*كُن قُرآنِيًّا حَقًّا بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ (1)*
*❖ مُقَدِّمَةٌ*
❁ الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعينَ. أَمَّا بَعدُ؛ فَمِنَ المُؤسِفِ أَنَّ وَصفَ «القُرآنِيِّ» أَصبَحَ يُطلَقُ فِي زَمانِنا عَلَى طائِفَةٍ تَزعُمُ أَنَّها تَتَمَسَّكُ بِالقُرآنِ الكَريمِ، فِي حِينِ أَنَّها تَرُدُّ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَلَا تَقبَلُ الأَحاديثَ الصَّحيحَةَ الثّابِتَةَ عَنهُ، مَعَ أَنَّ القُرآنَ الكَريمَ الَّذي يَدَّعونَ الانتِسابَ إِلَيهِ قَد أَمَرَ بِطاعَةِ الرَّسولِ ﷺ، وَاتِّباعِهِ، وَالأَخذِ بِما جاءَ بِهِ، وَالانتِهاءِ عَمّا نَهى عَنهُ.
❁ وَالحَقُّ أَنَّ القُرآنِيَّ الصّادِقَ هُوَ الَّذي يَتَّبِعُ القُرآنَ فِي أَمرِهِ بِطاعَةِ الرَّسولِ ﷺ وَاتِّباعِ سُنَّتِهِ؛ فَلَا يَستَقيمُ لِمُسلِمٍ أَن يَدَّعِيَ التَّمَسُّكَ بِكِتابِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَرُدَّ بَيانَ رَسولِ اللهِ ﷺ وَهَديَهُ وَسُنَّتَهُ. وَمَن زَعَمَ أَنَّهُ يَقبَلُ القُرآنَ وَيَرُدُّ السُّنَّةَ، فَقَد ناقَضَ نَفسَهُ؛ لِأَنَّ القُرآنَ الَّذي يَزعُمُ التَّمَسُّكَ بِهِ هُوَ الَّذي أَمَرَهُ بِطاعَةِ الرَّسولِ ﷺ وَالتَّسليمِ لِحُكمِهِ.
❁ وَقَد ظَهَرَ فِي زَمانِنا أُناسٌ يُسَمُّونَ أَنفُسَهُم «القُرآنِيِّينَ»، وَيَدَّعونَ أَنَّهُم يَكتَفونَ بِالقُرآنِ الكَريمِ، وَيَقولونَ: إِنَّنا لَا نَأخُذُ بِأَحاديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ؛ لِأَنَّنا لَا نَضمَنُ صِحَّتَها وَضَبطَها، وَلِأَنَّ بَعضَها ـ عَلَى زَعمِهِم ـ قَد يَكونُ دَخَلَهُ الوَضعُ أَوِ التَّحريفُ. ثُمَّ يَجعَلونَ هٰذِهِ الشُّبهَةَ ذَريعَةً لِرَدِّ السُّنَّةِ كُلِّها، وَالاقتِصارِ عَلَى فَهمِهِم الخاصِّ لِلقُرآنِ الكَريمِ.
❁ وَهٰذا المَنهَجُ مِن أَخطَرِ المَناهِجِ الَّتي تُفضِي إِلَى هَدمِ الدِّينِ وَالتَّحَلُّلِ مِن أَحكامِهِ؛ لِأَنَّ هَدمَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ هَدمٌ لِجُزءٍ عَظيمٍ مِن بُنيانِ الإِسلامِ. فَالقُرآنُ الكَريمُ، وَإِن بَيَّنَ جُملَةً مِنَ الأَحكامِ تَفصيلًا، فَقَد جاءَت أَحكامٌ كَثيرَةٌ فِيهِ عَلَى سَبيلِ الإِجمالِ، وَتَوَلَّتِ السُّنَّةُ بَيانَها وَتَفصيلَها وَتَحديدَ كَيفِيَّةِ العَمَلِ بِها.
❁ فَالقُرآنُ أَمَرَ بِإِقامِ الصَّلاةِ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ هِيَ الَّتي بَيَّنَت أَوقاتَها وَعَدَدَ رَكَعاتِها وَصِفَتَها وَما يَجِبُ فِيها. وَأَمَرَ القُرآنُ بِإِيتاءِ الزَّكاةِ، وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنصِبَتَها وَمَقاديرَها وَالأَموالَ الَّتي تَجِبُ فِيها. وَفَرَضَ اللهُ الحَجَّ، وَبَيَّنَ رَسولُ اللهِ ﷺ مَناسِكَهُ وَأَعمالَهُ. فَإِذا تُرِكَتِ السُّنَّةُ، ضاعَ بَيانُ هٰذِهِ العِباداتِ، وَتَعَذَّرَ إِقامَتُها عَلَى الوَجهِ الَّذي أَرادَهُ اللهُ تَعَالَى.
❁ وَمِن هُنا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَن يَرُدُّ السُّنَّةَ لَا يَكتَفي بِإِنكارِ أَخبارٍ تارِيخِيَّةٍ أَو رِواياتٍ مُجَرَّدَةٍ، بَل يَهدِمُ المَصدَرَ الَّذي بَيَّنَ لِلأُمَّةِ كَيفِيَّةَ تَطبيقِ القُرآنِ وَفَهمِ أَحكامِهِ. وَهٰذا يَفتَحُ البابَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَن يُفَسِّرَ القُرآنَ بِهَواهُ، وَأَن يَرفُضَ ما لَا يُوافِقُ رَغبَتَهُ، ثُمَّ يَزعُمَ أَنَّهُ لَم يَجِد تَحريمَهُ فِي القُرآنِ.
❁ وَلِذٰلِكَ نَرى بَعضَ النّاسِ إِذا نُصِحَ بِتَركِ مُحَرَّمٍ، كَشُربِ الخَمرِ، أَوِ الرِّبا، أَوِ الوَشمِ، أَو كَشفِ المَرأَةِ شَعرَها أَمامَ مَن لَا يَحِلُّ لَها أَن تَكشِفَهُ أَمامَهُ، قالَ: أَينَ تَحريمُ هٰذا فِي القُرآنِ؟ فَإِذا بُيِّنَ لَهُ ما في القُرآنِ مِن دَلالَةٍ عَلَى التَّحريمِ، وَذُكِرَت لَهُ الأَحاديثُ الصَّحيحَةُ المُفَصِّلَةُ لِلحُكمِ، قالَ: إِنِّي لَا آخُذُ إِلَّا بِالقُرآنِ، وَلَا أَقبَلُ الحَديثَ النَّبَوِيَّ.
❁ وَهٰذا فِي الحَقيقَةِ لَيسَ تَمسُّكًا بِالقُرآنِ، بَل هُوَ رَدٌّ لِلقُرآنِ نَفسِهِ؛ لِأَنَّ القُرآنَ الكَريمَ أَوجَبَ طاعَةَ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي آياتٍ كَثيرَةٍ فِيمَا يَقرُبُ مِن مِائَةِ آيَةٍ، وَجَعَلَ طاعَتَهُ مِن طاعَةِ اللهِ تَعَالَى، فَقالَ سُبحانَهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطاعَ اللهَ﴾ [النِّساءُ]. فَمَن رَفَضَ طاعَةَ الرَّسولِ ﷺ، فَقَد رَفَضَ طاعَةَ اللهِ الَّتي أَمَرَ بِها فِي كِتابِهِ.
❁ وَلَم يَقتَصِرِ القُرآنُ الكَريمُ عَلَى الأَمرِ بِطاعَةِ الرَّسولِ ﷺ، بَل نَفَى الإِيمانَ عَمَّن يَرفُضُ التَّحاكُمَ إِلَيهِ، أَو يَجِدُ فِي نَفسِهِ حَرَجًا مِن حُكمِهِ، فَقالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسليمًا﴾ [النِّساءُ]. فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى مِن شُروطِ الإِيمانِ الصّادِقِ تَحكيمَ رَسولِهِ ﷺ، وَالقَبولَ بِحُكمِهِ، وَالتَّسليمَ لَهُ تَسليمًا كامِلًا.
❁ وَقالَ اللهُ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلَا مُؤمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمرًا أَن يَكونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالًا مُبينًا﴾ [الأَحزابُ]. فَإِذا قَضَى اللهُ وَرَسولُهُ أَمرًا، لَم يَكُن لِمُؤمِنٍ وَلَا مُؤمِنَةٍ أَن يَختارَ بَعدَ ذٰلِكَ ما يُخالِفُ الشَّرعَ، أَو أَن يَقولَ: رَأيِي كَذا، وَهَوايَ كَذا، بَل يَجِبُ عَلَيهِ التَّسليمُ لِحُكمِ اللهِ وَحُكمِ رَسولِهِ ﷺ.
❁ وَمِن أَوضَحِ الآياتِ فِي وُجوبِ الأَخذِ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَديدُ العِقابِ﴾. فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالأَخذِ بِما آتانا الرَّسولُ ﷺ، وَالانتِهاءِ عَمّا نَهانا عَنهُ، وَلَم يَجعَل طاعَتَهُ مَقصورَةً عَلَى ما جاءَ نَصُّهُ مُفَصَّلًا فِي القُرآنِ.
❁ وَكَذٰلِكَ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مِن وَظيفَةِ الرَّسولِ ﷺ بَيانَ القُرآنِ لِلنّاسِ، فَقالَ سُبحانَهُ: ﴿وَأَنزَلنا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ﴾. فَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ هِيَ البَيانُ العَمَلِيُّ وَالقَولِيُّ لِكِتابِ اللهِ، وَمَن رَفَضَ هٰذا البَيانَ فَقَد رَفَضَ وَظيفَةً أَثبَتَها القُرآنُ لِرَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ فَهٰؤُلاءِ لَيسُوا قُرآنِيِّينَ عَلَى الحَقيقَةِ؛ لِأَنَّ القُرآنِيَّ الحَقَّ لَا يَنتَقِي مِنَ القُرآنِ ما يُوافِقُ هَواهُ، ثُمَّ يَترُكُ ما يَأمُرُهُ بِطاعَةِ الرَّسولِ ﷺ. وَإِنَّما القُرآنِيُّ الصّادِقُ مَن آمَنَ بِالقُرآنِ كُلِّهِ، وَعَمِلَ بِأَوامِرِهِ جَميعِها، وَمِن أَعظَمِها طاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَاتِّباعُ سُنَّتِهِ، وَالقَبولُ بِحُكمِهِ وَبَيانِهِ.
❁ وَإِنَّ رَدَّ السُّنَّةِ لَيسَ خَطَأً عِلمِيًّا يَسيرًا، بَل هُوَ بابٌ خَطيرٌ يُفضِي إِلَى تَحكيمِ الهَوى فِي الدِّينِ، وَتَحليلِ ما حَرَّمَ اللهُ، وَإِسقاطِ جُملَةٍ كَبيرَةٍ مِن أَحكامِ الإِسلامِ. فَمَن أَسقَطَ السُّنَّةَ أَسقَطَ تَفاصيلَ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَالحَجِّ وَالصِّيامِ، وَأَسقَطَ كَثيرًا مِن أَحكامِ المُعامَلاتِ وَالأَنكِحَةِ وَالحُدودِ وَالآدابِ، وَتَرَكَ الدِّينَ عُرضَةً لِأَهواءِ النّاسِ وَتَفسيراتِهِم المُتَناقِضَةِ.
❁ وَالواجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَعلَمَ أَنَّ القُرآنَ وَالسُّنَّةَ وَحيانِ مُتَلازِمانِ فِي الدَّلالَةِ عَلَى شَرعِ اللهِ تَعَالَى؛ فَالقُرآنُ أَصلُ الدِّينِ وَكِتابُ اللهِ المُنزَّلُ، وَالسُّنَّةُ بَيانُهُ وَتَفسيرُهُ وَتَطبيقُهُ العَمَلِيُّ. وَلَا يُمكِنُ لِمُسلِمٍ أَن يَفهَمَ الإِسلامَ فَهمًا صَحيحًا، أَو يَعمَلَ بِالقُرآنِ عَمَلًا كامِلًا، مَعَ رَفضِ سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ فَالقُرآنِيُّ حَقًّا هُوَ الَّذي يَقولُ: آمَنّا بِكِتابِ اللهِ، وَأَطَعنا رَسولَ اللهِ ﷺ، وَقَبِلنا سُنَّتَهُ الصَّحيحَةَ، وَاحتَكَمنا إِلَى هَديِهِ، وَسَلَّمنا لِحُكمِهِ؛ لِأَنَّ هٰذا هُوَ مُقتَضى القُرآنِ، وَهُوَ سَبيلُ الإِيمانِ وَالاهتِداءِ.
*❖ خُطُورَةُ دَعوَى الِاكتِفَاءِ بِالقُرآنِ*
❁ يَقُولُ رَادُّو السُّنَّةِ: لَا ضَمَانَ لَنَا بِصِحَّةِ الأَحَادِيثِ؛ فَفِيهَا المَوضُوعُ وَالمَكذُوبُ وَالضَّعِيفُ وَالمَغلُوطُ، وَلِذٰلِكَ نَقتَصِرُ عَلَى القُرآنِ الكَرِيمِ وَحدَهُ. وَهٰذِهِ شُبهَةٌ خَطِيرَةٌ، تَقُومُ عَلَى خَلطٍ ظَاهِرٍ بَينَ وُجُودِ أَحَادِيثَ مَوضُوعَةٍ أَو ضَعِيفَةٍ، وَبَينَ رَدِّ السُّنَّةِ كُلِّهَا؛ فَإِنَّ وُجُودَ الكَذِبِ فِي بَعضِ المَنقُولَاتِ لَا يَقتَضِي رَدَّ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ، كَمَا أَنَّ وُجُودَ النُّقُودِ المُزَيَّفَةِ لَا يَقتَضِي إِبطَالَ النُّقُودِ الصَّحِيحَةِ كُلِّهَا.
❁ بَل إِنَّ عُلَمَاءَ الحَدِيثِ قَد أَقَامُوا مِنَ القَوَاعِدِ وَالمَنَاهِجِ الدَّقِيقَةِ مَا يَكشِفُ الصَّحِيحَ مِنَ الضَّعِيفِ، وَالمَحفُوظَ مِنَ المَوهُومِ، وَالمَقبُولَ مِنَ المَردُودِ؛ فَبَحَثُوا فِي أَحوَالِ الرُّوَاةِ، وَدَقَّقُوا فِي الأَسَانِيدِ، وَقَارَنُوا بَينَ الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ، وَكَشَفُوا العِلَلَ الخَفِيَّةَ، وَمَيَّزُوا المَوضُوعَاتِ، وَحَذَّرُوا مِنهَا. فَوُجُودُ الحَدِيثِ المَوضُوعِ لَيسَ دَلِيلًا عَلَى ضَيَاعِ السُّنَّةِ، بَل إِنَّ مَعرِفَةَ المَوضُوعِ وَتَسمِيَتَهُ مَوضُوعًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهلَ العِلمِ قَد كَشَفُوهُ وَمَيَّزُوهُ مِنَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
❁ وَإِنَّ دَعوَى الِاكتِفَاءِ بِالقُرآنِ لَا تَقِفُ عِندَ حَدِّ رَدِّ الأَحَادِيثِ، بَل تَنتَهِي إِلَى هَدمِ جَانِبٍ عَظِيمٍ مِن جَوَانِبِ الدِّينِ، وَتَعطِيلِ كَثِيرٍ مِن أَحكَامِ القُرآنِ الَّتِي لَا يُمكِنُ فَهمُهَا وَتَطبِيقُهَا عَلَى وَجهِهَا الصَّحِيحِ إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَمَن رَدَّ السُّنَّةَ فَقَد رَدَّ البَيَانَ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى وَظِيفَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَفَتَحَ البَابَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَن يَفهَمَ القُرآنَ عَلَى وَفقِ هَوَاهُ وَرَأيِهِ.
❁ فَالقُرآنُ الكَرِيمُ بَيَّنَ كَثِيرًا مِنَ الأَحكَامِ بَيَانًا إِجمَالِيًّا، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ فَفَصَّلَتهَا وَشَرَحَتهَا، وَحَدَّدَت صِفَاتِهَا وَشُرُوطَهَا وَمَوَاقِيتَهَا وَمُبطِلَاتِهَا. فَأَمَرَ القُرآنُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَلَم يُبَيِّن فِي آيَاتِهِ عَدَدَ رَكَعَاتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَا كَيفِيَّةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَا تَفَاصِيلَ مَا يُقَالُ فِيهَا؛ وَإِنَّمَا بَيَّنَتِ السُّنَّةُ ذٰلِكَ كُلَّهُ.
❁ وَأَمَرَ القُرآنُ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَكِنَّهُ لَم يُفَصِّل فِي كُلِّ مَوضِعٍ أَنصِبَةَ الأَموَالِ، وَلَا المَقَادِيرَ الوَاجِبَةَ فِيهَا، وَلَا شُرُوطَ وُجُوبِهَا، فَجَاءَتِ السُّنَّةُ فَبَيَّنَت ذٰلِكَ. وَفَرَضَ اللهُ تَعَالَى الحَجَّ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ فَبَيَّنَت مَنَاسِكَهُ وَمَوَاقِيتَهُ وَوَاجِبَاتِهِ وَمَحظُورَاتِهِ. وَكَذٰلِكَ فِي الصِّيَامِ، وَالبُيُوعِ، وَالأَنكِحَةِ، وَالجِنَايَاتِ، وَسَائِرِ أَبوَابِ الدِّينِ.
❁ فَلَيسَتِ السُّنَّةُ شَيئًا مُنفَصِلًا عَنِ القُرآنِ، وَلَا مَصدَرًا مُنَافِسًا لَهُ، بَل هِيَ بَيَانُهُ النَّبَوِيُّ، وَتَفسِيرُهُ العَمَلِيُّ، وَالتَّطبِيقُ الَّذِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أَن يَقتَدُوا بِهِ. وَمِن هُنَا كَانَ الأَخذُ بِالسُّنَّةِ مِن تَمَامِ الأَخذِ بِالقُرآنِ، وَكَانَ رَدُّهَا مُخَالَفَةً صَرِيحَةً لِمَا أَمَرَ بِهِ القُرآنُ مِن طَاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَالِاهتِدَاءِ بِهَديِهِ.
❁ وَالقُرآنُ الكَرِيمُ نَفسُهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللهَ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾. فَمَن زَعَمَ أَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِالقُرآنِ، ثُمَّ رَفَضَ مَا ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، فَقَد نَاقَضَ دَعوَاهُ، وَرَدَّ حُكمَ القُرآنِ الَّذِي يَزعُمُ الِاكتِفَاءَ بِهِ.
❁ وَعَلَى هٰذَا؛ فَإِنَّ المَوقِفَ الصَّحِيحَ لَيسَ رَدَّ السُّنَّةِ بِحُجَّةِ وُجُودِ الضَّعِيفِ وَالمَوضُوعِ، بَل قَبُولُ مَا ثَبَتَ مِنهَا بِالقَوَاعِدِ العِلمِيَّةِ المُعتَبَرَةِ، وَرَدُّ مَا لَم يَثبُت. أَمَّا إِسقَاطُ السُّنَّةِ كُلِّهَا، فَلَيسَ تَحَقُّقًا وَلَا احتِيَاطًا، بَل هُوَ هَدمٌ لِمَصدَرٍ أَصِيلٍ مِن مَصَادِرِ التَّشرِيعِ، وَإِبطَالٌ لِلبَيَانِ النَّبَوِيِّ الَّذِي لَا يُستَغنَى عَنهُ فِي فَهمِ دِينِ اللهِ تَعَالَى وَالعَمَلِ بِهِ.
*❖ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ﴾*
❁ يَستَدِلُّ بَعضُ رَادِّي السُّنَّةِ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ﴾ [الأَنعامُ: ٣٨]، ثُمَّ يَقولونَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَد ذَكَرَ فِي القُرآنِ كُلَّ شَيءٍ، فَلَا حاجَةَ بَعدَ ذٰلِكَ إِلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَا وَجهَ لِجَعلِها مَصدَرًا مِن مَصادِرِ التَّشريعِ.
❁ وَهٰذا الِاستِدلالُ غَيرُ صَحيحٍ؛ لِأَنَّهُ مَبنِيٌّ عَلَى فَهمٍ غَيرِ مُسَلَّمٍ لِمُرادِ الآيَةِ، وَعَلَى إِغفالِ الآياتِ الكَثيرَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى فِيها بِطاعَةِ رَسولِهِ ﷺ وَاتِّباعِ بَيانِهِ وَالأَخذِ بِما جاءَ بِهِ.
❁ وَقَد ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرينَ إِلَى أَنَّ المُرادَ بِـ«الكِتابِ» فِي هٰذِهِ الآيَةِ هُوَ أُمُّ الكِتابِ، أَيِ اللَّوحُ المَحفوظُ الَّذي كَتَبَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مَقاديرَ الخَلائِقِ، وَما كانَ وَما يَكونُ؛ فَيَكونُ مَعنى الآيَةِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَم يَترُك شَيئًا مِن أَحوالِ مَخلوقاتِهِ وَآجالِها وَأَرزاقِها وَأَعمالِها إِلَّا وَهُوَ مَكتوبٌ عِندَهُ وَمُحيطٌ بِهِ عِلمُهُ.
❁ وَيُؤَيِّدُ هٰذا الفَهمَ سِياقُ الآيَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قالَ: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمثَالُكُم مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم يُحشَرُونَ﴾ [الأَنعامُ: ٣٨]. فَالآيَةُ في سِياقِ بَيانِ إِحاطَةِ عِلمِ اللهِ تَعَالَى بِخَلقِهِ، وَأَنَّ أَحوالَ المَخلوقاتِ كُلَّها مَعلُومَةٌ مَكتوبَةٌ عِندَهُ، لا فِي سِياقِ نَفيِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ أَوِ الِاكتِفاءِ بِالقُرآنِ عَن بَيانِ الرَّسولِ ﷺ.
❁ وَقَد ذَهَبَ بَعضُ أَهلِ التَّفسيرِ إِلَى أَنَّ المُرادَ بِـ«الكِتابِ» هُنا القُرآنُ الكَريمُ. وَعَلَى هٰذا القَولِ أَيضًا لَا تَدُلُّ الآيَةُ عَلَى إِسقاطِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ القُرآنَ قَد جاءَ بِأُصولِ الدِّينِ وَقَواعِدِهِ، وَبَيَّنَ ما يَحتاجُ إِلَيهِ النّاسُ فِي هِدايَتِهِم، تَارَةً بِالتَّفصيلِ، وَتَارَةً بِالإِجمالِ، وَأَحالَ فِي بَيانِ كَثيرٍ مِن أَحكامِهِ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ فَالقُرآنُ نَفسُهُ هُوَ الَّذي أَثبَتَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَظيفَةَ البَيانِ، فَقالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلنا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ﴾ [النَّحلُ: ٤٤]. فَإِذا كانَ مِن وَظيفَةِ الرَّسولِ ﷺ أَن يُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم، كانَ بَيانُهُ وَسُنَّتُهُ مِن تَمامِ هِدايَةِ القُرآنِ، لا شَيئًا غَريبًا عَنهُ أَو مُنافِسًا لَهُ.
❁ وَمَعنى اشتِمالِ القُرآنِ عَلَى ما يَحتاجُ إِلَيهِ النّاسُ لَيسَ أَنَّ كُلَّ جُزئِيَّةٍ مِن جُزئِيّاتِ الأَحكامِ ذُكِرَت فِيهِ تَفصيلًا بِأَلفاظِها وَمَقاديرِها وَكَيِفيّاتِها؛ بَل إِنَّ مِن طُرُقِ بَيانِ القُرآنِ أَن يَذكُرَ الحُكمَ مُجمَلًا، ثُمَّ يَكِلَ تَفصيلَهُ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ، وَأَن يَأمُرَ بِطاعَتِهِ وَالاقتِداءِ بِهِ.
❁ فَقَد أَمَرَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرآنِ بِإِقامِ الصَّلاةِ، وَلَم يَذكُر فِي القُرآنِ تَفصيلَ عَدَدِ رَكَعاتِ كُلِّ صَلاةٍ، وَلَا كَيفِيَّةَ الرُّكوعِ وَالسُّجودِ، وَلَا جَميعَ أَركانِها وَواجِباتِها وَمُبطِلاتِها. وَإِنَّما بَيَّنَ رَسولُ اللهِ ﷺ ذٰلِكَ بِقَولِهِ وَفِعلِهِ، وَقالَ: «صَلُّوا كَما رَأَيتُمونِي أُصَلِّي».
❁ وَكَذٰلِكَ أَمَرَ القُرآنُ بِإِيتاءِ الزَّكاةِ، وَلَم يُفَصِّل فِي آياتِهِ أَنصِبَةَ جَميعِ الأَموالِ، وَلَا المَقاديرَ الواجِبَةَ فِيها، وَلَا شُروطَ وُجوبِها، فَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ ذٰلِكَ. وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالحَجِّ، وَتَوَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَيانَ مَناسِكِهِ وَمَواقيتِهِ وَواجِباتِهِ، وَقالَ: «لِتَأخُذوا عني مَناسِكَكُم».
❁ وَالأَمرُ نَفسُهُ يَجري فِي الصِّيامِ وَالعُمرَةِ وَالبُيوعِ وَالأَنكِحَةِ وَالمَواريثِ وَالحُدودِ وَسائِرِ أَبوابِ الشَّريعَةِ؛ فَإِنَّ القُرآنَ يَضَعُ الأُصولَ وَالقَواعِدَ، وَتَأتي السُّنَّةُ فَتُفَصِّلُ المُجمَلَ، وَتُبَيِّنُ المُبهَمَ، وَتُقَيِّدُ المُطلَقَ، وَتُخَصِّصُ العامَّ، وَتَشرَحُ كَيفِيَّةَ العَمَلِ بِأَوامِرِ اللهِ تَعَالَى.
❁ فَمَن زَعَمَ أَنَّهُ يَستَطيعُ الِاكتِفاءَ بِالقُرآنِ وَإِسقاطَ السُّنَّةِ، فَليُبَيِّن لَنا مِنَ القُرآنِ وَحدَهُ كَيفِيَّةَ الصَّلَواتِ الخَمسِ، وَعَدَدَ رَكَعاتِها، وَأَنصِبَةَ الزَّكاةِ، وَتَفاصيلَ مَناسِكِ الحَجِّ، وَغَيرَ ذٰلِكَ مِنَ الأَحكامِ الَّتِي تَلَقَّاها المُسلِمونَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ. فَإِنَّهُ لَن يَستَطيعَ ذٰلِكَ إِلَّا بِالرُّجوعِ إِلَى السُّنَّةِ الَّتي يَزعُمُ أَنَّهُ مُستَغنٍ عَنها.
❁ وَبِذٰلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ﴾ لَيسَ دَليلًا عَلَى رَدِّ السُّنَّةِ بِحالٍ؛ فَإِن كانَ المُرادُ بِالكِتابِ اللَّوحَ المَحفوظَ، فَلَا تَعَلُّقَ لِلآيَةِ بِهٰذِهِ الدَّعوى أَصلًا، وَإِن كانَ المُرادُ بِهِ القُرآنَ، فَإِنَّ القُرآنَ نَفسَهُ قَد أَمَرَ بِاتِّباعِ الرَّسولِ ﷺ، وَجَعَلَ سُنَّتَهُ بَيانًا لَهُ، فَكانَ الأَخذُ بِالسُّنَّةِ مِن تَمامِ الأَخذِ بِالقُرآنِ، لا خُروجًا عَنهُ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ الِاستِدلالَ بِهٰذِهِ الآيَةِ عَلَى الِاكتِفاءِ بِالقُرآنِ وَرَدِّ السُّنَّةِ استِدلالٌ يَنقُضُ نَفسَهُ؛ لِأَنَّ مَن زَعَمَ أَنَّهُ يَتَّبِعُ القُرآنَ وَجَبَ عَلَيهِ أَن يَتَّبِعَ ما أَمَرَهُ القُرآنُ بِاتِّباعِهِ، وَمِن أَعظَمِ ذٰلِكَ طاعَةُ رَسولِ اللهِ ﷺ وَقَبولُ بَيانِهِ وَالاقتِداءُ بِسُنَّتِهِ.
*❖ السُّنَّةُ بَيَانٌ لِمُجمَلِ القُرآنِ*
❁ وَلنَأخُذِ الصَّلَاةَ مِثالًا واضِحًا؛ فَقَد أَمَرَنا اللهُ تَعَالَى فِي كِتابِهِ بِإِقامَتِها، وَكَرَّرَ الأَمرَ بِها فِي آياتٍ كَثيرَةٍ، وَلٰكِن أَينَ ذُكِرَ فِي القُرآنِ أَنَّ صَلاةَ الفَجرِ رَكعَتانِ، وَأَنَّ صَلاةَ الظُّهرِ وَالعَصرِ وَالعِشاءِ أَربَعُ رَكَعاتٍ، وَأَنَّ صَلاةَ المَغرِبِ ثَلاثُ رَكَعاتٍ؟
❁ وَأَينَ ذُكِرَت فِي القُرآنِ هَيئَةُ الرُّكوعِ وَالسُّجودِ، وَصِفَةُ التَّكبيرِ، وَالتَّشَهُّدُ، وَالتَّسليمُ، وَشُروطُ الصَّلاةِ، وَأَركانُها، وَواجِباتُها، وَمُبطِلاتُها، وَأَحكامُ السَّهوِ فِيها؟ وَأَينَ بُيِّنَت صِفَةُ صَلاةِ الجَماعَةِ، وَصَلاةِ الجُمُعَةِ، وَصَلاةِ الجَنازَةِ، وَصَلاةِ العِيدَينِ، وَصَلاةِ الخَوفِ، وَسَجدَةِ الشُّكرِ، وَسَجدَةِ التِّلاوَةِ؟
❁ إِنَّما بَيَّنَ رَسولُ اللهِ ﷺ هٰذِهِ الأَحكامَ كُلَّها بِقَولِهِ وَفِعلِهِ وَتَعليمِهِ لِأَصحابِهِ، وَأَمَرَ الأُمَّةَ أَن تَقتَدِيَ بِهِ، فَقالَ: «صَلُّوا كَما رَأَيتُمونِي أُصَلِّي». فَالسُّنَّةُ هِيَ الَّتي نَقَلَت لَنا الصِّفَةَ العَمَلِيَّةَ لِلصَّلاةِ الَّتي أَمَرَ اللهُ بِها فِي القُرآنِ.
❁ وَلَو رُدَّتِ السُّنَّةُ، لَم يَستَطِع مَن يَدَّعِي الِاكتِفاءَ بِالقُرآنِ أَن يُقِيمَ صَلاةً واحِدَةً عَلَى صِفَتِها المَشروعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَن يَجِدَ فِي القُرآنِ وَحدَهُ تَفصيلَ عَدَدِ الرَّكَعاتِ، وَلَا كَيفِيَّةَ الأَداءِ، وَلَا ما يَصحُّ بِهِ العَمَلُ وَما يَبطُلُ بِهِ.
❁ وَكَذٰلِكَ الحَجُّ؛ فَقَد قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾، وَأَمَرَ بِالحَجِّ إِلَى بَيتِهِ الحَرامِ، وَلٰكِنَّ القُرآنَ لَم يَذكُر تَفاصيلَ الإِحرامِ وَالمَواقيتِ وَالتَّلبِيَةِ، وَلَا عَدَدَ أَشواطِ الطَّوافِ وَالسَّعيِ، وَلَا صِفَةَ الوُقوفِ بِعَرَفَةَ، وَالمَبيتِ بِمُزدَلِفَةَ وَمِنًى، وَرَميِ الجِمارِ، وَالحَلقِ أَوِ التَّقصيرِ، وَالتَّحَلُّلِ مِنَ الإِحرامِ.
❁ وَإِنَّما بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذٰلِكَ كُلَّهُ بِحَجَّتِهِ وَتَعليمِهِ وَإِرشادِهِ، وَقالَ لِأُمَّتِهِ: «لِتَأخُذوا عني مَناسِكَكُم». فَلَو أُسقِطَتِ السُّنَّةُ، لَتَعَذَّرَ عَلَى المُسلِمِينَ أَداءُ الحَجِّ عَلَى الوَجهِ الَّذي شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى.
❁ وَفِي الصِّيامِ أَسئِلَةٌ وَأَحكامٌ كَثيرَةٌ لَا يُمكِنُ مَعرِفَةُ تَفاصيلِها مِنَ القُرآنِ وَحدَهُ؛ فَما حُكمُ مَن أَكَلَ أَو شَرِبَ ناسِيًا فِي نَهارِ رَمَضانَ؟ وَما حُكمُ مَن أَصبَحَ جُنُبًا؟ وَما حُكمُ مَن جامَعَ زَوجَتَهُ فِي نَهارِ رَمَضانَ؟ وَما الكَفّارَةُ الواجِبَةُ عَلَيهِ؟ وَما حُكمُ القَيءِ وَالحِجامَةِ وَالسَّفَرِ وَالمَرَضِ وَقَضاءِ الصِّيامِ؟
❁ وَقَد جاءَتِ السُّنَّةُ فَبَيَّنَت هٰذِهِ الأَحكامَ، وَفَصَّلَت ما أَجمَلَهُ القُرآنُ، وَرَفَعَتِ الحَرَجَ عَمَّن أَكَلَ أَو شَرِبَ ناسِيًا، وَبَيَّنَت كَفّارَةَ مَن جامَعَ فِي نَهارِ رَمَضانَ، وَغَيرَ ذٰلِكَ مِنَ المَسائِلِ الَّتي لا يَستَغنِي عَنها الصّائِمُ.
❁ وَفِي الزَّكاةِ أَمرَ اللهُ تَعَالَى بِإِيتائِها، وَلٰكِن أَينَ ذُكِرَ فِي القُرآنِ تَفصيلُ الأَموالِ الَّتي تَجِبُ فِيها الزَّكاةُ، وَنِصابُ كُلِّ مالٍ، وَالمِقدارُ الواجِبُ إِخراجُهُ، وَشُروطُ وُجوبِها، وَأَحكامُ زَكاةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَعُروضِ التِّجارَةِ، وَالزُّروعِ وَالثِّمارِ، وَبَهيمَةِ الأَنعامِ؟
❁ وَإِنَّما جاءَتِ السُّنَّةُ فَبَيَّنَت هٰذِهِ التَّفاصيلَ، وَحَدَّدَتِ الأَنصِبَةَ وَالمَقاديرَ، وَمَيَّزَت بَينَ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ وَما لَا تَجِبُ فِيهِ. فَلَو تُرِكَتِ السُّنَّةُ، لَم يَستَطِع أَحَدٌ أَن يُؤَدِّيَ الزَّكاةَ عَلَى الوَجهِ الصَّحيحِ.
❁ وَهٰكَذا الأَمرُ فِي سَائِرِ أَبوابِ الشَّريعَةِ؛ فَفِي المُعامَلاتِ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَحكامَ البُيوعِ وَالرِّبا وَالغَرَرِ وَالخِياراتِ وَالدُّيونِ. وَفِي الأَنكِحَةِ بَيَّنَت شُروطَ النِّكاحِ وَأَحكامَ الوَليِّ وَالشُّهودِ وَالرَّضاعِ وَالعِدَدِ وَالنَّفَقاتِ. وَفِي القَضاءِ وَالجِناياتِ وَالحُدودِ بَيَّنَت أَحكامًا كَثيرَةً لَم تَرِد تَفاصيلُها فِي القُرآنِ.
❁ وَحَتَّى فِي أَبوابِ الطَّهارَةِ، لَو لَم تَكُنِ السُّنَّةُ، لَما عَرَفَ المُسلِمُ تَفاصيلَ الوُضوءِ، وَنَواقِضَهُ، وَصِفَةَ الغُسلِ، وَأَحكامَ التَّيَمُّمِ، وَالمَسحِ عَلَى الخُفَّينِ، وَغَيرَ ذٰلِكَ مِنَ المَسائِلِ الَّتي تَتَوَقَّفُ عَلَيها صِحَّةُ العِبادَةِ.
❁ وَبِذٰلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ السُّنَّةَ لَيسَت زِيادَةً مُستَغنًى عَنها، وَلَا مَصدَرًا مُنفَصِلًا عَنِ القُرآنِ، بَل هِيَ البَيانُ الَّذي أَقامَهُ اللهُ تَعَالَى لِكِتابِهِ، وَالطَّريقُ العَمَلِيُّ لِتَطبيقِ أَحكامِهِ. فَالقُرآنُ يَأمُرُ، وَالسُّنَّةُ تُبَيِّنُ كَيفِيَّةَ الامتِثالِ؛ وَالقُرآنُ يُجمِلُ، وَالسُّنَّةُ تُفَصِّلُ؛ وَالقُرآنُ يَضَعُ القاعِدَةَ، وَالسُّنَّةُ تَشرَحُ فُروعَها وَتَطبيقاتِها.
❁ فَمَن زَعَمَ الِاكتِفاءَ بِالقُرآنِ وَرَفَضَ السُّنَّةَ، فَإِنَّهُ فِي الحَقيقَةِ يَمنَعُ نَفسَهُ مِن تَطبيقِ القُرآنِ؛ لِأَنَّهُ رَفَضَ البَيانَ الَّذي أَمَرَ القُرآنُ بِاتِّباعِهِ. وَمِن هُنا كانَ التَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ مِن تَمامِ التَّمَسُّكِ بِالقُرآنِ، وَكانَ رَدُّها تَعطيلًا لِجُملَةٍ كَبيرَةٍ مِن أَحكامِهِ وَأَوامِرِهِ.
*❖ إِخبَارُ النَّبِيِّ ﷺ بِظُهُورِ رَادِّي السُّنَّةِ*
❁ لَم تَكُن دَعوى الِاكتِفاءِ بِالقُرآنِ وَرَدِّ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَمرًا مُستَحدَثًا لَم يُنَبِّه عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ، بَل أَخبَرَ عَن ظُهورِ أُناسٍ يَرفُضونَ سُنَّتَهُ، وَيَدَّعونَ أَنَّهُم لَا يَقبَلونَ مِنَ الدِّينِ إِلَّا ما وَجَدوهُ مَنصوصًا عَلَيهِ فِي القُرآنِ الكَريمِ.
❁ فَقَد قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «يُوشِكُ أَن يَقعُدَ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَريكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَديثٍ مِن حَديثِي، فَيَقولُ: بَينَنا وَبَينَكُم كِتابُ اللهِ؛ فَما وَجَدنا فِيهِ مِن حَلالٍ استَحلَلناهُ، وَما وَجَدنا فِيهِ مِن حَرامٍ حَرَّمناهُ، أَلَا وَإِنَّ ما حَرَّمَ رَسولُ اللهِ مِثلُ ما حَرَّمَ اللهُ».
❁ وَفِي هٰذا الحَديثِ إِخبارٌ نَبَوِيٌّ صَريحٌ عَن ظُهورِ طائِفَةٍ تُعرَضُ عَلَيها سُنَّةُ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَتَرُدُّها بِدَعوى أَنَّ المَرجِعَ عِندَها هُوَ القُرآنُ وَحدَهُ، وَأَنَّها لَا تُحَرِّمُ وَلَا تُحَلِّلُ إِلَّا ما وَجَدَتهُ فِيهِ نَصًّا صَريحًا. وَهٰذا هُوَ عَينُ ما يَقولُهُ رَادُّو السُّنَّةِ فِي زَمانِنا.
❁ وَقَد وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ هٰذا الرَّجُلَ بِأَنَّهُ مُتَّكِئٌ عَلَى أَريكَتِهِ؛ إِشارَةً إِلَى حالِ التَّرَفِ وَالدَّعَةِ وَالبُعدِ عَن مَجالِسِ العِلمِ وَمَناهِجِ التَّثَبُّتِ، فَهُوَ يَرُدُّ السُّنَّةَ بِرَأيِهِ، مِن غَيرِ عِلمٍ بِطُرُقِ نَقلِها، وَلَا بِمَناهِجِ العُلَماءِ فِي تَصحيحِها وَتَضعيفِها.
❁ ثُمَّ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ هٰذِهِ الدَّعوى بِقَولِهِ: «أَلَا وَإِنَّ ما حَرَّمَ رَسولُ اللهِ مِثلُ ما حَرَّمَ اللهُ»؛ فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ تَحريمَ النَّبِيِّ ﷺ وَتَشريعَهُ لَيسَ صادِرًا عَن هَوىً أَو رَأيٍ مُجَرَّدٍ، بَل هُوَ وَحيٌ وَبَيانٌ وَتَشريعٌ أَذِنَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، وَأَمَرَ الأُمَّةَ بِطاعَتِهِ وَالامتِثالِ لَهُ.
❁ وَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ أَيضًا: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ». وَمَعنى «مِثلَهُ مَعَهُ» أَنَّهُ ﷺ أُوتِيَ مَعَ القُرآنِ وَحيًا آخَرَ يَتمَثَّلُ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، تُبَيِّنُ القُرآنَ، وَتُفَصِّلُ مُجمَلَهُ، وَتُقَيِّدُ مُطلَقَهُ، وَتُخَصِّصُ عامَّهُ، وَتَستَقِلُّ أَيضًا بِبَيَانِ أَحكامٍ أَذِنَ اللهُ تَعَالَى لِرَسولِهِ ﷺ أَن يُبَلِّغَها لِلأُمَّةِ.
❁ وَلَيسَ مَعنى ذٰلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ مِثلُ القُرآنِ فِي كُلِّ خَصائِصِهِ؛ فَالقُرآنُ كَلامُ اللهِ المُعجِزُ المُتَعَبَّدُ بِتِلاوَتِهِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَهِيَ وَحيٌ فِي مَعانيها وَبَيانِها وَتَشريعِها، وَلَها مَكانَتُها وَأَحكامُها المَعلُومَةُ. وَلٰكِنَّ المَقصودَ أَنَّها حُجَّةٌ يَجِبُ العَمَلُ بِها، كَما يَجِبُ العَمَلُ بِالقُرآنِ.
❁ وَهٰذا الحَديثُ مُصَدِّقٌ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾؛ فَاللهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالأَخذِ بِما جاءَ بِهِ الرَّسولُ ﷺ، وَلَم يَجعَل ذٰلِكَ مَقصورًا عَلَى ما تَلاهُ مِن آياتِ القُرآنِ، بَل شَمِلَ ما بَيَّنَهُ وَشَرَعَهُ وَأَمَرَ بِهِ فِي سُنَّتِهِ.
❁ وَهُوَ مُصَدِّقٌ أَيضًا لِقَولِهِ سُبحانَهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطاعَ اللهَ﴾؛ فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى طاعَةَ الرَّسولِ ﷺ طاعَةً لَهُ، وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوامِرَهُ وَنَواهِيَهُ حُجَّةٌ واجِبَةُ الِاتِّباعِ، لَا أَمرًا تابِعًا لِاختِيارِ النّاسِ وَأَهوائِهِم.
❁ وَقالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسليمًا﴾. فَنَفَى اللهُ تَعَالَى الإِيمانِ الواجبِ عَمَّن لَم يَقبَل حُكمَ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَلَم يُسَلِّم لَهُ تَسليمًا صادِقًا.
❁ فَاللهُ تَعَالَى لَم يَجعَل طاعَةَ الرَّسولِ ﷺ أَمرًا اختِيارِيًّا، يَأخُذُ مِنهُ المُسلِمُ ما يُوافِقُ رَأيَهُ، وَيَترُكُ ما يُخالِفُ هَواهُ؛ بَل جَعَلَها مِن صَميمِ الإِيمانِ، وَمِن لَوازِمِ طاعَتِهِ سُبحانَهُ، وَمِن شُروطِ الِاهتِداءِ وَالفَلاحِ.
❁ وَمَن قالَ: إِنَّنا لَا نَقبَلُ إِلَّا القُرآنَ، فَقَد رَفَضَ فِي الحَقيقَةِ جُملَةً مِن آياتِ القُرآنِ الَّتي تُوجِبُ طاعَةَ الرَّسولِ ﷺ وَتَحكيمَهُ وَالأَخذَ بِما جاءَ بِهِ. فَدَعواهُ تَنقُضُ نَفسَها؛ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ الصّادِقَ بِالقُرآنِ يَقتَضي قَبولَ السُّنَّةِ الصَّحيحَةِ وَالامتِثالَ لَها.
❁ وَيَظهَرُ مِن هٰذِهِ النُّصوصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَكتَفِ بِالأَمرِ بِاتِّباعِ سُنَّتِهِ، بَل حَذَّرَ الأُمَّةَ مِن شُبهَةِ الِاكتِفاءِ بِالقُرآنِ، وَكَشَفَها قَبلَ ظُهورِ أَصحابِها، وَبَيَّنَ أَنَّ رَدَّ ما ثَبَتَ عَنهُ مُخالَفَةٌ لِكِتابِ اللهِ نَفسِهِ، وَهَدمٌ لِمَصدَرٍ أَصيلٍ مِن مَصادِرِ التَّشريعِ.
*❖ كَيفَ نَعرِفُ الحَديثَ الصَّحيحَ مِنَ الضَّعيفِ؟*
❁ قَد يَسأَلُ سائِلٌ مُستَرشِدٌ: كَيفَ أَعرِفُ الحَديثَ الصَّحيحَ مِنَ الضَّعيفِ وَالمَوضوعِ؟ وَهٰذا سُؤالٌ مَشروعٌ، يَدُلُّ عَلَى الحِرصِ عَلَى صِيانَةِ الدِّينِ، وَالتَّثَبُّتِ مِمّا يُنسَبُ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ. وَلٰكِنَّ الجَوابَ عَنهُ لَا يَكونُ بِرَدِّ جَميعِ الأَحاديثِ وَإِسقاطِ السُّنَّةِ كُلِّها؛ فَإِنَّ وُجودَ الباطِلِ لَا يَقتَضي إِنكارَ الحَقِّ، وَوُجودَ الكَذِبِ لَا يَستَلزِمُ رَدَّ كُلِّ خَبَرٍ صادِقٍ.
❁ فَكَما أَنَّ وُجودَ أَدوِيَةٍ مَغشوشَةٍ لَا يَقتَضي إِلغاءَ عِلمِ الطِّبِّ، وَوُجودَ بَعضِ الأَخطاءِ فِي البِناءِ لَا يَقتَضي إِنكارَ عِلمِ الهَندَسَةِ، وَوُجودَ نُقودٍ مُزَيَّفَةٍ لَا يَقتَضي رَفضَ النُّقودِ الصَّحيحَةِ؛ فَكَذٰلِكَ وُجودُ أَحاديثَ مَوضوعَةٍ أَو ضَعيفَةٍ لَا يَقتَضي رَدَّ الأَحاديثِ الصَّحيحَةِ الثّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
❁ بَل إِنَّ مَعرِفَتَنا بِأَنَّ هٰذا الحَديثَ مَوضوعٌ، وَأَنَّ ذاكَ ضَعيفٌ، وَأَنَّ الآخَرَ صَحيحٌ، دَليلٌ بِنَفسِهِ عَلَى وُجودِ مَوازينَ عِلمِيَّةٍ دَقيقَةٍ مَيَّزَ بِها العُلَماءُ بَينَ مَراتِبِ الأَخبارِ. فَلَو كانَتِ الأَحاديثُ كُلُّها مُختَلِطَةً لَا سَبيلَ إِلَى تَمييزِها، لَما أَمكَنَ الحُكمُ عَلَى بَعضِها بِالوَضعِ وَعَلَى بَعضِها بِالصِّحَّةِ.
❁ وَإِنَّ تَمييزَ صَحيحِ الحَديثِ مِن سَقيمِهِ صِناعَةٌ عِلمِيَّةٌ دَقيقَةٌ، لَها أُصولُها وَقَواعِدُها وَمُصطَلَحاتُها، وَلَها أَئِمَّةٌ مُتَخَصِّصونَ أَفنَوا أَعمارَهُم فِي تَعَلُّمِها وَتَعليمِها وَتَطبيقِها؛ كَما أَنَّ لِلطِّبِّ وَالهَندَسَةِ وَالنِّجارَةِ وَالحِدادَةِ وَسائِرِ الصَّنائِعِ أَهلًا يَعرِفونَ دَقائِقَها، وَيُمَيِّزونَ صَحيحَ العَمَلِ فِيها مِن فاسِدِهِ.
❁ فَلَيسَ كُلُّ مَن قَرَأَ حَديثًا أَو نَظَرَ فِي إِسنادٍ صارَ مُؤَهَّلًا لِلحُكمِ عَلَيهِ بِالصِّحَّةِ أَوِ الضَّعفِ، كَما أَنَّ مَن قَرَأَ كِتابًا فِي الطِّبِّ لَا يَصيرُ طَبيبًا، وَمَن شاهَدَ خَريطَةً لِبِناءٍ لَا يَصيرُ مُهَندِسًا. وَإِنَّما يُرجَعُ فِي كُلِّ فَنٍّ إِلَى أَهلِ الخِبرَةِ وَالِاختِصاصِ فِيهِ، قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لَا تَعلَمونَ﴾.
❁ وَقَد بَذَلَ أَئِمَّةُ الحَديثِ جُهودًا عَظيمَةً فِي دِراسَةِ أَحوالِ الرُّواةِ، فَتَتَبَّعوا مَواليدَهُم وَوَفَياتِهِم، وَأَسفارَهُم وَبُلدانَهُم، وَشُيوخَهُم وَتَلامِيذَهُم، وَأَوقاتَ سَماعِهِم، وَدَرَجاتِ حِفظِهِم وَضَبطِهِم، وَمَا قَد يَعرِضُ لِأَحَدِهِم مِن تَغَيُّرٍ أَوِ اختِلاطٍ أَو وَهمٍ.
❁ وَنَظَروا فِي اتِّصالِ الأَسانيدِ، فَتَحَقَّقوا مِن لِقاءِ الرّاوي بِشَيخِهِ، وَإِمكانِ سَماعِهِ مِنهُ، وَمِن سَلامَةِ السَّنَدِ مِنَ الِانقِطاعِ وَالإِرسالِ وَالتَّدليسِ. وَقارَنوا بَينَ رِواياتِ الثِّقاتِ، وَتَتَبَّعوا أَلفاظَ الأَحاديثِ وَطُرُقَها، لِيَعرِفوا المَحفوظَ مِنَ الشّاذِّ، وَالصَّوابَ مِنَ الوَهمِ، وَالثّابِتَ مِنَ المُنكَرِ.
❁ وَلَم تَقتَصِر عِنايَتُهُم عَلَى نَقدِ الإِسنادِ، بَل نَظَروا أَيضًا فِي المُتونِ، وَقارَنوا بَينَ أَلفاظِها وَمَعانيها، وَكَشَفوا ما يَقَعُ فِيها مِنَ الِاضطِرابِ أَوِ الإِدراجِ أَوِ القَلبِ أَوِ التَّصحيفِ، وَعَرَفوا العِلَلَ الخَفِيَّةَ الَّتي قَد لَا يَنتَبِهُ إِلَيها إِلَّا كِبارُ الحُفّاظِ وَنُقّادُ الأَخبارِ.
❁ وَوَضَعوا لِقَبولِ الحَديثِ شُروطًا دَقيقَةً، فَاشتَرَطوا فِي الحَديثِ الصَّحيحِ اتِّصالَ سَنَدِهِ، وَعَدالَةَ رُواتِهِ، وَتَمامَ ضَبطِهِم، وَسَلامَةَ الحَديثِ مِنَ الشُّذوذِ وَالعِلَّةِ القادِحَةِ. فَإِذا خَفَّ ضَبطُ بَعضِ رُواتِهِ مَعَ بَقاءِ سائِرِ الشُّروطِ، كانَ الحَديثُ حَسَنًا، وَإِذا اختَلَّ شَرطٌ مِن شُروطِ القَبولِ حَكَموا عَلَيهِ بِالضَّعفِ عَلَى حَسَبِ نَوعِ الخَلَلِ وَدَرَجَتِهِ.
❁ وَأَلَّفوا فِي أَحوالِ الرِّجالِ كُتُبًا كَثيرَةً، وَبَيَّنوا فِيها مَن يُحتَجُّ بِرِوايَتِهِ وَمَن لَا يُحتَجُّ بِها، وَمَن كانَ ثِقَةً، وَمَن كانَ ضَعيفًا، وَمَن عُرِفَ بِالوَهمِ أَو سُوءِ الحِفظِ أَوِ الكَذِبِ. وَلَم تَأخُذهُم فِي ذٰلِكَ مُجامَلَةٌ وَلَا مُحاباةٌ؛ لِأَنَّ المَقصودَ عِندَهُم صِيانَةُ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ فَلَم يَكونوا يَقبَلونَ كُلَّ ما نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَم يَترُكوا البابَ مَفتوحًا لِكُلِّ كاذِبٍ وَمُفتَرٍ، بَل رَدُّوا أُلوفًا مِنَ المَروِيّاتِ، وَحَذَّروا مِنَ الوَضّاعينَ، وَذَكَروا أَسماءَهُم وَأَخبارَهُم، وَصَنَّفوا كُتُبًا خاصَّةً فِي الأَحاديثِ المَوضوعَةِ وَالضُّعَفاءِ وَالمَتروكينَ وَالعِلَلِ.
❁ وَمِن هُنا يَتَبَيَّنُ أَنَّ كَشفَ الأَحاديثِ المَوضوعَةِ لَيسَ دَليلًا عَلَى ضَعفِ عِلمِ الحَديثِ، بَل هُوَ مِن أَعظَمِ الأَدِلَّةِ عَلَى قُوَّتِهِ وَدِقَّتِهِ؛ لِأَنَّ العُلَماءَ لَو لَم يَملِكوا مَوازينَ النَّقدِ وَالتَّمييزِ، لَما عَرَفوا الكَذِبَ وَلَما كَشَفوا واضِعِيهِ.
❁ وَمِمّا يُروى فِي بَيانِ قُوَّةِ نَقدِ المُحَدِّثينَ، وَقُدرَتِهِم عَلَى كَشفِ الأَحاديثِ المَوضوعَةِ، أَنَّ عَبدَ الكَريمِ بنَ أَبِي العَوجاءِ، وَهُوَ مِمَّن كانَ يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ، لَمّا قُدِّمَ لِلقَتلِ، اعتَرَفَ بِأَنَّهُ وَضَعَ أَربَعَةَ آلافِ حَديثٍ، يُحَرِّمُ فِيها الحَلالَ، وَيُحَلِّلُ فِيها الحَرامَ.
❁ فَقِيلَ لَهُ: «يا خَبيثُ، أَتَحسَبُ أَنَّها تَغيبُ عَلَى ابنِ عُيَينَةَ وَابنِ المُبارَكِ؟!»؛ أَي: أَتَظُنُّ أَنَّ ما وَضَعتَهُ مِنَ الأَكاذيبِ سَيَخفَى عَلَى أَئِمَّةِ الحَديثِ وَنُقّادِهِ، وَهُمُ الَّذينَ عَرَفُوا الأَسانيدَ وَالرُّواةَ، وَتَتَبَّعُوا طُرُقَ الأَحاديثِ، وَمَيَّزُوا المَحفوظَ مِنَ المُنكَرِ، وَالصَّحيحَ مِنَ المَوضوعِ؟
❁ فَالإِسنادُ عِندَ عُلَماءِ هٰذِهِ الأُمَّةِ مَعرُوفٌ مَضبوطٌ، وَأَحوالُ رُواتِهِ مَحفوظَةٌ، وَطُرُقُ الأَحاديثِ مُقارَنَةٌ بَعضُها بِبَعضٍ؛ فَلَيسَ كُلُّ مَنِ اختَلَقَ كَلِماتٍ وَنَسَبَها إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَخفَى فِريَتُهُ عَلَى نُقّادِ الحَديثِ، بَل يَكشِفونَ كَذِبَهُ بِمُخالَفَةِ رِوايَتِهِ لِلمَحفوظِ، أَو بِانقِطاعِ إِسنادِهِ، أَو بِجَرحِ رُواتِهِ، أَو بِما يَظهَرُ فِي مَتنِهِ مِن نَكارَةٍ وَاضطِرابٍ.
❁ وَقَدِ اشتَهَرَت عِنايَةُ المُسلِمينَ بِالإِسنادِ وَتَنقيحِ الأَخبارِ شُهرَةً عَظيمَةً، حَتَّى شَهِدَ بِذٰلِكَ بَعضُ المُخالِفينَ لِهٰذِهِ الأُمَّةِ؛ فَلَم تُعرَف أُمَّةٌ عَنِيَت بِسَلاسِلِ نَقَلَةِ الأَخبارِ، وَدِراسَةِ أَحوالِهِم، وَمُقارَنَةِ رِواياتِهِم، وَالتَّفريقِ بَينَ صَحيحِها وَسَقيمِها، كَعِنايَةِ أُمَّةِ الإِسلامِ، وَلَا سِيَّما فِيما رُوِيَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَإِنَّ اعتِرافَ الوَضّاعينَ بِما اختَلَقوهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ضَياعِ السُّنَّةِ، بَل يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ المِحنَةِ الَّتي واجَهَها المُحَدِّثونَ، وَعَلَى عِظَمِ الجُهودِ الَّتي بَذَلوها فِي كَشفِ الكَذِبِ وَفَضحِ أَهلِهِ وَصِيانَةِ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِن أَن يَختَلِطَ بِهِ ما لَيسَ مِنهُ.
❁ وَقَدِ اشتَهَرَت عِنايَةُ المُسلِمينَ بِالإِسنادِ وَتَنقيحِ الأَخبارِ شُهرَةً عَظيمَةً، فَلَم تَعرِف أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ نِظامًا فِي نَقلِ الأَخبارِ يُماثِلُ ما وَضَعَهُ عُلَماءُ المُسلِمينَ مِن تَتبُّعِ سَلاسِلِ الرُّواةِ، وَتَوثيقِ السَّماعِ، وَدِراسَةِ أَحوالِ النّاقِلينَ، وَالمُقارَنَةِ بَينَ الطُّرُقِ وَالنُّسَخِ.
❁ وَلَيسَ لِغَيرِ المُتَخَصِّصِ أَن يَستَقِلَّ بِتَصحيحِ الأَحاديثِ وَتَضعيفِها بِمُجَرَّدِ رَأيِهِ، بَل يَرجِعُ إِلَى أَحكامِ الحُفّاظِ المُعتَبَرينَ، وَإِلَى كُتُبِ السُّنَّةِ الَّتي اشتَرَطَ مُصَنِّفوها الصِّحَّةَ، وَإِلَى تَخريجاتِ أَئِمَّةِ الحَديثِ وَبَيانِهِم لِدَرَجاتِ المَروِيّاتِ.
❁ وَقَد قالَ الحافِظُ العِراقِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ:
«وَخُذهُ حَيثُ حافِظٌ عَلَيهِ نَصّ ~ أَو مِن مُصَنَّفٍ بِجَمعِهِ يُخَصّ»
❁ وَالمَعنى أَنَّ الحُكمَ بِصِحَّةِ الحَديثِ يُعرَفُ بِنَصِّ إِمامٍ حافِظٍ مُؤَهَّلٍ عَلَى صِحَّتِهِ، أَو بِوُجودِهِ فِي كِتابٍ أَلَّفَهُ إِمامٌ وَاشتَرَطَ فِيهِ أَلَّا يُخرِجَ إِلَّا الحَديثَ الصَّحيحَ، كَـ«صَحيحِ البُخارِيِّ» وَ«صَحيحِ مُسلِمٍ».
❁ وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ مَعرِفَةَ دَرَجَةِ الحَديثِ شَيءٌ، وَاستِنباطَ الحُكمِ الفِقهِيِّ مِنهُ شَيءٌ آخَرُ؛ فَقَد يَثبُتُ الحَديثُ صَحيحًا، وَلٰكِنَّ فَهمَ دَلالَتِهِ، وَجَمعَهُ مَعَ غَيرِهِ مِنَ النُّصوصِ، وَمَعرِفَةَ ناسِخِهِ وَمَنسوخِهِ، وَعامِّهِ وَخاصِّهِ، وَمُطلَقِهِ وَمُقَيَّدِهِ، يَحتاجُ إِلَى فِقهٍ وَاجتِهادٍ وَمَعرِفَةٍ بِأُصولِ الاستِنباطِ.
❁ وَلِهٰذا كانَ كَثيرٌ مِن كِبارِ الحُفّاظِ، مَعَ سَعَةِ حِفظِهِم وَمَعرِفَتِهِم بِالأَسانيدِ وَالعِلَلِ، يَنتَسِبونَ فِي الفِقهِ إِلَى أَحَدِ المَذاهِبِ المُعتَبَرَةِ؛ فَالمُحَدِّثُ يَعرِفُ مَرتَبَةَ الخَبَرِ وَثُبوتَهُ، وَالفَقيهُ المُجتَهِدُ يَجمَعُ الأَدِلَّةَ وَيَنظُرُ فِي دَلالاتِها وَيَستَنبِطُ أَحكامَها، وَقَد يَجتَمِعُ العِلمانِ فِي إِمامٍ واحِدٍ.
❁ وَعَلَى المُسلِمِ العامِّيِّ أَن يَعرِفَ حَدَّهُ، فَلَا يَتَجاوَزَ ما يُحسِنُهُ، وَلَا يَتَصَدَّرَ لِلحُكمِ عَلَى الأَحاديثِ أَوِ استِنباطِ الأَحكامِ دُونَ أَهلِيَّةٍ. فَكَما أَنَّهُ إِذا أَرادَ بِناءَ بَيتٍ رَجَعَ إِلَى المُهَندِسِ، وَإِذا مَرِضَ رَجَعَ إِلَى الطَّبيبِ، فَإِنَّهُ فِي أُمورِ دِينِهِ يَرجِعُ إِلَى أَهلِ العِلمِ وَالِاختِصاصِ.
❁ فَالجَوابُ عَن قَولِهِم: «لَا نَستَطيعُ أَن نُمَيِّزَ بَينَ الصَّحيحِ وَغَيرِهِ، فَلَا نَأخُذُ بِالحَديثِ» أَنَّ عَدَمَ مَعرِفَةِ الشَّخصِ بِعِلمٍ مِنَ العُلومِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجودِ ذٰلِكَ العِلمِ، وَلَا عَلَى عَجزِ أَهلِهِ عَنِ التَّمييزِ. فَمَن لَا يَعرِفُ الطِّبَّ لَا يَحِقُّ لَهُ أَن يَزعُمَ أَنَّهُ لَا فَرقَ بَينَ الدَّواءِ وَالسُّمِّ، وَمَن لَا يَعرِفُ عِلمَ الحَديثِ لَا يَحِقُّ لَهُ أَن يَزعُمَ أَنَّهُ لَا فَرقَ بَينَ الصَّحيحِ وَالمَوضوعِ.
❁ وَبِذٰلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الطَّريقَ الصَّحيحَ لَيسَ فِي إِسقاطِ السُّنَّةِ، بَل فِي الرُّجوعِ إِلَى أَئِمَّةِ الحَديثِ وَكُتُبِهِم، وَقَبولِ ما ثَبَتَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، وَرَدِّ ما لَم يَثبُت. وَهٰذا هُوَ مَنهَجُ العِلمِ وَالإِنصافِ، أَمَّا رَدُّ السُّنَّةِ كُلِّها بِحُجَّةِ وُجودِ الضَّعيفِ وَالمَوضوعِ، فَهُوَ جَهلٌ بِمَناهِجِ المُحَدِّثينَ، وَإِهدارٌ لِجُهودِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ فِي حِفظِ سُنَّةِ نَبِيِّها ﷺ.
*❖ شُبهَةُ النَّهيِ عَن كِتابَةِ الحَديثِ*
❁ مِنَ الشُّبُهاتِ الَّتِي يُرَدِّدُها بَعضُ رادِّي السُّنَّةِ دَعواهُم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن كِتابَةِ الحَديثِ، وَأَمَرَ بِالِاقتصارِ عَلَى كِتابَةِ القُرآنِ، ثُمَّ يَبنونَ عَلَى ذٰلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ لَم تَكُن مَحلَّ عِنايَةٍ وَتَوثيقٍ فِي عَصرِ الرِّسالَةِ، وَيَستَدِلُّونَ بِقَولِهِ ﷺ: «لَا تَكتُبوا عَنِّي، وَمَن كَتَبَ عَنِّي غَيرَ القُرآنِ فَليَمحُهُ».
❁ وَأَوَّلُ ما يُقالُ لَهُم: إِنَّ مِنَ العَجَبِ أَن يَزعُمَ المَرءُ أَنَّهُ لَا يَحتَجُّ بِالحَديثِ، ثُمَّ يَستَدِلَّ بِحَديثٍ نَبَوِيٍّ لِيُبطِلَ حُجِّيَّةَ الحَديثِ النَّبَوِيِّ! فَإِن كانَ الحَديثُ لَا يُحتَجُّ بِهِ عِندَهُ، لَم يَصِحَّ لَهُ الِاستِدلالُ بِهِ، وَإِن كانَ يَحتَجُّ بِهِ، فَقَد أَقَرَّ مِن حَيثُ لَا يَشعُرُ بِأَصلِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ.
❁ ثُمَّ إِنَّ هٰذا الحَديثَ لَا يَدُلُّ بِحالٍ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَذَّرَ النّاسَ مِنَ العَمَلِ بِسُنَّتِهِ، أَو نَهاهُم عَن رِوايَةِ حَديثِهِ وَاتِّباعِهِ؛ فَالفَرقُ ظاهِرٌ بَينَ النَّهيِ عَنِ الكِتابَةِ فِي حالٍ خاصَّةٍ أَو زَمَنٍ خاصٍّ، وَبَينَ النَّهيِ عَن قَبولِ السُّنَّةِ وَالعَمَلِ بِها. وَمَن خَلَطَ بَينَ الأَمرَينِ فَقَد حَمَّلَ النَّصَّ ما لَا يَحتَمِلُهُ.
❁ وَقَد جَمَعَ العُلَماءُ بَينَ حَديثِ النَّهيِ وَبَينَ الأَحاديثِ الصَّحيحَةِ الكَثيرَةِ الَّتِي أَذِنَ فِيها النَّبِيُّ ﷺ بِكِتابَةِ حَديثِهِ، وَأَمَرَ بِها أَحيانًا، فَلَم يَضرِبوا بَعضَ النُّصوصِ بِبَعضٍ، وَلَم يَأخُذوا بِحَديثٍ وَيُهمِلوا سائِرَ الأَحاديثِ، بَل نَظَروا إِلَيها جَميعًا، وَفَهِموا كُلَّ نَصٍّ فِي سِياقِهِ وَزَمانِهِ وَسَبَبِهِ.
❁ فَذَهَبَ كَثيرٌ مِن أَهلِ العِلمِ إِلَى أَنَّ النَّهيَ كانَ فِي أَوَّلِ الأَمرِ، حِينَ كانَ القُرآنُ يَتَنَزَّلُ مُفَرَّقًا، وَكانَت أَدَواتُ الكِتابَةِ قَليلَةً، خَشيَةَ أَن يَختَلِطَ شَيءٌ مِنَ الحَديثِ بِآياتِ القُرآنِ فِي صَحيفَةٍ واحِدَةٍ، فَلَمّا أُمِنَ الِاختِلاطُ، وَتَمَيَّزَ القُرآنُ، وَعُرِفَت آياتُهُ وَسُوَرُهُ، أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي كِتابَةِ الحَديثِ.
❁ وَقِيلَ: إِنَّ النَّهيَ مَحمولٌ عَلَى كِتابَةِ القُرآنِ وَالحَديثِ مَعًا فِي صَحيفَةٍ واحِدَةٍ؛ لِئَلَّا يَشتَبِهَ أَحَدُهُما بِالآخَرِ، أَمّا كِتابَةُ الحَديثِ فِي صُحُفٍ مُستَقِلَّةٍ فَقَد أَذِنَ فِيها النَّبِيُّ ﷺ. وَقِيلَ: إِنَّ النَّهيَ كانَ لِمَن خُشِيَ عَلَيهِ أَن يَعتَمِدَ عَلَى الكِتابِ وَيُهمِلَ الحِفظَ، وَأَمّا مَن أُمِنَ عَلَيهِ ذٰلِكَ فَقَد أُذِنَ لَهُ.
❁ وَعَلَى هٰذِهِ الأَوجُهِ يَكونُ النَّهيُ نَهيًا مُقَيَّدًا بِظَرفٍ أَو سَبَبٍ، لَا مَنعًا مُطلَقًا مِن كِتابَةِ الحَديثِ، وَهٰذا هُوَ الَّذي تَشهَدُ لَهُ النُّصوصُ الكَثيرَةُ الثّابِتَةُ فِي الإِذنِ بِالكِتابَةِ وَالأَمرِ بِها.
❁ وَمِن أَوضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى ذٰلِكَ ما رَواهُ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرو بنِ العاصِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّهُ قالَ: «كُنتُ أَكتُبُ كُلَّ شَيءٍ أَسمَعُهُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ أُريدُ حِفظَهُ، فَنَهَتنِي قُرَيشٌ، وَقالوا: أَتَكتُبُ كُلَّ شَيءٍ تَسمَعُهُ، وَرَسولُ اللهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضا؟ فَأَمسَكتُ عَنِ الكِتابَةِ، فَذَكَرتُ ذٰلِكَ لِرَسولِ اللهِ ﷺ، فَأَومَأَ بِإِصبَعِهِ إِلَى فِيهِ، وَقالَ: اكتُب؛ فَوَالَّذي نَفسِي بِيَدِهِ، ما يَخرُجُ مِنهُ إِلَّا حَقٌّ».
❁ فَهٰذا إِذنٌ صَريحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبدِ اللهِ بنِ عَمرو أَن يَكتُبَ ما يَسمَعُهُ مِنهُ، بَل هُوَ أَمرٌ مُباشِرٌ بِالكِتابَةِ بَعدَ أَن تَوَقَّفَ عَنها. وَمِثلُ هٰذا النَّصِّ لَا يَترُكُ مَجالًا لِدَعوى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن كِتابَةِ حَديثِهِ نَهيًا عامًّا دائِمًا.
❁ وَقَد كانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرو، رَضِيَ اللهُ عَنهُما، مِن أَكثَرِ الصَّحابَةِ كِتابَةً لِحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَكَتَبَ بِإِذنِهِ وَأَمرِهِ، وَاجتَمَعَت لَهُ مِن ذٰلِكَ صَحيفَةٌ مَشهورَةٌ سُمِّيَت «الصّادِقَةَ». فَكَيفَ يُقالُ بَعدَ ذٰلِكَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَعَ أَصحابَهُ جَميعًا مِن كِتابَةِ الحَديثِ؟
❁ وَمِنَ الأَدِلَّةِ الصَّريحَةِ أَيضًا قَولُ النَّبِيِّ ﷺ يَومَ فَتحِ مَكَّةَ: «اكتُبوا لِأَبِي شاهٍ»، لَمّا طَلَبَ أَبو شاهٍ أَن تُكتَبَ لَهُ خُطبَةُ النَّبِيِّ ﷺ. فَهٰذا أَمرٌ بِكِتابَةِ حَديثِهِ وَخُطبَتِهِ، وَهُوَ واقِعَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ مِن حَياتِهِ ﷺ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِذنَ بِالكِتابَةِ كانَ ثابِتًا.
❁ وَكَذٰلِكَ كُتُبُهُ ﷺ إِلَى عُمّالِهِ وَوُلاتِهِ وَالقَبائِلِ، وَ«كِتابُ الصَّدَقَةِ»، وَكِتابُهُ إِلَى عَمرو بنِ حَزمٍ فِي الفَرائِضِ وَالسُّنَنِ وَالدِّيَاتِ، كُلُّها أَدِلَّةٌ عَمَلِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الأَحكامَ وَالسُّنَنَ كانَت تُكتَبُ وَتُرسَلُ وَيُعمَلُ بِها فِي عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ.
❁ وَمِن هُنا يَظهَرُ أَنَّ مَن يَقتَطِعُ حَديثَ النَّهيِ عَن سائِرِ النُّصوصِ، ثُمَّ يَجعَلُهُ دَليلًا عَلَى إِبطالِ السُّنَّةِ، قَد أَساءَ فَهمَ الحَديثِ، وَأَعرَضَ عَنِ الأَدلَّةِ الأُخرى، وَتَرَكَ مَنهَجَ الجَمعِ بَينَ النُّصوصِ الَّذي يَقتَضيهِ العِلمُ وَالإِنصافُ.
❁ وَالصَّوابُ أَنَّ النَّهيَ عَنِ الكِتابَةِ كانَ لِعِلَّةٍ عارِضَةٍ، كَخَشيَةِ اختِلاطِ القُرآنِ بِغَيرِهِ، أَو لِحالِ بَعضِ الكُتّابِ، أَو لِجَمعِ القُرآنِ وَالحَديثِ فِي صَحيفَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ جاءَ الإِذنُ العامُّ أَو الأَوسَعُ بَعدَ زَوالِ هٰذِهِ العِلَّةِ.
❁ وَعَلَى هٰذا؛ فَلَيسَ فِي حَديثِ «لَا تَكتُبوا عَنِّي» ما يَدُلُّ عَلَى رَدِّ السُّنَّةِ، وَلَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَذَّرَ مِنَ العَمَلِ بِحَديثِهِ، بَل غايَةُ ما فِيهِ تَنظيمُ الكِتابَةِ فِي مَرحَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ صِيانَةً لِلقُرآنِ مِنَ الِاختِلاطِ، ثُمَّ ثَبَتَ عَنهُ ﷺ الإِذنُ الصَّريحُ بِكِتابَةِ السُّنَّةِ، وَالأَمرُ بِها، وَإِقرارُ مَن كانَ يَكتُبُها.
❁ فَدَعوى أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ حَذَّرَ النّاسَ مِنَ الأَخذِ بِسُنَّتِهِ دَعوى باطِلَةٌ، تُكَذِّبُها أَوامِرُهُ بِتَبليغِ حَديثِهِ، وَإِذنُهُ بِكِتابَتِهِ، وَأَمرُهُ بِطاعَتِهِ وَاتِّباعِهِ، كَما تُكَذِّبُها النُّصوصُ القُرآنِيَّةُ الَّتِي أَوجَبَت طاعَتَهُ وَالأَخذَ بِما جاءَ بِهِ.
*❖ خَاتِمَةُ الجُزءِ الأَوَّلِ وَالتَّمهِيدُ لِما بَعدَهُ*
❁ وَخُلاصَةُ ما تَقَدَّمَ أَنَّ التَّمَسُّكَ الحَقِيقِيَّ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَهِيَ البَيانُ النَّبَوِيُّ لِكِتابِ اللهِ تَعَالَى، وَالطَّرِيقُ العَمَلِيُّ لِفَهمِ أَحكامِهِ وَتَطبِيقِها. وَمَن رَدَّ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ، فَقَد رَدَّ ما أَمَرَ القُرآنُ بِقَبولِهِ وَاتِّباعِهِ، وَفَتَحَ بابَ الدِّينِ لِلأَهواءِ وَالتَّأويلاتِ المُتَناقِضَةِ.
❁ وَسَيَتَبَعُ هٰذا الجُزءَ جُزءٌ ثانٍ تَحتَ العُنوانِ نَفسِهِ: *كُن قُرآنِيًّا حَقًّا بِاتِّباعِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ*، ثُمَّ تَتَوالَى ـ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى ـ سِلسِلَةٌ مِنَ المَقالاتِ المُتَرابِطَةِ، تُبَيِّنُ كَيفِيَّةَ نَقلِ السُّنَّةِ وَحِفظِها، وَتَكشِفُ أَشهَرَ الشُّبُهاتِ المُثارَةِ حَولَها، وَتَرُدُّ عَلَيها رَدًّا عِلمِيًّا مُوَثَّقًا، وَهِيَ:
❖ *كِتابَةُ الحَديثِ فِي العَصرِ النَّبَوِيِّ وَعَصرِ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعينَ وَتابِعِيهِم.*
❖ *العِنايَةُ البالِغَةُ بِحِفظِ الحَديثِ النَّبَوِيِّ، وَالاِحتِياطُ فِي رِوايَتِهِ، وَبُطلانُ شُبهَةِ التَّصحيفِ وَالتَّحريفِ.*
❖ *شُبُهاتُ القُرآنِيِّينَ حَولَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالرَّدُّ عَلَيها.*
❖ *إِنكارُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: جُذورُهُ التَّاريخِيَّةُ، وَتَطَوُّرُهُ، وَصُوَرُهُ، وَأَقوالُ العُلَماءِ فِي الرَّدِّ عَلَيهِ.*
❁ وَالمَقصودُ مِن هٰذِهِ السِّلسِلَةِ إِقامَةُ الحُجَّةِ، وَكَشفُ الحَقيقَةِ، وَبَيانُ أَنَّ حِفظَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالدِّفاعَ عَن حُجِّيَّتِها دِفاعٌ عَنِ القُرآنِ الكَرِيمِ نَفسِهِ، وَصِيانَةٌ لِدِينِ اللهِ تَعَالَى مِنَ التَّحريفِ وَالتَّبديلِ.
وَاللهُ تَعَالَى وَلِيُّ التَّوفيقِ وَالهِدايَةِ إِلَى سَواءِ السَّبيلِ.
وَكَتَبَهُ الرّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبّاغُ
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
________________________________________
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
________________________________________
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي:
00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
________________________________________
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
________________________________________.
|
|