ وَمَن يُرَدُّ.
❁ وَقَد ثَبَتَ عَمَلِيًّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كانَ يَعتَمِدُ خَبَرَ الواحِدِ الثِّقَةِ، وَيَبعَثُ الرَّجُلَ الواحِدَ أَوِ العَدَدَ القَليلَ إِلَى القَبائِلِ وَالأَمصارِ؛ لِيُعَلِّمُوا النّاسَ أَحكامَ الإِسلامِ، وَيُبَلِّغوهُم أَوامِرَ اللهِ وَرَسولِهِ ﷺ.
❁ فَقَد أَرسَلَ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، إِلَى اليَمَنِ يُعَلِّمُ أَهلَها أَحكامَ الدِّينِ، وَيَدعوهُم إِلَى التَّوحيدِ وَالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ. وَأَرسَلَ أَبا موسى الأَشعَرِيَّ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، إِلَى اليَمَنِ أَيضًا، وَبَعَثَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طالِبٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، إِلَيها قاضِيًا وَمُعَلِّمًا.
❁ وَأَرسَلَ مُصعَبَ بنَ عُمَيرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، إِلَى المَدينَةِ قَبلَ الهِجرَةِ؛ لِيُقرِئَ أَهلَها القُرآنَ، وَيُعَلِّمَهُم الإِسلامَ. وَبَعَثَ رُسُلًا مُنفَرِدينَ إِلَى المُلوكِ وَالقَبائِلِ يُبَلِّغونَ رِسالاتِهِ وَأَحكامَ دِينِهِ.
❁ وَلَو لَم يَكُن خَبَرُ الواحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةً، لَما كانَ فِي إِرسالِ هٰؤُلاءِ مُنفَرِدينَ أَو فِي أَعدادٍ قَليلَةٍ فائِدَةٌ؛ لِأَنَّ مَن بُعِثوا إِلَيهِم كانَ يَلزَمُهُم تَصديقُهُم، وَقَبولُ ما يُبَلِّغونَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالعَمَلُ بِما يَنقُلونَهُ مِن أَحكامِ الدِّينِ.
❁ وَلَم يَكُن أَهلُ اليَمَنِ مَأمورينَ أَن يَنتَظِروا حَتَّى يَأتيَهُم عَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ يُؤَكِّدُ لَهُم ما قالَهُ مُعاذٌ أَو أَبو موسى، بَل أَقامَ النَّبِيُّ ﷺ خَبَرَهُما وَتَعليمَهُما حُجَّةً عَلَيهِم؛ لِما عُلِمَ مِن عَدالَتِهِما وَصِدقِهِما وَأَمانَتِهِما.
❁ وَكَذٰلِكَ كانَ الصَّحابَةُ، رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم، يَقبَلُ بَعضُهُم خَبَرَ بَعضٍ إِذا ثَبَتَت عَدالَةُ الرّاوي وَاطمَأَنُّوا إِلَى ضَبطِهِ. وَقَد عَمِلوا بِأَخبارِ آحادٍ كَثيرَةٍ فِي أَحكامِ العِباداتِ وَالمُعامَلاتِ وَالمَواريثِ وَغَيرِها.
❁ فَلَمّا أَخبَرَ المُغيرَةُ بنُ شُعبَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَبا بَكرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعطَى الجَدَّةَ السُّدُسَ، طَلَبَ أَبو بَكرٍ شاهِدًا آخَرَ زِيادَةً فِي التَّثَبُّتِ، فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ، فَقَضى أَبو بَكرٍ بِذٰلِكَ. وَطَلَبُهُ التَّأييدَ فِي هٰذِهِ الواقِعَةِ لا يَدُلُّ عَلَى رَدِّ خَبَرِ الواحِدِ مُطلَقًا، بَل عَلَى جَوازِ طَلَبِ المَزيدِ مِنَ التَّثَبُّتِ عِندَ الحاجَةِ.
❁ وَكَذٰلِكَ طَلَبَ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مَن يُؤَيِّدُ أَبا موسى الأَشعَرِيَّ فِي حَديثِ الِاستِئذانِ؛ تَعليمًا لِلنّاسِ وَزِيادَةً فِي الاحتِياطِ، لا لِأَنَّ خَبَرَ الثِّقَةِ لا يُقبَلُ. وَقَد قَبِلَ عُمَرُ فِي مَواقِعَ أُخرى أَخبارَ الآحادِ، وَعَمِلَ بِها بَعدَ ثُبوتِها عِندَهُ.
❁ وَالنّاسُ فِي شُؤونِ دُنياهم يَبنُونَ قَراراتٍ عَظيمَةً عَلَى أَخبارِ الثِّقاتِ؛ فَيَقبَلُ الإِنسانُ خَبَرَ الطَّبيبِ الثِّقَةِ فِي مَرَضِهِ، وَخَبَرَ المُهَندِسِ فِي بِنائِهِ، وَخَبَرَ الوَكيلِ فِي مالِهِ، وَلا يَشترِطُ أَن يَجتَمِعَ لَهُ عَلَى كُلِّ خَبَرٍ جَمعٌ غَفيرٌ.
❁ وَكَذٰلِكَ القَضاءُ يَعتَمِدُ شَهادَةَ عَدَدٍ مَحدودٍ مِنَ الشُّهودِ بَعدَ التَّحَقُّقِ مِن عَدالَتِهِم وَضَبطِهِم؛ فَقَد تَثبُتُ الحُقوقُ وَالأَموالُ، وَتَتَرَتَّبُ أَحكامٌ عَظيمَةٌ، بِشَهادَةِ رَجُلَينِ، أَو رَجُلٍ وَامرَأَتَينِ، أَو أَربَعَةٍ فِي بَعضِ الأَبوابِ، وَلَا يُشتَرَطُ التَّواتُرُ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ.
❁ فَإِذا كانَ خَبَرُ الثِّقَةِ يُقبَلُ فِي الأَموالِ وَالحُقوقِ وَالأَبدانِ وَالقَضاءِ، فَلِماذا يُرَدُّ فِي نَقلِ سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، مَعَ أَنَّ نَقَلَةَ الحَديثِ أُحيطوا مِن أَئِمَّةِ النَّقدِ بِمِنظارٍ عِلمِيٍّ دَقيقٍ، فَفُحِصَت عَدالَتُهُم وَضَبطُهُم وَسَماعُهُم وَمُوافَقَتُهُم لِغَيرِهِم؟
❁ وَخَبَرُ الواحِدِ فِي اصطِلاحِ المُحَدِّثينَ لا يَعني خَبَرًا مَجهولًا أَو خَبَرَ رَجُلٍ لا يُعرَفُ حالُهُ، بَل يَعني ما لَم يَبلُغ دَرَجَةَ التَّواتُرِ، وَقَد يَرويهِ واحِدٌ فِي طَبَقَةٍ، ثُمَّ يَرويهِ عَنهُ جَماعَةٌ، وَتَتَعَدَّدُ طُرُقُهُ وَشَواهِدُهُ. فَالعِبرَةُ لَيسَت بِمُجَرَّدِ الِاسمِ، بَل بِتَوَفُّرِ شُروطِ القَبولِ فِي سَنَدِهِ وَمَتنِهِ.
❁ وَإِنَّما يُقبَلُ خَبَرُ الواحِدِ إِذا نَقَلَهُ رُواةٌ عُدولٌ ضابِطونَ، وَاتَّصَلَ إِسنادُهُ، وَسَلِمَ مِنَ الشُّذوذِ وَالعِلَّةِ. أَمَّا إِذا كانَ الرّاوي كاذِبًا، أَو فاسِقًا، أَو مَجهولًا، أَو سَيِّئَ الحِفظِ، أَو خالَفَ مَن هُوَ أَوثَقُ مِنهُ، فَإِنَّ أَئِمَّةَ الحَديثِ لا يَقبَلونَ خَبَرَهُ عَلَى إِطلاقِهِ.
❁ وَمِن هُنا يَتَبَيَّنُ أَنَّ قَبولَ خَبَرِ الواحِدِ لَيسَ قَبولًا ساذَجًا لِكُلِّ ما يَرويهِ فَردٌ، بَل هُوَ قَبولٌ مَبنيٌّ عَلَى مَنهَجٍ دَقيقٍ فِي التَّوثيقِ وَالفَحصِ وَالمُقارَنَةِ. فَالرّاوي يُدرَسُ، وَالسَّنَدُ يُمَحَّصُ، وَالمَتنُ يُنقَدُ، وَالطُّرُقُ تُقارَنُ، ثُمَّ يُحكَمُ عَلَى الخَبَرِ بِما يَستَحِقُّهُ.
❁ وَالفَرقُ بَينَ القُرآنِ الكَريمِ وَخَبَرِ الواحِدِ لَيسَ مَعناهُ أَنَّ القُرآنَ يُقبَلُ وَالسُّنَّةَ تُرَدُّ؛ بَل القُرآنُ ثَبَتَ كُلُّهُ بِالتَّواتُرِ القَطعِيِّ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنها المُتَواتِرُ، وَمِنها المَشهورُ، وَمِنها الآحادُ الصَّحيحَةُ الَّتي يَجِبُ العَمَلُ بِها إِذا استَوفَت شُروطَ القَبولِ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ قِلَّةَ عَدَدِ رُواةِ الحَديثِ لا تَصلُحُ وَحدَها سَبَبًا لِرَدِّهِ، كَما أَنَّ كَثرَةَ الرُّواةِ لا تُغني عَن بَحثِ صِدقِهِم وَضَبطِهِم. وَالمِعيارُ الصَّحيحُ هُوَ ثِقَةُ النّاقِلِ، وَاتِّصالُ الإِسنادِ، وَسَلامَةُ الخَبَرِ مِنَ العِلَلِ، لا مُجَرَّدُ العَدَدِ.
❁ وَبِذٰلِكَ يَظهَرُ أَنَّ حُجِّيَّةَ خَبَرِ الواحِدِ الثِّقَةِ ثابِتَةٌ بِدَلالَةِ القُرآنِ، وَبِعَمَلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِإِجماعِ الصَّحابَةِ عَمَلِيًّا عَلَى قَبولِ أَخبارِ الثِّقاتِ، وَبِما جَرَت عَلَيهِ مَصالِحُ النّاسِ وَأَقضِيَتُهُم مِن الِاعتِمادِ عَلَى خَبَرِ العَدلِ الضّابِطِ.
*❖ حِفظُ اللهِ تَعَالَى لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ*
❁ إِنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعَالَى، كَما حَفِظَ لِنَبِيِّهِ ﷺ القُرآنَ الكَريمَ، حَفِظَ لَهُ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ الَّتِي تُفَسِّرُ القُرآنَ، وَتُبَيِّنُ مُجمَلَهُ، وَتُقَيِّدُ مُطلَقَهُ، وَتُخَصِّصُ عامَّهُ، وَتَشرَحُ أَحكامَهُ، وَتَدُلُّ عَلَى كَيفِيَّةِ العَمَلِ بِهِ.
❁ وَحِفظُ السُّنَّةِ مِن لَوازِمِ حِفظِ الشَّريعَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ الأُمَّةَ بِطاعَةِ رَسولِهِ ﷺ، وَالأَخذِ بِما جاءَ بِهِ، وَجَعَلَ سُنَّتَهُ بَيانًا لِكِتابِهِ. وَلا يَليقُ بِحِكمَةِ اللهِ تَعَالَى أَن يُكَلِّفَ النّاسَ بِاتِّباعِ بَيانٍ، ثُمَّ يَدَعَ ذٰلِكَ البَيانَ يَضيعُ ضَياعًا لا يُمكِنُ مَعَهُ تَمييزُ صَحيحِهِ مِن سَقيمِهِ.
❁ وَلا يَلزَمُ مِن حِفظِ السُّنَّةِ أَلَّا يَكذِبَ كاذِبٌ، أَو أَلَّا يَضَعَ وَضّاعٌ حَديثًا؛ بَل مَعنى حِفظِها أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَيَّضَ لَها مِن أَئِمَّةِ العِلمِ وَالحَديثِ مَن يَكشِفُ الكَذِبَ، وَيَفضَحُ الوَضّاعينَ، وَيُمَيِّزُ الصَّحيحَ مِنَ الضَّعيفِ، وَالمَحفوظَ مِنَ الشّاذِّ، وَالثّابِتَ مِنَ المَوضوعِ.
❁ وَقَد تَحَقَّقَ هٰذا الحِفظُ بِوَسائِلَ عَديدَةٍ؛ مِنها حِفظُ الصَّحابَةِ لِحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَكِتابَةُ بَعضِهِم لَهُ، وَتَثَبُّتُهُم فِي رِوايَتِهِ، وَعَرضُ بَعضِهِم ما سَمِعَهُ عَلَى بَعضٍ، ثُمَّ نَقلُ التّابِعينَ وَمَن بَعدَهُم لَهُ، وَتَدوينُهُ فِي الصُّحُفِ وَالمُصَنَّفاتِ.
❁ ثُمَّ أَنشَأَ عُلَماءُ الأُمَّةِ عُلومًا دَقيقَةً لِخِدمَةِ السُّنَّةِ؛ فَدَوَّنوا أَسماءَ الرُّواةِ وَأَحوالَهُم، وَعَرَفوا مَواليدَهُم وَوَفَياتِهِم وَشُيوخَهُم وَتَلامِيذَهُم وَبُلدانَهُم وَأَسفارَهُم، وَدَرَسوا دَرَجاتِ عَدالَتِهِم وَضَبطِهِم، وَتَتَبَّعوا ما يَعرِضُ لَهُم مِن وَهمٍ أَو نِسيانٍ أَوِ اختِلاطٍ.
❁ وَمِن أَبرَزِ مَا تَمَيَّزَت بِهِ هٰذِهِ الأُمَّةُ عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ: عِلمُ الإِسنادِ؛ فَهُوَ مِن أَعظَمِ الوَسائِلِ الَّتِي حَفِظَ اللهُ تَعَالَى بِها سُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَصَانَ بِها حَديثَهُ مِن دَعاوَى الكاذِبِينَ وَتَلاعُبِ الوَضّاعِينَ، وَجَعَلَ بِهِ لِهٰذِهِ الأُمَّةِ مِيزانًا دَقِيقًا فِي قَبُولِ الأَخبارِ وَرَدِّها. فَلَم يَكُن عِندَ أَهلِ الحَديثِ مُجَرَّدُ وُجودِ الخَبَرِ فِي صَحيفَةٍ أَو كِتابٍ كافِيًا فِي قَبُولِهِ، بَل لا بُدَّ مِن مَعرِفَةِ مَن نَقَلَهُ، وَمِمَّن سَمِعَهُ، وَهَل ثَبَتَ لِقاؤُهُ بِشَيخِهِ، وَهَل كانَ عَدلًا ضابِطًا، وَهَل وافَقَ الثِّقاتِ أَو خالَفَهُم. وَلِذٰلِكَ قالَ مُحَمَّدُ بنُ حاتِمِ بنِ المُظَفَّرِ، رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ اللهَ أَكرَمَ هَذِهِ الأُمَّةَ وَشَرَّفَهَا وَفَضَّلَهَا بِالإِسنَاد، وَلَيسَ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ كُلِّهَا قَدِيمِهِم وَحَدِيثِهِم، إِسنَاد. وَإِنَّمَا هِيَ صُحُفٌ فِي أَيدِيهِم، وَقَد خَلَطُوا بِكُتُبِهِم أَخبَارَهُم، وَلَيسَ عِندَهُم تَميِيزٌ بَينَ مَا نَزَلَ مِنَ التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ مِمَّا جَاءَهُم بِهِ أَنبِيَاؤُهُم، وَتَميِيزٌ بَينَ مَا أَلحَقُوهُ بِكُتُبِهِم مِنَ الأَخبَارِ الَّتِي أَخَذُوا عَن غَيرِ الثِّقَات. وَهَذِهِ الأُمَّةُ إِنَّمَا تَنُصُّ الحَدِيثَ مِنَ الثِّقَةِ المَعرُوفِ فِي زَمَانِهِ المَشهُورِ بِالصِّدقِ وَالأَمَانَةِ عَن مِثلِهِ حَتَّى تَتَنَاهَى أَخبَارُهُم. ثُمَّ يَبحَثُونَ أَشَدَّ البَحثِ حَتَّى يَعرِفُوا الأَحفَظَ فَالأَحفَظ، وَالأَضبَطَ فَالأَضبَط، وَالأَطوَلَ مُجَالَسَةً لِمَن فَوقَهُ مِمَّن كَانَ أَقَلَّ مُجَالَسَة. ثُمَّ يَكتُبُونَ الحَدِيثَ مِن عِشرِينَ وَجهًا وَأَكثَرَ حَتَّى يُهَذِّبُوهُ مِنَ الغَلَطِ وَالزَّلَل، وَيَضبِطُوا حُرُوفَهُ وَيَعُدُّوهُ عَدًّا. فَهَذَا مِن أَعظَمِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الأُمَّة». وَهٰذَا النَّصُّ يَكشِفُ عَن عِظَمِ نِعمَةِ الإِسنادِ، وَعَن فَرقٍ ظاهِرٍ بَينَ أُمَّةٍ جَعَلَت لِكُلِّ خَبَرٍ طَرِيقًا يُبحَثُ وَيُنقَدُ، وَبَينَ أُمَمٍ اختَلَطَت فِي صُحُفِها الأَخبارُ، فَلَم يَبقَ عِندَها المِعيارُ الَّذِي يُمَيِّزُ الثّابِتَ مِنَ الدَّخِيلِ.
❁ وَلَم يَكُن هٰذَا التَّثَبُّتُ عِندَ أَهلِ الحَديثِ مَنهَجًا نَظَرِيًّا فَحَسبُ، بَل كانَ عَمَلًا صارِمًا لا مُحاباةَ فِيهِ لِقَرِيبٍ وَلا حَبِيبٍ؛ لِأَنَّ القَضِيَّةَ قَضِيَّةُ دِينٍ يُنقَلُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، لا قَضِيَّةُ عاطِفَةٍ أَو مَكانَةٍ اجتِماعِيَّةٍ. وَلِذٰلِكَ أَضافَ مُحَمَّدُ بنُ حاتِمِ بنِ المُظَفَّرِ، رَحِمَهُ اللهُ: «فَلَيسَ أَحَدٌ مِن أَهلِ الحَدِيثِ يُحَابِي فِي الحَدِيثِ أَبَاهُ وَلَا أَخَاهُ وَلَا وَلَدَه. وَهَذَا عَلِيُّ بنُ عَبدِ اللهِ المَدِينِيُّ وَهُوَ إِمَامُ الحَدِيثِ فِي عَصرِه، لَا يُروَى عَنهُ حَرفٌ فِي تَقوِيَةِ أَبِيه، بَل يُروَى عَنهُ ضِدُّ ذَلِك. فَالحَمدُ لِلَّهِ عَلَى مَا وَفَّقَنَا». وَمِن هٰنا قالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «الإِسنَادُ عِندِي مِنَ الدِّين، وَلَولَا الإِسنَادُ لَقَالَ مَن شَاءَ مَا شَاءَ». وَقالَ أَيضًا: «مَثَلُ الَّذِي يَطلُبُ أَمرَ دِينِهِ بِلَا إِسنَادٍ كَمَثَلِ الَّذِي يَرتَقِي السَّطحَ بِلَا سُلَّمٍ». وَقالَ أَبو سَعِيدٍ الحَدَّادُ فِيمَا نَقَلَهُ عَنهُ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ: «الإِسنَادُ مِثلُ الدَّرَجِ وَمِثلُ المَرَاقِي، فَإِذَا زَلَّت رِجلُكَ عَنِ المَرقَاةِ سَقَطتَ، وَالرَّأيُ مِثلُ المَرجِ». وَقالَ سُفيانُ الثَّورِيُّ: «الإِسنَادُ سِلَاحُ المُؤمِن، فَإِذَا لَم يَكُن مَعَهُ سِلَاح، فَبِأَيِّ شَيءٍ يُقَاتِل». فَهٰذِهِ النُّقُولُ كُلُّها تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِسنادَ عِندَ أَئِمَّةِ الإِسلامِ لَم يَكُن تَرَفًا عِلمِيًّا، وَلا زِيادَةً اصطِلاحِيَّةً، بَل كانَ حِصنًا لِلسُّنَّةِ، وَسُلَّمًا لِلوُصولِ إِلَى الحَقِّ، وَسِلاحًا يُدافَعُ بِهِ عَن حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ. وَبِهٰذا يَتَبَيَّنُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَم يَترُك سُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ دُونَ حِراسَةٍ، بَل قَيَّضَ لَها رِجالًا يَعرِفونَ الرُّواةَ وَمَراتِبَهُم، وَيُقارِنونَ الطُّرُقَ وَالأَلفاظَ، وَيَكشِفونَ الوَهمَ وَالكَذِبَ، ثُمَّ يَنتَقِلُ بَعدَ ذٰلِكَ البَحثُ إِلَى اتِّصالِ الأَسانيدِ وَانقِطاعِها، وَإِلَى مُقارَنَةِ الرِّواياتِ وَكَشفِ عِلَلِها الظّاهِرَةِ وَالخَفِيَّةِ.
❁ وَبَحَثوا فِي اتِّصالِ الأَسانيدِ وَانقِطاعِها، وَقارَنوا بَينَ الرِّواياتِ وَالأَلفاظِ، وَكَشَفوا العِلَلَ الظّاهِرَةَ وَالخَفِيَّةَ، وَمَيَّزوا الثِّقَةَ مِنَ الضَّعيفِ، وَالحافِظَ مِن سَيِّئِ الحِفظِ، وَالصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ، حَتَّى صارَ لِلحَديثِ النَّبَوِيِّ مِنَ المَناهِجِ النَّقدِيَّةِ ما لَم يَكُن لِأَخبارِ أُمَّةٍ أُخرى.
❁ فَلَو ضاعَتِ السُّنَّةُ ضَياعًا كُلِّيًّا، لَضاعَت مَعَها الصَّلاةُ بِهَيئَتِها وَأَعدادِ رَكَعاتِها وَأَوقاتِها، وَضَاعَتِ الزَّكاةُ بِأَنصِبَتِها وَمَقاديرِها، وَضَاعَ الحَجُّ بِمَناسِكِهِ وَمَواقيتِهِ، وَغابَت تَفاصيلُ كَثيرَةٍ مِن أَحكامِ الصِّيامِ وَالطَّهارَةِ وَالمُعامَلاتِ وَالأَنكِحَةِ وَالحَلالِ وَالحَرامِ.
❁ وَلَكِنَّ واقِعَ الأُمَّةِ يَشهَدُ بِخِلافِ ذٰلِكَ؛ فَقَد نُقِلَت هٰذِهِ العِباداتُ وَالأَحكامُ نَقلًا عِلمِيًّا وَعَمَلِيًّا مُتَصِلًا، وَتَلَقَّتها أَجيالُ المُسلِمينَ، وَدَوَّنَ العُلَماءُ أَحاديثَها وَطُرُقَها وَأَحكامَها، وَمَيَّزوا ما ثَبَتَ فِيها مِمّا لَم يَثبُت.
❁ وَمِن أَعظَمِ دَلائِلِ حِفظِ السُّنَّةِ أَنَّ العُلَماءَ لَم يَقبَلوا كُلَّ ما نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، بَل صَرَّحوا بِضَعفِ أَحاديثَ كَثيرَةٍ، وَحَكَموا عَلَى بَعضِها بِالوَضعِ، وَكَشَفوا أَسماءَ الكَذّابينَ وَالمَتروكينَ. فَكَشفُ المَوضوعِ لا يَدُلُّ عَلَى ضَياعِ السُّنَّةِ، بَل يَدُلُّ عَلَى وُجودِ المِعيارِ الَّذي حَفِظَها مِنَ الِاختِلاطِ بِالكَذِبِ.
❁ وَالسُّنَّةُ المَحفوظَةُ لَيسَت كُلَّ خَبَرٍ وُجِدَ فِي كِتابٍ، أَو كُلَّ كَلامٍ نُسِبَ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ، بَل هِيَ ما ثَبَتَ عَنهُ بِالطُّرُقِ الَّتِي اعتَمَدَها أَئِمَّةُ الحَديثِ، وَاستَوفى شُروطَ القَبولِ، وَسَلِمَ مِنَ الشُّذوذِ وَالعِلَّةِ القادِحَةِ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ دَعوى ضَياعِ السُّنَّةِ لا تَعنِي الطَّعنَ فِي كُتُبِ الحَديثِ وَحدَها، بَل تَعنِي الطَّعنَ فِي حِكمَةِ التَّشريعِ، وَتُؤَدِّي إِلَى القَولِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوجَبَ طاعَةَ رَسولِهِ ﷺ، ثُمَّ ضاعَت أَقوالُهُ وَأَفعالُهُ وَبَيانُهُ الَّذي لا يُمكِنُ تَطبيقُ الدِّينِ إِلَّا بِهِ.
❁ وَالحَقُّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَفِظَ دِينَهُ كِتابًا وَسُنَّةً، وَقَيَّضَ لِكُلِّ عَصرٍ عُلَماءَ يَذبُّونَ عَن حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ تَحريفَ الغالينَ، وَانتِحالَ المُبطِلينَ، وَتَأويلَ الجاهِلينَ، وَيُبَيِّنونَ لِلنّاسِ ما صَحَّ وَما لَم يَصِحَّ.
❁ فَمَن تَمَسَّكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحيحَةِ لَم يَخرُج عَنِ القُرآنِ، بَل عَمِلَ بِأَمرِهِ، وَمَن رَفَضَها بِدَعوى الِاكتِفاءِ بِالقُرآنِ فَقَد رَفَضَ البَيانَ الَّذي أَمَرَهُ القُرآنُ بِاتِّباعِهِ، وَعَطَّلَ جانِبًا عَظيمًا مِن أَحكامِ دِينِ اللهِ تَعَالَى.
*❖ خاتِمَةٌ*
❁ وَبَعدَ هٰذا العَرضِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ دَعوى الِاكتِفاءِ بِالقُرآنِ الكَريمِ وَتَركِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ دَعوى باطِلَةٌ، تُناقِضُ القُرآنَ نَفسَهُ، وَتَهدِمُ أُصولَ الشَّريعَةِ، وَتَقطَعُ صِلَةَ المُسلِمِ بِبَيانِ نَبِيِّهِ ﷺ وَهَديِهِ وَتَطبيقِهِ العَمَلِيِّ لِكِتابِ اللهِ تَعَالَى.
❁ فَكُن قُرآنِيًّا حَقًّا: تَمَسَّك بِكِتابِ اللهِ تَعَالَى، وَاتَّبِع سُنَّةَ رَسولِهِ ﷺ، وَاقبَل كُلَّ ما صَحَّ عَنهُ، وَلا تَكُن مِمَّن يَرُدُّ حَديثَ النَّبِيِّ ﷺ بِدَعوى التَّمَسُّكِ بِالقُرآنِ؛ فَإِنَّ القُرآنَ نَفسَهُ هُوَ الَّذي أَمَرَكَ بِطاعَةِ الرَّسولِ ﷺ، وَاتِّباعِهِ، وَالأَخذِ بِما جاءَ بِهِ، وَالتَّسليمِ لِحُكمِهِ.
❁ وَلَيسَت دَعوى تَركِ السُّنَّةِ وَالِاقتصارِ عَلَى القُرآنِ أَمرًا جَديدًا؛ فَقَد أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَن ظُهورِ مَن يَدَّعي ذٰلِكَ، وَحَذَّرَ مِنهُ، فَقالَ: «يُوشِكُ أَن يَقعُدَ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَريكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَديثٍ مِن حَديثِي، فَيَقولُ: بَينَنا وَبَينَكُم كِتابُ اللهِ؛ فَما وَجَدنا فِيهِ مِن حَلالٍ استَحلَلناهُ، وَما وَجَدنا فِيهِ مِن حَرامٍ حَرَّمناهُ، أَلَا وَإِنَّ ما حَرَّمَ رَسولُ اللهِ مِثلُ ما حَرَّمَ اللهُ».
❁ فَهٰذا الحَديثُ وَصفٌ دَقيقٌ لِمَنهَجِ مَن يَرفُضُ السُّنَّةَ فِي زَمانِنا؛ إِذ يَزعُمُ أَنَّهُ لا يَقبَلُ إِلَّا ما وَجَدَهُ مَنصوصًا عَلَيهِ فِي القُرآنِ، وَيَغفُلُ عَن أَنَّ القُرآنَ نَفسَهُ أَوجَبَ طاعَةَ الرَّسولِ ﷺ، وَجَعَلَ سُنَّتَهُ بَيانًا لَهُ، وَحَذَّرَ مِن مُخالَفَةِ أَمرِهِ.
❁ وَهٰذا مُصَدِّقٌ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى فِي شَأنِ نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوى إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يوحى﴾ [النَّجمُ: ٣-٤]. فَما يُبَلِّغُهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن أُمورِ الدِّينِ، وَما يَشرَحُهُ مِن أَحكامِ الشَّريعَةِ، لَيسَ ناشِئًا عَن هَوىً أَو رَأيٍ مُجَرَّدٍ، بَل هُوَ بَيانٌ وَهُدًى وَتَشريعٌ أَذِنَ اللهُ تَعَالَى بِهِ.
❁ وَإِنَّ أَصلَ هٰذِهِ الدَّعوى يَنهَدِمُ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾ [الحَشرُ: ٧]؛ فَالآيَةُ أَمَرَت بِالأَخذِ بِما جاءَ بِهِ الرَّسولُ ﷺ، وَالِانتِهاءِ عَمّا نَهى عَنهُ، وَلَم تَجعَل ذٰلِكَ مَقصورًا عَلَى ما وَرَدَ نَصُّهُ فِي القُرآنِ.
❁ وَقالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطاعَ اللهَ وَمَن تَوَلّى فَما أَرسَلناكَ عَلَيهِم حَفيظًا﴾ [النِّساءُ: ٨٠]، فَجَعَلَ طاعَةَ الرَّسولِ ﷺ طاعَةً لَهُ سُبحانَهُ، وَهٰذا نَصٌّ واضِحٌ فِي أَنَّ أَوامِرَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَواهِيَهُ حُجَّةٌ واجِبَةُ الِاتِّباعِ.
❁ وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمّا قَضَيتَ وَيُسَلِّموا تَسليمًا﴾ [النِّساءُ: ٦٥]؛ فَنَفى اللهُ تَعَالَى الإِيمانَ عَمَّن لَم يُحَكِّم رَسولَهُ ﷺ، أَو وَجَدَ فِي نَفسِهِ حَرَجًا مِن حُكمِهِ، أَو لَم يُسَلِّم لَهُ تَسليمًا.
❁ وَقالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى وَيَتَّبِع غَيرَ سَبيلِ المُؤمِنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَت مَصيرًا﴾ [النِّساءُ: ١١٥]، فَجَمَعَ بَينَ النَّهيِ عَن مُشاقَّةِ الرَّسولِ ﷺ، وَالنَّهيِ عَنِ اتِّباعِ غَيرِ سَبيلِ المُؤمِنينَ.
❁ وَهٰذِهِ الآياتُ وَغَيرُها لا تَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ أَهمِّيَّةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، بَل تَدُلُّ عَلَى وُجوبِ اتِّباعِها، وَأَنَّ طاعَةَ الرَّسولِ ﷺ جُزءٌ لا يَنفَصِلُ عَن طاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ رَدَّ ما صَحَّ عَنهُ لَيسَ تَمسُّكًا بِالقُرآنِ، بَل مُخالَفَةٌ صَريحَةٌ لَهُ.
❁ فَلَو كانَ مَن يَدَّعي الِاكتِفاءَ بِالقُرآنِ يَعمَلُ بِهِ حَقًّا، لَسَلَّمَ لِهٰذِهِ الآياتِ، وَلَاتَّبَعَ الرَّسولَ ﷺ، وَقَبِلَ سُنَّتَهُ الصَّحيحَةَ، وَرَجَعَ إِلَى بَيانِهِ فِي فَهمِ أَحكامِ الدِّينِ وَتَطبيقِها.
❁ أَمّا أَن يَقولَ الإِنسانُ: «أَنا مُتَمَسِّكٌ بِالقُرآنِ»، ثُمَّ يَرُدَّ ما أَمَرَهُ القُرآنُ بِاتِّباعِهِ، فَهٰذا تَناقُضٌ ظاهِرٌ؛ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالقُرآنِ لا يَتِمُّ إِلَّا بِاتِّباعِ الرَّسولِ ﷺ، وَالاستِجابَةِ لِسُنَّتِهِ، وَالتَّسليمِ لِما ثَبَتَ عَنهُ.
❁ وَإِنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ لَيسَت مُنافِسَةً لِلقُرآنِ، وَلا بَديلًا عَنهُ، وَلا مَصدَرًا مُناقِضًا لَهُ، بَل هِيَ بَيانُهُ وَتَفسيرُهُ وَتَطبيقُهُ العَمَلِيُّ، وَبِها تُعرَفُ تَفاصيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَالصِّيامِ وَالحَجِّ وَسائِرِ أَحكامِ الشَّريعَةِ.
❁ وَقَد حَفِظَ اللهُ تَعَالَى سُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَقَيَّضَ لَها عُلَماءَ حُفّاظًا نُقّادًا، دَرَسوا أَسانيدَها وَرِجالَها، وَمَيَّزوا صَحيحَها مِن ضَعيفِها، وَكَشَفوا المَوضوعَ وَفَضَحوا الوَضّاعينَ، فَلَم يَترُكوا البابَ مَفتوحًا لِكُلِّ كاذِبٍ وَمُفتَرٍ.
❁ فَالمَنهَجُ العادِلُ لَيسَ فِي قَبولِ كُلِّ ما نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ دُونَ تَثَبُّتٍ، وَلا فِي رَدِّ السُّنَّةِ كُلِّها بِحُجَّةِ وُجودِ الضَّعيفِ وَالمَوضوعِ؛ بَل هُوَ فِي قَبولِ ما صَحَّ وَثَبَتَ، وَرَدِّ ما لَم يَصِحَّ، وَالرُّجوعِ فِي ذٰلِكَ إِلَى أَهلِ العِلمِ وَالِاختِصاصِ.
❁ فَإِيّاكَ أَن تَحيدَ عَنِ الحَقِّ بَعدَ ظُهورِهِ، أَو أَن تَجعَلَ الشُّبُهاتِ المُتَهافِتَةَ سَبَبًا لِرَدِّ وَحيِ اللهِ وَهَديِ نَبِيِّهِ ﷺ، أَو أَن تُقَدِّمَ رَأيَكَ وَهَواكَ عَلَى النُّصوصِ الصَّحيحَةِ.
❁ وَاعلَم أَنَّ مَن تَمَسَّكَ بِالكِتابِ وَالسُّنَّةِ فَقَد أَخَذَ بِالعُروَةِ الوُثقى، وَاهتَدى بِهَديِ اللهِ وَرَسولِهِ ﷺ، وَأَمّا مَن فَرَّقَ بَينَهُما، فَقَد رَدَّ بَعضَ الوَحيِ بِبَعضٍ، وَعَرَّضَ دِينَهُ لِلتَّناقُضِ وَالاضطِرابِ.
❁ فَكُن قُرآنِيًّا حَقًّا بِاتِّباعِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاجعَل شِعارَكَ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسولُهُ أَمرًا أَن يَكونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللهَ وَرَسولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالًا مُبينًا﴾ [الأَحزابُ: ٣٦].
❁ وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، وَصَلّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعينَ.
وَكَتَبَهُ الرّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبّاغُ
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
________________________________________
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
________________________________________
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي:
00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
________________________________________
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
________________________________________.
|
|