*الهِجرَةُ النَّبَوِيَّةُ مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ: رِحلَةُ النُّورِ وَالصَّبرِ وَالثَّبَاتِ وَالانتِصَارِ*
❖ *مُقَدِّمَةٌ*
❁ الحَمدُ للهِ الَّذِي شَرَّفَ المَدِينَةَ بِهِجرَةِ خَيرِ البَرِيَّةِ، وَجَعَلَ هِجرَتَهُ ﷺ شَمسًا أَطلَعَهَا عَلَى الأُمَّةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى ءَالِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ فَازُوا بِاتِّبَاعِهِ بِالسَّعَادَةِ السَّرمَدِيَّةِ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّ الهِجرَةَ النَّبَوِيَّةَ مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ حَدَثٌ عَظِيمٌ فِي تَارِيخِ الإِسلَامِ، وَمَدرَسَةٌ كُبرَى فِي الصَّبرِ وَالثَّبَاتِ وَالتَّوكُّلِ وَنُصرَةِ الدِّينِ، وَفِيهَا مِنَ العِبَرِ وَالفَوَائِدِ مَا يَفتَحُ لِلمُؤمِنِ أَبوَابَ الفَهمِ وَالاعتِبَارِ.
❖ *حَالُ النَّاسِ عِندَ البِعثَةِ النَّبَوِيَّةِ*
❁ كَانَ النَّاسُ قَبلَ بِعثَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ وَظُلُمَاتٍ، يَعبُدُونَ أَصنَامًا عَمِلُوهَا بِأَيدِيهِم، وَيَتَخَبَّطُونَ فِي أَخلَاقٍ ذَمِيمَةٍ وَعَادَاتٍ فَاسِدَةٍ، فَأَرسَلَ اللهُ تَعَالَى سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ لِلنَّاسِ كَافَّةً رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، وَهُدًى لِلنَّاسِ أَجمَعِينَ، وَأَيَّدَهُ بِالمُعجِزَاتِ، لِيُقِيمَ الاعوِجَاجَ، وَيُصلِحَ الفَسَادَ، وَيَدعُوَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ وَنَبذِ عِبَادَةِ الأَصنَام، وَتَنزِيهِهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِينَ، وَتَركِ عِبَادَةِ الأَصنَامِ وَالأَوثَانِ.
❁ فَدَعَا ﷺ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَتَنزِيهِهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، فَعَلَّمَ النَّاسَ أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ وَالصُّورَةِ وَالهَيئَةِ وَالأَعضَاءِ وَالجِسمِيَّةِ، وَعَلَّمَ النَّاسَ أَنَّ اللهَ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ، وَأَنَّهُ سُبحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، لَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ، وَلَا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ. وَأَنَّهُ سُبحَانَهُ يَصطَفِي مِن عِبَادِهِ مَن يَشَاءُ مِنَ الرُّسُلِ وَالنَّبِيِّينَ، فَيُرسِلُهُم إِلَى النَّاسِ يُبَلِّغُونَهُم وَيُبَشِّرُونَهُم وَيُنذِرُونَهُم، وَقَد عَصَمَهُمُ اللهُ مِنَ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ وَالرَّذَائِلِ وَالسَّفَاهَاتِ.
❁ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدعُو إِلَى العَدلِ وَالإِحسَانِ وَمَكَارِمِ الأَخلَاقِ، وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ وَالبَغيِ وَالفَسَادِ، وَقَد عَرَفَهُ قَومُهُ قَبلَ نُزُولِ الوَحيِ بِالأَمِينِ، فَمَا كَانَ سَارِقًا، وَلَا كَاذِبًا، وَلَا رَذِيلًا، بَل كَانَ أَكمَلَ النَّاسِ خُلقًا، وَأَصدَقَهُم حَدِيثًا، وَأَعظَمَهُم أَمَانَةً.
❁ وَعِندَمَا بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمِرَ بِالتَّبلِيغِ وَلَا قِتَالَ بِالسَّيفِ فِي أَوَّلِ الأَمرِ، فَكَانَ يَدعُو إِلَى اللهِ جَهرًا، وَيَمُرُّ بَينَ العَرَبِ المُشرِكِينَ حِينَ كَانُوا يَجتَمِعُونَ فِي المَوسِمِ مِن نَوَاحٍ مُختَلِفَةٍ، وَيَقُولُ لَهُم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفلِحُوا». وَدَعَا ﷺ إِلَى العَدلِ وَالإِحسَانِ وَمَكَارِمِ الأَخلَاقِ، وَنَهَى عَنِ المُنكَرِ وَالبَغيِ.
❁ وَقَد دَخَلَ فِي الإِسلَامِ قَومٌ خَلَصَت قُلُوبُهُم مِن أَدرَانِ التَّقلِيدِ الجَاهِلِيِّ وَالعَصَبِيَّةِ المُنتِنَةِ، وَصَفَت نُفُوسُهُم لِمَا دَعَاهُم إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَعَضُّوا عَلَى الحَقِّ بِالنَّوَاجِذِ، وَثَبَتُوا عَلَى التَّوحِيدِ وَطَرِيقِ الهُدَى. فَآمَنَ بِهِ بَعضُ النَّاسِ، كَأَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَبِلَالٍ، وَغَيرِهِم رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَبَقِيَ عَلَى الكُفرِ أَكثَرُ النَّاسِ، وَصَارُوا يُؤذُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصحَابَهُ.
❁ وَقَد صَبَرَ ﷺ عَلَى أَذَى المُشرِكِينَ صَبرًا عَظِيمًا، وَثَبَتَ عَلَى الدَّعوَةِ إِلَى اللهِ، لَا يَطلُبُ بِذَلِكَ جَاهًا وَلَا مَالًا وَلَا مُلكًا، وَلَمَّا عَرَضَت قُرَيشٌ عَلَيهِ مَا عَرَضَت مِن أَمرِ الدُّنيَا لِيَترُكَ دَعوَتَهُ، قَالَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: «وَاللهِ يَا عَمِّ، لَو وَضَعُوا الشَّمسَ فِي يَمِينِي، وَالقَمَرَ فِي يَسَارِي، عَلَى أَن أَترُكَ هَذَا الأَمرَ مَا تَرَكتُهُ حَتَّى يُظهِرَهُ اللهُ أَو أَهلِكَ دُونَهُ».
❁ فَلَمَّا اشتَدَّ أَذَى المُشرِكِينَ عَلَى المُؤمِنِينَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعضَ أَصحَابِهِ بِالهِجرَةِ إِلَى الحَبَشَةِ، وَكَانَ ﷺ قَد لَقِيَ فِي المَوسِمِ نَفَرًا مِن أَهلِ يَثرِبَ مِنَ الخَزرَجِ، فَدَعَاهُم إِلَى الإِسلَامِ، فَأَسلَمُوا، ثُمَّ ازدَادَ عَدَدُهُم فِي العَامِ التَّالِي، فَلَمَّا انصَرَفُوا بَعَثَ مَعَهُم بَعضَ أَصحَابِهِ ﷺ لِتَعلِيمِ مَن أَسلَمَ مِن أَهلِ يَثرِبَ القُرآنَ، وَدَعوَةِ مَن لَم يُسلِم مِنهُم بَعدُ إِلَى الإِسلَامِ.
❁ لَمَّا كَثُرَ أَنصَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَثرِبَ، أَمَرَ اللهُ المُسلِمِينَ بِالهِجرَةِ إِلَيهَا، فَهَاجَرُوا أَرسَالًا، جَمَاعَةً بَعدَ جَمَاعَةٍ، تَارِكِينَ الأَوطَانَ وَالأَموَالَ وَالأَهلِينَ نُصرَةً لِدِينِ اللهِ تَعَالَى، وَثَبَاتًا عَلَى الحَقِّ، وَطَمَعًا فِي رِضَا اللهِ وَثَوَابِهِ. كَمَا قَالَ ﷺ لِأَصحَابِهِ: «إِنَّ اللهَ جَعَلَ لَكُم إِخوَانًا وَدَارًا تَأمَنُونَ بِهَا».
❁ ثُمَّ جَاءَ أَمرُ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالهِجرَةِ إِلَى يَثرِبَ، فَأَمَرَهُ بِتَركِ مَكَّةَ، مَحَلِّ وِلَادَتِهِ ﷺ، الَّتِي كَانَت أَحَبَّ البِلَادِ إِلَيهِ، فَامتَثَلَ ﷺ أَمرَ اللهِ تَعَالَى، وَهَاجَرَ مُتَحَمِّلًا المَشَاقَّ فِي سَفَرِهِ طَاعَةً للهِ تَعَالَى، لَا خَوفًا مِنَ المُشرِكِينَ وَلَا جُبنًا، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ أَشجَعَ النَّاسِ وَأَقوَاهُم قَلبًا، وَلَا يَأسًا مِن وَاقِعِ الحَالِ، وَلَا حُبًّا فِي الشُّهرَةِ وَالجَاهِ وَالسُّلطَانِ، وَلَا طَلَبًا لِرَاحَةٍ أَو دُنيَا، فَقَد كَانَ ﷺ أَزهَدَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الدُّنيَا الفَانِيَةِ، وَهُوَ القَائِلُ: «مَا لِي وَلِلدُّنيَا، وَمَا لِلدُّنيَا وَلِي، إِنَّمَا أَنَا كَرَاكِبٍ استَظَلَّ تَحتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». فَلَم تَكُنِ الهِجرَةُ مَظهَرَ ضَعفٍ، بَل كَانَت مَظهَرَ طَاعَةٍ وَحِكمَةٍ وَثِقَةٍ بِوَعدِ اللهِ تَعَالَى.
❖ *بَيَانُ مَعنَى الهِجرَةِ*
❁ أَيُّهَا المُؤمِنُونَ، يَستَذكِرُ المُسلِمُونَ فِي مَطلَعِ كُلِّ عَامٍ هِجرِيٍّ جَدِيدٍ هِجرَةَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، تِلكَ الرِّحلَةَ العَظِيمَةَ الَّتِي بَدَّلَت مَجرَى التَّارِيخِ، وَانتَقَلَت بِالمُسلِمِينَ مِن حَالِ الضَّعفِ وَالِاستِضعَافِ إِلَى مَرحَلَةِ القُوَّةِ وَالتَّمكِينِ، حَتَّى أَضَاءَ فَجرُ الإِسلَامِ، فِي أَقَلَّ مِن رُبعِ قَرنٍ، مَشارِقَ الأَرضِ وَمَغارِبَهَا.
❁ وَلِعَظَمَةِ هَذَا الحَدَثِ، يَا عِبَادَ اللهِ، اختَارَهُ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَبدَأً لِلتَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ، فَصَارَتِ الهِجرَةُ عُنوَانَ كُلِّ فَتحٍ وَانتِصَارٍ؛ فَبَدرٌ الكُبرَى، وَأُحُدٌ، وَالخَندَقُ، وَفَتحُ مَكَّةَ، كُلُّهَا مِن ثِمَارِ تِلكَ الرِّحلَةِ المُبارَكَةِ.
❁ والهَجرُ ضِدُّ الوَصلِ، يُقَالُ: هَجَرَهُ هَجرًا وَهِجرَانًا، إِذَا قَاطَعَهُ وَأَعرَضَ عَنهُ وَتَرَكَهُ، وَالهِجرَةُ الخُرُوجُ مِن أَرضٍ إِلَى أَرضٍ، وَالمُهَاجِرُونَ هُمُ الَّذِينَ ذَهَبُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَسُمُّوا مُهَاجِرِينَ لِأَنَّهُم تَرَكُوا دِيَارَهُم وَمَسَاكِنَهُمُ الَّتِي نَشَؤُوا بِهَا للهِ، وَلَحِقُوا بِدَارٍ لَيسَ لَهُم بِهَا أَهلٌ وَلَا مَالٌ، حِينَ هَاجَرُوا إِلَى المَدِينَةِ.
❁ وَالهِجرَتَانِ المَشهُورَتَانِ فِي أَوَّلِ الإِسلَامِ: هِجرَةٌ إِلَى الحَبَشَةِ، وَهِجرَةٌ إِلَى المَدِينَةِ، وَإِذَا أُطلِقَتِ الهِجرَةُ انصَرَفَت إِلَى الهِجرَةِ مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.
❖ *مُحَارَبَةُ المُشرِكِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِدَعوَتِهِ*
❁ مُنذُ أَن أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّدعِ بِكَلِمَةِ الحَقِّ، وَدَعوَةِ النَّاسِ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ دُونَ سِوَاهُ، وَقَفَت جَحَافِلُ الشِّركِ وَالوَثَنِيَّةِ ضِدَّ النَّبِيِّ ﷺ وَدَعوَتِهِ وَأَتبَاعِهِ، وَعَمِلُوا عَلَى مُحَارَبَةِ دَعوَتِهِ الإِسلَامِيَّةِ.
❁ فَأَنزَلُوا بِالمُسلِمِينَ سُوءَ العَذَابِ، وَأَذَاقُوهُمُ التَّنكِيلَ وَالاضطِهَادَ، وَعَمِلُوا عَلَى التَّكذِيبِ لَهُم، وَالتَّشنِيعِ عَلَيهِم، وَالسُّخرِيَةِ مِنهُم، وَالاستهزَاءِ بِهِم، وَعَلَى التَّعذِيبِ البَدَنِيِّ البَشِعِ، مِن إِلبَاسِهِم دُرُوعَ الحَدِيدِ، وَإِطفَاءِ النَّارِ فِي أَجسَادِهِم، وَضَربِهِم، وَجَلدِهِم بِالسِّيَاطِ، وَإِيقَافِهِم فِي الشَّمسِ المُحرِقَةِ، وَوَضعِ الأَحجَارِ الثَّقِيلَةِ عَلَى صُدُورِهِم، وَغَيرِ ذَلِكَ مِن أَنوَاعِ التَّعذِيبِ وَالتَّنكِيلِ، حَتَّى وَصَلَ الأَمرُ إِلَى القَتلِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
❖ *مَوَاقِفُ وَعِبَرٌ مِن هِجرَةِ بَعضِ الصَّحَابَةِ*
❁ أَوَّلُ مَن قَدِمَ المَدِينَةَ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبدِ الأَسَدِ، فَقَد هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ قَبلَ بَيعَةِ العَقَبَةِ بِسَنَةٍ، وَقِيلَ: أَوَّلُ المُهَاجِرِينَ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ، فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: أَوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَينَا مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ وَعَبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مَكتُومٍ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَينَا عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ وَبِلَالٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُم.
❁ وَلَنَا فِي ذَلِكَ عِبرَةٌ، فَقَد كَانَ يُقَالُ عَن مُصعَبِ بنِ عُمَيرٍ قَبلَ إِسلَامِهِ إِنَّهُ أَعطَرُ فَتًى فِي مَكَّةَ، وَأَكثَرُهُم لِينًا وَرُكُونًا إِلَى أَمرِ الدُّنيَا، وَلَكِنَّهُ بَعدَ الإِسلَامِ صَارَ مَبعُوثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ لِتَعلِيمِ مَن أَسلَمَ القُرآنَ الكَرِيمَ، وَتَرَكَ كُلَّ تَرَفٍ وَنَعِيمٍ وَزَهرَةِ حَيَاةٍ دُنيَا كَانَت بِيَدِهِ.
❁ وَكَانَ مُصعَبٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَامِلَ لِوَاءِ المُهَاجِرِينَ فِي أُحُدٍ، وَتُوُفِّيَ شَهِيدًا فِيهَا، وَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عِندَ جَسَدِهِ وَهُوَ مَقتُولٌ، وَقَرَأَ مِن سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلًا﴾.
❖ *العِبرَةُ مِن قِصَّةِ هِجرَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ*
❁ رَوَى ابنُ الأَثِيرِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «كَانَ إِسلَامُ عُمَرَ فَتحًا، وَكَانَت هِجرَتُهُ نَصرًا، وَكَانَت إِمَارَتُهُ رَحمَةً، وَلَقَد رَأَيتُنَا وَمَا نَستَطِيعُ أَن نُصَلِّيَ فِي البَيتِ حَتَّى أَسلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسلَمَ عُمَرُ قَاتَلَهُم حَتَّى تَرَكُونَا فَصَلَّينَا».
❁ وَرَوَى ابنُ الأَثِيرِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ العَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَا عَلِمتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ المُهَاجِرِينَ هَاجَرَ إِلَّا مُختَفِيًا، إِلَّا عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَإِنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِالهِجرَةِ تَقَلَّدَ سَيفَهُ، وَتَنَكَّبَ قَوسَهُ، وَانتَضَى فِي يَدِهِ أَسهُمًا، وَاختَصَرَ عَنزَتَهُ، وَمَضَى قِبَلَ الكَعبَةِ، وَالمَلَأُ مِن قُرَيشٍ بِفِنَائِهَا، فَطَافَ بِالبَيتِ سَبعًا مُتَمَكِّنًا، ثُمَّ أَتَى المَقَامَ فَصَلَّى مُتَمَكِّنًا، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى الحِلَقِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ لَهُم: شَاهَتِ الوُجُوهُ، لَا يُرغِمُ اللهُ إِلَّا هَذِهِ المَعَاطِسَ، مَن أَرَادَ أَن تَثكُلَهُ أُمُّهُ، وَيُوتِمَ وَلَدَهُ، وَيُرمِلَ زَوجَتَهُ، فَليَلقَنِي وَرَاءَ هَذَا الوَادِي. قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا تَبِعَهُ أَحَدٌ إِلَّا قَومٌ مِنَ المُستَضعَفِينَ عَلَّمَهُم وَأَرشَدَهُم وَمَضَى لِوَجهِهِ».
❁ وَمِنَ العِبَرِ فِي ذَلِكَ: القُوَّةُ فِي الحَقِّ، وَالثَّبَاتُ عَلَيهِ، وَالجَهرُ بِهِ، وَأَلَّا يَخَافَ قَائِلُ الحَقِّ فِي اللهِ لَومَةَ لَائِمٍ، وَالدِّفَاعُ عَنِ المُستَضعَفِينَ، وَإِظهَارُ عِزَّةِ المُسلِمِ وَعَدَمُ الذُّلِّ لِلكَافِرِينَ. وَفِيهِ أَنَّ مَن فَتَحَ اللهُ قَلبَهُ لِلإِيمَانِ وَجَعَلَهُ مِن أَولِيَائِهِ وَأَهلِ طَاعَتِهِ تَغَيَّرَ حَالُهُ، فَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ قَبلَ الإِسلَامِ يُعَادِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالمُسلِمِينَ، ثُمَّ لَمَّا فَتَحَ اللهُ قَلبَهُ بِنُورِ الهِدَايَةِ صَارَ الفَارُوقَ عُمَرَ، أَفضَلَ وَلِيٍّ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ بَعدَ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.
❖ *أَبُو بَكرٍ يَستَأذِنُ النَّبِيَّ ﷺ*
❁ رَوَى البُخَارِيُّ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلمُسلِمِينَ: «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجرَتِكُم، ذَاتَ نَخلٍ بَينَ لَابَتَينِ». فَهَاجَرَ مَن هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَن كَانَ بِأَرضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ.
❁ وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قِبَلَ المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي البُخَارِيِّ: «عَلَى رِسلِكَ، فَإِنِّي أَرجُو أَن يُؤذَنَ لِي». فَقَالَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: وَهَل تَرجُو ذَلِكَ؟ بِأَبِي أَنتَ! قَالَ: «نَعَم». فَحَبَسَ أَبُو بَكرٍ نَفسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَصحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَينِ أَربَعَةَ أَشهُرٍ لِيَخرُجَا عَلَيهِمَا.
❁ وَلَنَا فِي ذَلِكَ عِبَرٌ، مِنهَا: التَّسلِيمُ وَالانقِيَادُ لِأَمرِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَعَدَمُ التَّأَخُّرِ فِي تَنفِيذِ أَمرِهِ، وَعَدَمُ التَّقَاعُسِ عَنِ البَذلِ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَانتِقَاءُ الصَّاحِبِ الصَّالِحِ فِي السَّفَرِ، فَالصُّحبَةُ الصَّالِحَةُ عَونٌ عَلَى الطَّاعَةِ وَالثَّبَاتِ.
❖ *مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن مَكَّةَ*
❁ لَمَّا رَأَت قُرَيشٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد صَارَ لَهُ أَصحَابٌ مِن غَيرِهِم بِغَيرِ بَلَدِهِم، وَرَأَوا خُرُوجَ أَصحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ إِلَيهِم، عَرَفُوا أَنَّهُم قَد نَزَلُوا دَارًا وَأَصَابُوا جِوَارًا وَمَنَعَةً، فَخَافُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَرَفُوا أَنَّ أَمرَهُ سَيَعظُمُ، فَاجتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدوَةِ يَتَشَاوَرُونَ فِيمَا يَصنَعُونَ فِي أَمرِهِ ﷺ.
❁ وَاعتَرَضَهُم إِبلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ فِي هَيئَةِ شَيخٍ نَجدِيٍّ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدَّارِ، فَلَمَّا رَأَوهُ قَالُوا: مَنِ الشَّيخُ؟ قَالَ: شَيخٌ مِن أَهلِ نَجدٍ، سَمِعَ بِالَّذِي اجتَمَعتُم لَهُ، فَحَضَرَ مَعَكُم لِيَسمَعَ مَا تَقُولُونَ، وَعَسَى أَلَّا تَعدَمُوا مِنهُ رَأيًا وَلَا نُصحًا. فَأَذِنُوا لَهُ، فَدَخَلَ مَعَهُم.
❁ فَتَشَاوَرُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنهُم: احبِسُوهُ فِي الحَدِيدِ، وَأَغلِقُوا عَلَيهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشبَاهَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبلَهُ حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُم. فَقَالَ الشَّيخُ النَّجدِيُّ: لَا وَاللهِ، مَا هَذَا لَكُم بِرَأيٍ، فَلَو حَبَستُمُوهُ لَخَرَجَ أَمرُهُ مِن وَرَاءِ البَابِ إِلَى أَصحَابِهِ، فَلَأَوشَكُوا أَن يَثِبُوا عَلَيكُم فَيَنتَزِعُوهُ مِن أَيدِيكُم.
❁ ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنهُم: نُخرِجُهُ مِن بَينِ أَظهُرِنَا، فَنَنفِيهِ مِن بِلَادِنَا، فَإِذَا خَرَجَ عَنَّا فَلَا نُبَالِي أَينَ ذَهَبَ وَلَا حَيثُ وَقَعَ. فَقَالَ الشَّيخُ النَّجدِيُّ: لَا وَاللهِ، مَا هَذَا لَكُم بِرَأيٍ، أَلَم تَرَوا حُسنَ حَدِيثِهِ، وَحَلَاوَةَ مَنطِقِهِ، وَغَلَبَتَهُ قُلُوبَ الرِّجَالِ بِمَا يَأتِي بِهِ؟ وَاللهِ لَو فَعَلتُم ذَلِكَ مَا أَمِنتُم أَن يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَيَغلِبَ عَلَيهِم بِقَولِهِ وَحَدِيثِهِ، ثُمَّ يَسِيرَ بِهِم إِلَيكُم.
❁ فَقَالَ أَبُو جَهلٍ بنُ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللهُ: وَاللهِ إِنَّ لِي فِيهِ رَأيًا مَا أَرَاكُم وَقَعتُم عَلَيهِ بَعدُ. قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الحَكَمِ؟ قَالَ: أَرَى أَن تَأخُذُوا مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلدًا نَسِيبًا وَسِيطًا، ثُمَّ نُعطِيَ كُلَّ فَتًى مِنهُم سَيفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَعمِدُوا إِلَيهِ بِأَجمَعِهِم، فَيَضرِبُوهُ بِهَا ضَربَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقتُلُوهُ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ فِي القَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَا يَقدِرُ بَنُو عَبدِ مَنَافٍ عَلَى حَربِ قَومِهِم جَمِيعًا. فَقَالَ الشَّيخُ النَّجدِيُّ: القَولُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأيُ لَا أَرَى غَيرَهُ.
❁ فَأَتَى جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا تَبِت هَذِهِ اللَّيلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ الَّذِي كُنتَ تَبِيتُ عَلَيهِ، وَأَخبَرَهُ بِمَكرِ القَومِ، وَبِإِذنِ اللهِ تَعَالَى لَهُ بِالخُرُوجِ.
❁ فَلَمَّا كَانَتِ العَتَمَةُ مِنَ اللَّيلِ اجتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ فَيَثِبُونَ عَلَيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «نَم عَلَى فِرَاشِي، وَتَسَجَّ بِبُردِي هَذَا الحَضرَمِيِّ الأَخضَرِ، فَنَم فِيهِ، فَإِنَّهُ لَن يَخلُصَ إِلَيكَ شَيءٌ تَكرَهُهُ مِنهُم». فَنَامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الفِدَاءِ وَالثَّبَاتِ مَا يَشهَدُ لِعِظَمِ مَكَانَتِهِ وَصِدقِ مَحَبَّتِهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
❁ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَخَذَ حَفنَةً مِن تُرَابٍ فِي يَدِهِ، وَأَخَذَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَبصَارِهِم عَنهُ فَلَا يَرَونَهُ، فَجَعَلَ يَذرِي ذَلِكَ التُّرَابَ عَلَى رُؤُوسِهِم، وَهُوَ يَتلُو أَوَائِلَ سُورَةِ يس: ﴿يس وَالقُرآنِ الحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ تَنزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَومًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُم فَهُم غَافِلُونَ لَقَد حَقَّ القَولُ عَلَى أَكثَرِهِم فَهُم لَا يُؤمِنُونَ إِنَّا جَعَلنَا فِي أَعنَاقِهِم أَغلَالًا فَهِيَ إِلَى الأَذقَانِ فَهُم مُقمَحُونَ وَجَعَلنَا مِن بَينِ أَيدِيهِم سَدًّا وَمِن خَلفِهِم سَدًّا فَأَغشَينَاهُم فَهُم لَا يُبصِرُونَ﴾.
❁ فَلَم يَبقَ مِنهُم رَجُلٌ إِلَّا وَقَد وَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَأسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ انصَرَفَ إِلَى حَيثُ أَرَادَ اللهُ لَهُ أَن يَذهَبَ. فَأَتَاهُم آتٍ مِمَّن لَم يَكُن مَعَهُم، فَقَالَ: مَا تَنتَظِرُونَ هَهُنَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدًا. قَالَ: خَيَّبَكُمُ اللهُ، قَد وَاللهِ خَرَجَ عَلَيكُم مُحَمَّدٌ، وَمَا تَرَكَ مِنكُم رَجُلًا إِلَّا وَقَد وَضَعَ عَلَى رَأسِهِ تُرَابًا. فَوَضَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهُم يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ، فَإِذَا عَلَيهِ تُرَابٌ.
❁ ثُمَّ جَعَلُوا يَتَطَلَّعُونَ، فَيَرَونَ عَلِيًّا عَلَى الفِرَاشِ مُتَسَجِّيًا بِبُردِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَقُولُونَ: وَاللهِ إِنَّ هَذَا لَمُحَمَّدٌ. فَلَم يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَصبَحُوا، فَقَامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ الفِرَاشِ، فَعَرَفُوا أَنَّ اللهَ أَبطَلَ مَكرَهُم.
❁ وَفِي ذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذ يَمكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثبِتُوكَ أَو يَقتُلُوكَ أَو يُخرِجُوكَ وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيرُ المَاكِرِينَ﴾. فَالمَكرُ مِنَ الخَلقِ خُبثٌ وَخِدَاعٌ لِإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الغَيرِ بِاستِعمَالِ حِيلَةٍ، وَأَمَّا مَا يُضَافُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَلَيسَ بِهَذَا المَعنَى، فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الخُبثِ وَالحِيلَةِ، وَإِنَّمَا مَعنَاهُ مُجَازَاةُ الكَافِرِينَ بِالعُقُوبَةِ مِن حَيثُ لَا يَدرُونَ. وَقَد قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «وَالمَكرُ مِنَ اللهِ هُوَ جَزَاؤُهُم بِالعَذَابِ عَلَى مَكرِهِم مِن حَيثُ لَا يَشعُرُونَ».
❁ وَرَوَى البُخَارِيُّ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: فَبَينَمَا نَحنُ يَومًا جُلُوسٌ فِي بَيتِ أَبِي بَكرٍ فِي نَحرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَم يَكُن يَأتِينَا فِيهَا. فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمرٌ. قَالَت: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاستَأذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكرٍ: «أَخرِج مَن عِندَكَ». فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: إِنَّمَا هُم أَهلُكَ، بِأَبِي أَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِنِّي قَد أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ». فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: الصُّحبَةَ، بِأَبِي أَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَم».
❁ وَالعِبرَةُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أَنَّ أَعدَاءَ الدِّينِ يَجتَمِعُونَ لِحَربِ الحَقِّ وَأَهلِهِ، فَأَهلُ الحَقِّ أَولَى أَن يَجتَمِعُوا عَلَى نُصرَةِ الدَّعوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَيهَا، وَالتَّشَاوُرِ فِيهَا، وَأَن يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً فِي وَجهِ الضَّلَالِ وَأَعدَاءِ الدِّينِ. وَفِيهَا أَنَّ اللهَ حَافِظٌ دِينَهُ وَنَبِيَّهُ، وَمُؤَيِّدٌ أَهلَ الحَقِّ إِذَا صَدَقُوا وَأَخلَصُوا، وَفِيهَا بَيَانُ فِدَاءِ الصَّحَابَةِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَنفُسِهِم وَأَموَالِهِم، كَمَا فَعَلَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَكَمَا فَعَلَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.
❖ *بَعدَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبِهِ*
❁ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي طَرِيقِ الهِجرَةِ مِن طَرِيقِ السَّاحِلِ، وَكَانَ خُرُوجُهُ ﷺ فِي شَهرِ صَفَرٍ، وَكَانَت رِحلَتُهُ طَاعَةً للهِ، وَنُصرَةً لِدِينِهِ، وَإِعلَاءً لِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ.
❁ وَفِي هَذِهِ الرِّحلَةِ ظَهَرَ فَضلُ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَعِظَمُ مَحَبَّتِهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَد جَهَّزَ الرَّاحِلَتَينِ، وَحَبَسَ نَفسَهُ لِصُحبَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ فِي الطَّرِيقِ يَمشِي مَرَّةً أَمَامَهُ، وَمَرَّةً خَلفَهُ، وَمَرَّةً عَن يَمِينِهِ، وَمَرَّةً عَن شِمَالِهِ، حِرصًا عَلَى حَبِيبِهِ ﷺ.
❖ *دُخُولُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الغَارَ*
❁ بَعدَ أَن خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن بَيتِهِ، وَأَعمَى اللهُ أَبصَارَ المُشرِكِينَ عَنهُ، جَاءَ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَالَ الصِّدِّيقُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: فَخُذ بِأَبِي أَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ إِحدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَينِ. قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: فَجَهَّزنَاهُمَا أَحَثَّ الجَهَازِ، وَصَنَعنَا لَهُمَا سُفرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَت أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ قِطعَةً مِن نِطَاقِهَا، فَرَبَطَت بِهِ عَلَى فَمِ الجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَت ذَاتَ النِّطَاقَينِ.
❁ ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَورٍ، فَمَكَثَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَكَانَ عَبدُ اللهِ بنُ أَبِي بَكرٍ يَبِيتُ عِندَهُمَا، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ فَطِنٌ حَافِظٌ، فَيَخرُجُ مِن عِندِهِمَا وَقتَ السَّحَرِ إِلَى مَكَّةَ، فَيُصبِحُ مَعَ قُرَيشٍ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسمَعُ أَمرًا يُدَبَّرُ بِشَأنِهِمَا إِلَّا وَعَاهُ وَحَفِظَهُ، ثُمَّ يَأتِيهِمَا بِالخَبَرِ حِينَ يَختَلِطُ الظَّلَامُ.
❁ وَكَانَ عَامِرُ بنُ فُهَيرَةَ مَولَى أَبِي بَكرٍ يَرعَى عَلَيهِمَا نَاقَةً، وَيَفعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيلَةٍ مِن تِلكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ. وَاستَأجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ رَجُلًا مِن بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، أَي مَاهِرًا بِالهِدَايَةِ فِي الطُّرُقِ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيشٍ، فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيهِ رَاحِلَتَيهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَورٍ بَعدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ.
❁ وَفِي حَالِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمَّا خَرَجَ هُوَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الغَارِ، جَعَلَ أَبُو بَكرٍ يَمشِي مَرَّةً أَمَامَ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَرَّةً خَلفَهُ، وَمَرَّةً عَن يَمِينِهِ، وَمَرَّةً عَن شِمَالِهِ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَذكُرُ الرَّصَدَ فَأَكُونُ أَمَامَكَ، وَأَذكُرُ الطَّلَبَ فَأَكُونُ خَلفَكَ، وَمَرَّةً عَن يَمِينِكَ، وَمَرَّةً عَن يَسَارِكَ، لِآمَنَ عَلَيكَ.
❁ فَلَمَّا انتَهَيَا إِلَى فَمِ الغَارِ، قَالَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَا تَدخُلُهُ حَتَّى أَدخُلَهُ قَبلَكَ، فَإِن كَانَ فِيهِ شَيءٌ نَزَلَ بِي قَبلَكَ. فَدَخَلَهُ، فَجَعَلَ يَلتَمِسُ بِيَدِهِ، فَكُلَّمَا وَجَدَ جُحرًا قَامَ إِلَى ثَوبِهِ فَشَقَّهُ ثُمَّ أَلقَمَهُ الجُحرَ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَوبِهِ أَجمَعَ، فَبَقِيَ جُحرٌ، فَوَضَعَ عَقِبَيهِ عَلَيهِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
❁ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِن كَانَ لَدغَةٌ أَو لَسعَةٌ كَانَت بِي». وَرُوِيَ أَنَّهُ أُصِيبَ فِي إِصبَعِهِ، فَجَعَلَ يَمسَحُ الدَّمَ عَن إِصبَعِهِ وَيَقُولُ:
هَل أَنتِ إِلَّا إِصبَعٌ دَمِيتِ ~ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ
❁ وَحَمَى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِمَا شَاءَ مِن أَسبَابٍ، فَأَرسَلَ العَنكَبُوتَ فَنَسَجَت، وَالحَمَامَتَينِ فَوَقَفَتَا فِي فَمِ الغَارِ، وَجَاءَ الطَّلَبُ مِن رِجَالِ قُرَيشٍ، فَلَم يَرَوا فِي الغَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ أَحَدٍ. فقد رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيلَةَ الغَارِ أَمَرَ شَجَرَةً فَسَتَرَتهُ، وَبَعَثَ اللهُ العَنكَبُوتَ فَنَسَجَت، وَأَمَرَ اللهُ حَمَامَتَينِ وَحشِيَّتَينِ فَوَقَفَتَا فِي فَمِ الغَارِ، وَأَقبَلَ فِتيَانُ قُرَيشٍ مِن كُلِّ بَطنٍ بِعِصِيِّهِم وَسُيُوفِهِم، حَتَّى إِذَا كَانُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قُربٍ، جَعَلَ بَعضُهُم يَنظُرُ فِي الغَارِ، فَلَم يَرَ إِلَّا حَمَامَتَينِ وَحشِيَّتَينِ بِفَمِ الغَارِ، فَرَجَعَ إِلَى أَصحَابِهِ، وَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللهَ قَد دَرَأَ عَنهُ بِهِمَا.
❁ وَرَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ وَالشَّيخَانِ عَن أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قُلتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَنَحنُ فِي الغَارِ: لَو أَنَّ أَحَدَهُم نَظَرَ إِلَى قَدَمَيهِ لَأَبصَرَنَا تَحتَ قَدَمَيهِ. فَقَالَ ﷺ: «مَا ظَنُّكَ بِاثنَينِ اللهُ ثَالِثُهُمَا». وَمَعنَاهُ: ثَالِثُهُمَا بِالنَّصرِ وَالمَعُونَةِ وَالحِفظِ وَالتَّسدِيدِ، لَا بِالحُلُولِ وَلَا بِالجِهَةِ وَلَا بِالمَكَانِ، فَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الحُلُولِ وَالاتِّصَالِ وَالانفِصَالِ بِالمَسَافَةِ.
❁ وَقَالَ اللهُ تَعَالَى فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
❁ وَمَعِيَّةُ اللهِ المَذكُورَةُ فِي القُرآنِ لَيسَت مَعِيَّةً بِالحِسِّ وَالجِهَاتِ، بَل تَأتِي بِمَعنَى النُّصرَةِ وَالكِلَاءَةِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾، وَتَأتِي بِمَعنَى الإِحَاطَةِ بِالعِلمِ، فَكِلَا المَعنَيَينِ، أَيِ الإِحَاطَةُ بِالعِلمِ وَالنُّصرَةُ وَالكِلَاءَةُ، لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَيسَ المُرَادُ بِمَعِيَّةِ اللهِ مَعنًى مِن مَعَانِي الجِسمِيَّةِ، وَلَا الحُلُولَ، وَلَا الاتِّصَالَ، فَاللهُ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ.
❁ وَللهِ دَرُّ البُوصِيرِيِّ حَيثُ قَالَ:
وَيحَ قَومٍ جَفَوا نَبِيًّا بِأَرضٍ ~ أَلِفَتهُ ضِبَابُهَا وَالظِّبَاءُ
وَسَلَوهُ وَحَنَّ جِذعٌ إِلَيهِ ~ وَقَلَوهُ وَرَدَّهُ الغُرَبَاءُ
أَخرَجُوهُ مِنهَا وَآوَاهُ غَارٌ ~ وَحَمَتهُ حَمَامَةٌ وَرقَاءُ
وَكَفَتهُ بِنَسجِهَا عَنكَبُوتٌ ~ مَا كَفَتهُ الحَمَامَةُ الحَصدَاءُ
❁ وَقَالَ أَيضًا:
فَالصِّدقُ فِي الغَارِ وَالصِّدِّيقُ لَم يَرِمَا ~ وَهُم يَقُولُونَ مَا بِالغَارِ مِن أَرِمِ
ظَنُّوا الحَمَامَ وَظَنُّوا العَنكَبُوتَ عَلَى ~ خَيرِ البَرِيَّةِ لَم تَنسُج وَلَم تَحُمِ
وِقَايَةُ اللهِ أَغنَت عَن مُضَاعَفَةٍ ~ مِنَ الدُّرُوعِ وَعَن عَالٍ مِنَ الأُطُمِ
❁ وَلَنَا فِي ذَلِكَ عِبَرٌ، مِنهَا الإِعَانَةُ عَلَى نُصرَةِ الحَقِّ وَالدِّينِ، كُلٌّ عَلَى مَا يَقدِرُ عَلَيهِ، بِالمَالِ أَوِ البَدَنِ أَوِ الفِكرِ، وَأَنَّ اللهَ يَحفَظُ دِينَهُ وَنَبِيَّهُ، وَيَنصُرُ الحَقَّ وَأَهلَهُ، وَيُعلِي كَلِمَةَ الحَقِّ، فَمَن مَشَى فِي طَرِيقِ نُصرَةِ هَذَا الدِّينِ فَهُوَ الرَّابِحُ الفَائِزُ، وَمَن تَخَلَّفَ وَقَصَّرَ فَهُوَ الخَاسِرُ.
❖ *حِفظُ اللهِ لِنَبِيِّهِ وَقِصَّةُ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ*
❁ وَكَانَ مِن حِفظِ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ أَنَّهُ صَرَفَ عَنهُ كَيدَ المُشرِكِينَ، وَرَدَّ عَنهُ الطَّالِبِينَ، وَمِن ذَلِكَ مَا جَرَى مَعَ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ، فَقَد خَرَجَ يَطلُبُ النَّبِيَّ ﷺ وَصَاحِبَهُ طَمَعًا فِي الجُعلِ، فَلَمَّا دَنَا مِنهُمَا، قَالَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَتَبِعَنَا سُرَاقَةُ بنُ مَالِكٍ، وَنَحنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرضِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الطَّلَبُ قَد لَحِقَنَا. قَالَ: لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا». فَلَمَّا دَنَا مِنهُمَا، وَكَانَ بَينَهُمَا وَبَينَهُ قَدرُ رُمحٍ أَو رُمحَينِ أَو ثَلَاثَةٍ، قَالَ أَبُو بَكرٍ: هَذَا الطَّلَبُ قَد لَحِقَنَا، وَبَكَى. فَقَالَ ﷺ: «مَا يُبكِيكَ؟» قَالَ: أَمَا وَاللهِ مَا عَلَى نَفسِي أَبكِي، وَلَكِنِّي أَبكِي عَلَيكَ.
❁ فَدَعَا عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اكفِنَاهُ بِمَا شِئتَ». فَسَاخَت بِهِ فَرَسُهُ فِي الأَرضِ إِلَى بَطنِهَا، فَوَثَبَ عَنهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَد عَلِمتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادعُ اللهَ أَن يُنجِيَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، فَوَاللهِ لَأُعمِيَنَّ عَلَى مَن وَرَائِي مِنَ الطَّلَبِ. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَنَجَاهُ اللهُ، فَانطَلَقَ رَاجِعًا إِلَى أَصحَابِهِ، لَا يَلقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَد كُفِيتُم مَا هَهُنَا، وَلَا يَلقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ.
❁ وَقَالَ سُرَاقَةُ: فَخَرَجتُ وَأَنَا أَحَبُّ النَّاسِ فِي تَحصِيلِهِمَا، وَرَجَعتُ وَأَنَا أَحَبُّ النَّاسِ فِي أَن لَا يَعلَمَ بِهِمَا أَحَدٌ. وَقَد وَعَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِسِوَارَي كِسرَى، فَلَبِسَهُمَا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
❁ وَالعِبرَةُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَحمِي نَبِيَّهُ، وَيُبَلِّغُهُ مُرَادَهُ، وَفِيهَا شِدَّةُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالاطمِئنَانُ إِلَيهِ مَعَ انقِطَاعِ الأَسبَابِ الدُّنيَوِيَّةِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ مُطمَئِنًّا مُسَلِّمًا لِأَمرِ اللهِ. وَفِيهَا شِدَّةُ وَفَاءِ أَبِي بَكرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِدِينِهِ وَدَعوَتِهِ، وَأَنَّ المُسلِمَ يَنبَغِي أَن يَخَافَ عَلَى الدِّينِ وَالرِّسَالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَيَحمِيَهَا بِمَا يَستَطِيعُ.
❁ وَفِي هَذَا المَوقِفِ دَرسٌ عَظِيمٌ فِي أَنَّ القُلُوبَ بِيَدِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيفَ يَشَاءُ، وَأَنَّ العَبدَ إِذَا كَانَ مَعَ اللهِ بِالطَّاعَةِ وَالثَّبَاتِ، كَفَاهُ اللهُ مَا أَهَمَّهُ، وَجَعَلَ لَهُ مِنَ الضِّيقِ مَخرَجًا، وَمِنَ العُسرِ يُسرًا، وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ مِن أَعلَامِ النُّبُوَّةِ، وَشِدَّةِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَحِفظِ اللهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ مَا يَملَأُ القَلبَ يَقِينًا وَطُمَأنِينَةً.
❖ *قِصَّةُ أُمِّ مَعبَدٍ وَوَصفُهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ*
❁ مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي طَرِيقِهِمَا إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ عَلَى خَيمَةِ أُمِّ مَعبَدٍ، وَاسمُهَا عَاتِكَةُ بِنتُ خَالِدٍ الخُزَاعِيَّةُ. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى شَاةٍ عِندَهَا، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعبَدٍ؟» قَالَت: شَاةٌ خَلَّفَهَا الجَهدُ عَنِ الغَنَمِ. قَالَ: «هَل بِهَا مِن لَبَنٍ؟» قَالَت: هِيَ أَجهَدُ مِن ذَلِكَ. قَالَ: «أَتَأذَنِينَ لِي أَن أَحلِبَهَا؟» قَالَت: بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي، نَعَم، إِن رَأَيتَ بِهَا حَلَبًا فَاحلِبهَا.
❁ فَمَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ظَهرِهَا وَضَرعِهَا، وَسَمَّى اللهَ وَدَعَا، فَحَلَبَ مِنهَا مَا كَفَاهُم، وَحَلَبَ إِنَاءً آخَرَ وَتَرَكَهُ عِندَهَا مَملُوءًا. وَقَد بَقِيَتِ الشَّاةُ الَّتِي مَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ ضَرعَهَا إِلَى عَامِ الرَّمَادَةِ زَمَنَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
❁ فَلَمَّا جَاءَ زَوجُهَا، قَالَ لَهَا: مِن أَينَ لَكِ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالَت: إِنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِن حَالِهِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعبَدٍ. فَقَالَت فِي وَصفِهِ ﷺ: «ظَاهِرُ الوَضَاءَةِ، أَبلَجُ الوَجهِ، حَسَنُ الخُلقِ، لَم تَعِبهُ ثُجلَةٌ، وَلَم تُزرِ بِهِ صَعلَةٌ، وَسِيمٌ قَسِيمٌ، فِي عَينَيهِ دَعَجٌ، وَفِي أَشفَارِهِ وَطَفٌ، وَفِي صَوتِهِ صَحَلٌ، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ، وَفِي لِحيَتِهِ كَثَاثَةٌ، أَحوَرُ أَكحَلُ، أَزَجُّ أَقرَنُ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، إِذَا صَمَتَ عَلَاهُ الوَقَارُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ عَلَاهُ البَهَاءُ، أَجمَلُ النَّاسِ وَأَبهَاهُ مِن بَعِيدٍ، وَأَحسَنُهُ وَأَحلَاهُ مِن قَرِيبٍ، حُلوُ المَنطِقِ، فَصلٌ لَا نَزرٌ وَلَا هَذرٌ، كَأَنَّ مَنطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظمٍ يَنحَدِرنَ، رَبعَةٌ، لَا تَقتَحِمُهُ عَينٌ مِن قِصَرٍ، وَلَا تَشنَؤُهُ مِن طُولٍ، غُصنٌ بَينَ غُصنَينِ، فَهُوَ أَنضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنظَرًا، وَأَحسَنُهُم قَدًّا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِذَا قَالَ استَمَعُوا لِقَولِهِ، وَإِذَا أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمرِهِ، مَحفُودٌ مَحشُودٌ، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفَنِّدٌ».
❁ فَقَالَ أَبُو مَعبَدٍ: هُوَ وَاللهِ صَاحِبُ قُرَيشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِن أَمرِهِ، وَقَد هَمَمتُ أَن أَصحَبَهُ، وَلَأَفعَلَنَّ إِن وَجَدتُ لِذَلِكَ سَبِيلًا. وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ مُعجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَوَصفٌ بَدِيعٌ لِجَمَالِهِ وَهَيبَتِهِ وَحُسنِ سَمتِهِ.
❖ *رَحِيلُهُ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ*
❁ كَانَ المُهَاجِرُونَ وَالأَنصَارُ يَفِدُونَ إِلَى قُبَاءَ، يَنتَظِرُونَ قُدُومَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا كَانَ يَومُ قُدُومِهِ نَزَلَهَا بِالسَّعدِ وَالهَنَاءِ، فِي يَومِ الاثنَينِ لِثِنتَي عَشرَةَ لَيلَةً خَلَت مِن شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَجَاءَ المُسلِمُونَ يُسَلِّمُونَ عَلَيهِ.
❁ وَأَقَامَ المُصطَفَى ﷺ فِي قُبَاءَ مُدَّةً، وَأَسَّسَ فِيهَا المَسجِدَ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى﴾، وَلَحِقَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَكَانَ قَد تَأَخَّرَ ثَلَاثَ لَيَالٍ لِرَدِّ الوَدَائِعِ الَّتِي كَانَت عِندَ المُصطَفَى ﷺ لِأَهلِهَا، ثُمَّ طَلَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن بَينِ أَظهُرِهِم، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَمَشَوا حَولَهَا، فَأَدرَكَتهُ الجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بنِ عَوفٍ فَصَلَّاهَا.
❁ وَهُنَاكَ فِي المَدِينَةِ، فِي طَيبَةَ، كَانَ المُؤمِنُونَ مِن مُهَاجِرِينَ وَأَنصَارٍ يَنتَظِرُونَ بِلَهَفٍ وَشَوقٍ وُصُولَ الحَبِيبِ ﷺ، يَومًا بَعدَ يَومٍ، وَيَتَوَافَدُونَ إِلَى مَشَارِفِ المَدِينَةِ مِن نَاحِيَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ، يَنتَظِرُونَ قُدُومَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَبَعضُهُم يَتَسَلَّقُ الأَشجَارَ وَيَنظُرُ إِلَى بُعدٍ، لَعَلَّهُ يَرَى أَثَرًا لِقُدُومِهِ.
❁ وَذَاتَ يَومٍ، وَالنَّاسُ فِي انتِظَارٍ بِلَهَفٍ وَشَوقٍ، وَقَدِ انتَصَفَ النَّهَارُ وَاشتَدَّ الحَرُّ، تَوَافَدُوا جَمَاعَةً بَعدَ جَمَاعَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يُنَادِي بِأَعلَى صَوتِهِ: هَا قَد جَاءَ مَن تَنتَظِرُونَ يَا أَهلَ المَدِينَةِ. فَتَكِرُّ الجُمُوعُ عَائِدَةً لِاستِقبَالِ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ، وَالحُبُّ يَسبِقُهَا. وَلِسَانُ حَالِهَا يَقُولُ:
طَلَعَ البَدرُ عَلَينَا ~ مِن ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ
❁ وَتَلَقَّى المُسلِمُونَ مِن أَنصَارٍ وَمُهَاجِرِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَحسَنَ استِقبَالٍ، فَخَرَجُوا فِي الطُّرُقِ وَعَلَى السُّطُوحِ مُبتَهِجِينَ، وَانتَشَرَ الخَدَمُ وَالصِّبيَانُ فِي الطَّرِيقِ يَهتِفُونَ: «اللهُ أَكبَرُ، جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، جَاءَ مُحَمَّدٌ».
❁ وَلَمَّا ارتَحَلَ المُصطَفَى ﷺ قَاصِدًا المَدِينَةَ، أَخَذَ بَعضُ الأَنصَارِ خِطَامَ نَاقَتِهِ، يَطلُبُونَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَن يُقِيمَ عِندَهُم، وَهُم يَقُولُونَ: أَقِم عِندَنَا فِي العَدَدِ وَالعُدَّةِ وَالمَنَعَةِ. فَكَانَ ﷺ يَقُولُ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأمُورَةٌ». حَتَّى بَرَكَت نَاقَتُهُ فِي المَوضِعِ الَّذِي أَمَرَهَا اللهُ أَن تَبرُكَ فِيهِ، وَهُوَ مَوضِعُ مَسجِدِهِ ﷺ.
❁ وَكَانَ المَوضِعُ مِربَدًا لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ مِن بَنِي مَالِكِ بنِ النَّجَّارِ، فِي حِجرِ مُعَاذِ بنِ عَفرَاءَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَكَانِ لِمَن هُوَ، فَذُكِرَ لَهُ أَمرُ الغُلَامَينِ، فَابتَاعَهُ ﷺ، وَأَمَرَ بِالنَّخلِ الَّذِي فِيهِ وَالغَرقَدِ فَقُطِعَ، وَبِاللَّبِنِ فَضُرِبَ، وَأُسِّسَ المَسجِدُ الشَّرِيفُ.
❁ لَمَّا وَصَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، خَرَجَ أَهلُهَا مِنَ الطُّرُقِ وَعَلَى السُّطُوحِ مُبتَهِجِينَ، وَانتَشَرَ الصِّبيَانُ يَهتِفُونَ: «اللهُ أَكبَرُ، جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ». وَكَانَ أَوَّلُ مَا بَادَرَ إِلَيهِ ﷺ بِنَاءُ المَسجِدِ؛ لِيَكُونَ مَنَارَةً لِلعِلمِ وَالمَعرِفَةِ، وَمَكَانًا لِلعِبَادَةِ، تَتصَافَحُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَيدِي. وَكَانَ ﷺ يَنقُلُ الحِجَارَةَ بِنَفسِهِ مَعَ أَصحَابِهِ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَا عَيشَ إِلَّا عَيشُ الآخِرَةِ، فَاغفِر لِلأَنصَارِ وَالمُهَاجِرَةِ».
❁ وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِندَ أَبِي أَيُّوبَ خَالِدِ بنِ زَيدٍ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَقَد جَاءَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «وَكُنَّا نَصنَعُ لَهُ العَشَاءَ، ثُمَّ نَبعَثُ بِهِ إِلَيهِ، فَإِذَا رَدَّ عَلَينَا فَضلَهُ تَيَمَّمتُ، أَي قَصَدتُ، أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوضِعَ يَدِهِ، فَأَكَلنَا مِنهُ نَبتَغِي بِذَلِكَ البَرَكَةَ». وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَبَرُّكِ أَبِي أَيُّوبَ وَزَوجِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا بِآثَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَم يُنكِرِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيهِمَا ذَلِكَ.
❁ وَلَم يَكتَفِ ﷺ بِبِنَاءِ الطُّوبِ وَالحِجَارَةِ، بَل آخَى بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، حَتَّى تَتَآخَى أَنفُسُهُم، وَتَتَوَثَّقَ رَوَابِطُهُم، وَتَزُولَ عَنهُم عَصَبِيَّاتُ الجَاهِلِيَّةِ وَأَدرَانُهَا. وَفِي تِلكَ الرِّحَابِ زَالَتِ الفَوَارِقُ البَغِيضَةُ؛ فَأَدَّى الغَنِيُّ وَالفَقِيرُ، وَالعَرَبِيُّ وَالأَعجَمِيُّ، صَلَاتَهُم كَتِفًا إِلَى كَتِفٍ، إِذ لَا فَضلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعجَمِيٍّ، وَلَا لِأَبيَضَ عَلَى أَسوَدَ، إِلَّا بِالتَّقوَى.
❁ وَاستَبشَرَ المُسلِمُونَ بِقُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى يَثرِبَ الَّتِي سَمَّاهَا المَدِينَةَ المُنَوَّرَةَ، وَءَاخَى بَينَ أَهلِهَا وَالمُهَاجِرِينَ، وَسَمَّى أَهلَهَا الأَنصَارَ لِأَنَّهُم نَصَرُوا دِينَ اللهِ تَعَالَى، وَبِهِ انطَفَأَت فِتنَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَت بَينَ قَبِيلَتَي الأَوسِ وَالخَزرَجِ بِيَثرِبَ بَعدَ أَن دَامَت سَنَوَاتٍ، فَصَارَ المُسلِمُونَ عَلَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا يُفَرِّقُ بَينَهُم طَمَعٌ وَلَا دُنيَا، وَلَا يُبَاعِدُهُم حَسَدٌ وَلَا ضَغِينَةٌ، حَتَّى غَدَوا كَالبُنيَانِ المَرصُوصِ يَشُدُّ بَعضُهُم بَعضًا. وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيَومَ يَقُومُ الأَشهَادُ﴾.
❁ وَقَد طَابَتِ المَدِينَةُ بِقُدُومِهِ ﷺ، وَأَشرَقَت بِهِجرَتِهِ، وَسَرَى السُّرُورُ إِلَى قُلُوبِ المُؤمِنِينَ بِحُلُولِهِ بِهَا، فَكَانَتِ الهِجرَةُ بَدَايَةَ عَهدٍ جَدِيدٍ، وَفَجرًا مُشرِقًا فِي تَارِيخِ الدَّعوَةِ الإِسلَامِيَّةِ.
❖ *فَائِدَةٌ فِي الأُخُوَّةِ فِي الدِّينِ*
❁ لَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، ءَاخَى بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، فَصَارَ المُسلِمُونَ عَلَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، كَالبُنيَانِ المَرصُوصِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا، لَا يُفَرِّقُ بَينَهُم طَمَعٌ، وَلَا تُبَاعِدُهُم دُنيَا، وَلَا يَقطَعُ مَا بَينَهُم حَسَدٌ وَلَا ضَغِينَةٌ.
❁وَفِي ذَلِكَ دَرسٌ عَظِيمٌ فِي الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ، فَقَد قَالَ ﷺ: «وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانًا». وَمَعنَاهُ: أَيُّهَا المُسلِمُونَ، أَنتُم كُلُّكُم مُشتَرِكُونَ فِي الإِيمَانِ، فَكُونُوا فِيمَا بَينَكُم مُتَآخِينَ.
❁ فَيَنبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن يُعَاشِرَ أَخَاهُ مُعَاشَرَةَ الإِخوَةِ، بِالمَوَدَّةِ وَالرِّفقِ وَالشَّفَقَةِ وَالمُلَاطَفَةِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الخَيرِ، وَصَفَاءِ القُلُوبِ، وَالنَّصِيحَةِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالسَّعيِ فِي الأَسبَابِ الَّتِي تُوقِعُ المَوَدَّةَ بَينَ المُؤمِنِينَ.
❁ وَفِي الحَدِيثِ مَعنًى عَظِيمٌ، وَهُوَ أَنَّ المُسلِمُونَ يَجمَعُهُمُ الإِيمَانُ، وَتَربِطُ بَينَهُم عُروَةُ الدِّينِ، وَيَنبَغِي أَن يَكُونُوا مُتَآخِينَ مُتَرَاحِمِينَ، كَالجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشتَكَى مِنهُ عُضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى، فَهَذِهِ الأُخُوَّةُ مِن أَعظَمِ ثَمَرَاتِ الإِيمَانِ، وَمِن أَقوَى أَسبَابِ بِنَاءِ المُجتَمَعِ المُسلِمِ.
❖ *بَعضُ القِصَصِ الَّتِي وَرَدَت مَعَ بَعضِ مَن هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ*
❁ وَرَدَ فِي بَعضِ الآثَارِ أَنَّ بَعضَ المُهَاجِرِينَ وَالمُهَاجِرَاتِ ظَهَرَت لَهُم كَرَامَاتٌ وَعِبَرٌ فِي طَرِيقِ الهِجرَةِ، تَدُلُّ عَلَى فَضلِ الهِجرَةِ، وَحُسنِ التَّوَكُّلِ، وَصِدقِ اللُّجُوءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
❁ أَخرَجَ البَيهَقِيُّ فِي «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي المُهَاجِرَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي أَحيَا اللهُ تَعَالَى بِدُعَائِهَا وَلَدَهَا بَعدَ مَا مَاتَ، عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امرَأَةٌ مُهَاجِرَةٌ، وَمَعَهَا ابنٌ لَهَا قَد بَلَغَ، فَأَضَافَ المَرأَةَ إِلَى النِّسَاءِ، وَأَضَافَ ابنَهَا إِلَينَا، فَلَم يَلبَث أَن أَصَابَهُ وَبَاءُ المَدِينَةِ، فَمَرِضَ أَيَّامًا، ثُمَّ قُبِضَ، فَغَمَّضَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَمَرَ بِجَهَازِهِ، فَلَمَّا أَرَدنَا أَن نُغَسِّلَهُ، قَالَ: يَا أَنَسُ، ائتِ أُمَّهُ فَأَعلِمهَا».
❁ قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَأَعلَمتُهَا، فَجَاءَت حَتَّى جَلَسَت عِندَ قَدَمَيهِ، فَأَخَذَت بِهِمَا، ثُمَّ قَالَت: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسلَمتُ لَكَ طَوعًا، وَخَلَعتُ الأَوثَانَ زُهدًا، وَهَاجَرتُ إِلَيكَ رَغبَةً، اللَّهُمَّ لَا تُشمِت بِي عَبَدَةَ الأَوثَانِ، فَلَا تَحمِل عَلَيَّ هَذِهِ المُصِيبَةَ اليَومَ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا تَقَضَّى كَلَامُهَا حَتَّى حَرَّكَ قَدَمَيهِ، وَأَلقَى الثَّوبَ عَن وَجهِهِ، وَطَعِمَ وَطَعِمنَا مَعَهُ، وَعَاشَ حَتَّى قَبَضَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ، وَحَتَّى هَلَكَت أُمُّهُ، وَعَاشَ لِخِلَافَةِ عُمَرَ».
❁ وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ تَذكِيرٌ بِفَضلِ صِدقِ الهِجرَةِ، وَصِدقِ اللُّجُوءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَحُسنِ الظَّنِّ بِهِ عِندَ الشَّدَائِدِ وَالمِحَنِ، فَإِنَّ هَذِهِ المَرأَةَ المُهَاجِرَةَ صَدَقَت فِي إِسلَامِهَا وَهِجرَتِهَا، وَلَجَأَت إِلَى رَبِّهَا مُتَضَرِّعَةً، فَأَظهَرَ اللهُ تَعَالَى لَهَا مِن لُطفِهِ وَكَرَمِهِ مَا كَانَ ءَايَةً وَعِبرَةً.
❁ وَتُعَلِّمُنَا هَذِهِ القِصَّةُ أَنَّ العَبدَ إِذَا ضَاقَت بِهِ الأَسبَابُ، فَبَابُ اللهِ لَا يَضِيقُ، وَإِذَا عَظُمَت عَلَيهِ المُصِيبَةُ، فَالرُّجُوعُ إِلَى اللهِ هُوَ المَفزَعُ وَالمَلجَأُ، وَأَنَّ صِدقَ الإِيمَانِ وَحُسنَ التَّوَكُّلِ وَالدُّعَاءَ بِقَلبٍ مُنكَسِرٍ مِن أَعظَمِ أَسبَابِ الفَرَجِ وَالرَّحمَةِ.
❖*قِصَّةُ أُمِّ أَيمَنَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا*
❁ رَوَى ابنُ سَعدٍ عَن عُثمَانَ بنِ القَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَت أُمُّ أَيمَنَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، أَمسَت بِالمُنصَرَفِ وَدُونَ الرَّوحَاءِ، فَعَطِشَت، وَلَيسَ مَعَهَا مَاءٌ، وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَأَجهَدَهَا العَطَشُ، فَدُلِّيَ عَلَيهَا مِنَ السَّمَاءِ دَلوٌ مِن مَاءٍ بِرِشَاءٍ أَبيَضَ، فَأَخَذَتهُ، فَشَرِبَت مِنهُ حَتَّى ارتَوَت.
❁ فَكَانَت تَقُولُ: مَا أَصَابَنِي بَعدَ ذَلِكَ عَطَشٌ، وَلَقَد تَعَرَّضتُ لِلعَطَشِ بِالصَّومِ فِي الهَوَاجِرِ فَمَا عَطِشتُ. وَفِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا خَرَجَت مُهَاجِرَةً مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ وَهِيَ مَاشِيَةٌ لَيسَ مَعَهَا زَادٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمسُ إِذَا بِإِنَاءٍ مُعَلَّقٍ عِندَ رَأسِهَا، فَشَرِبَت مِنهُ حَتَّى رَوِيَت، وَمَا عَطِشَت بَقِيَّةَ عُمُرِهَا. وَفِي ذَلِكَ عِبرَةٌ فِي فَضلِ الهِجرَةِ وَحُسنِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى
❁ وَفِي هَذِهِ القِصَصِ تَذكِيرٌ بِأَنَّ مَن صَدَقَ فِي هِجرَتِهِ وَنِيَّتِهِ، وَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ حَقَّ التَّوَكُّلِ، كَفَاهُ اللهُ وَأَيَّدَهُ وَفَتَحَ لَهُ أَبوَابَ الفَرَجِ مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُ.
❖ *الهِجرَةُ وَمَعَانِي التَّوحِيدِ وَالتَّنزِيهِ*
❁ إِنَّ أَوَّلَ مَا دَعَا إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ تَوحِيدُ اللهِ وَتَنزِيهُهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِينَ، فَبِالتَّوحِيدِ صَحَّتِ العَقَائِدُ، وَبِالتَّنزِيهِ سَلِمَتِ القُلُوبُ مِنَ التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ، وَبِالإِيمَانِ اجتَمَعَتِ القُلُوبُ الَّتِي كَانَت مُتفَرِّقَةً، فَصَارَت عَلَى نُورٍ وَهُدًى.
❁ وَمِن هُنَا نَعلَمُ أَنَّ قَولَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا»، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَالٌّ فِي مَكَانٍ، أَو مَوجُودٌ فِي الغَارِ بِذَاتِهِ، بَل مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ مَعَهُمَا بِالحِفظِ وَالنَّصرِ وَالتَّأيِيدِ وَالعِلمِ، فَاللهُ سُبحَانَهُ كَانَ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ، لَا تَحُدُّهُ الجِهَاتُ، وَلَا تَحتَوِيهِ السَّمَاوَاتُ وَلَا الأَرضُونَ.
❁ فَالهِجرَةُ تُذَكِّرُنَا بِعَقِيدَةِ التَّوحِيدِ وَالتَّنزِيهِ، وَتُعَلِّمُنَا أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ، وَأَنَّ الحِفظَ مِن عِندِ اللهِ، وَأَنَّ العَبدَ إِذَا صَدَقَ فِي تَوحِيدِهِ وَتَوَكُّلِهِ وَطَاعَتِهِ، كَفَاهُ اللهُ مَا أَهَمَّهُ، وَحَفِظَهُ مِن شَرِّ أَعدَائِهِ.
❖ *دُرُوسٌ وَعِبَرٌ مِنَ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ*
❁ مِن أَعظَمِ دُرُوسِ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ الثَّبَاتُ عَلَى الحَقِّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصحَابَهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم صَبَرُوا عَلَى الأَذَى، وَتَحَمَّلُوا المَشَاقَّ، وَثَبَتُوا عَلَى دِينِ اللهِ، حَتَّى أَظهَرَ اللهُ دِينَهُ، وَأَعلَى كَلِمَتَهُ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ.
❁ ومِن دُرُوسِ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ نُصرَةَ الدِّينِ تَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ وَثَبَاتٍ وَبَذلٍ، فَقَد تَرَكَ المُهَاجِرُونَ دِيَارَهُم وَأَموَالَهُم وَأَهلِيهِم للهِ تَعَالَى، فَنَصَرَهُم اللهُ، وَرَفَعَ ذِكرَهُم، وَجَعَلَهُم قُدوَةً لِمَن بَعدَهُم.
❁ وَمِن دُرُوسِهَا أَنَّ نَصرَ اللهِ قَادِمٌ لِمَن نَصَرَ دِينَهُ، وَأَنَّ صَولَةَ البَاطِلِ مَهمَا عَظُمَت، وَقُوَّتَهُ مَهمَا بَلَغَت، فَمَصِيرُهَا إِلَى الزَّوَالِ، وَنِهَايَتُهَا إِلَى الفَشَلِ وَالبَوَارِ، وَأَنَّ اللهَ يَحفَظُ دِينَهُ، وَيَنصُرُ رُسُلَهُ وَأَولِيَاءَهُ، وَأَنَّ الحَقَّ لَا بُدَّ لَهُ مِن يَومٍ تَعلُو فِيهِ رَايَتُهُ وَتَرتَفِعُ كَلِمَتُهُ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيَومَ يَقُومُ الأَشهَادُ﴾.
❁ وَمِن دُرُوسِهَا أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ لَا يُنَافِي الأَخذَ بِالأَسبَابِ، فَقَد أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالأَسبَابِ فِي هِجرَتِهِ، وَسَلَكَ طَرِيقًا، وَاختَارَ الصَّاحِبَ، وَاختَارَ وَقتًا، وَأَعَدَّ الرَّاحِلَةَ، وَاستَأجَرَ الدَّلِيلَ، وَأَخفَى خَبرَهُ عَن أَعدَائِهِ، وَاختَفَى فِي الغَارِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ قَلبُهُ مُتَوَكِّلًا عَلَى اللهِ، وَاثِقًا بِنَصرِهِ، مُطمَئِنًّا إِلَى وَعدِهِ، وَثِقَتُهُ بِرَبِّهِ كَامِلَةً.
❁ وَمِن دُرُوسِهَا أَنَّ الأُخُوَّةَ فِي اللهِ أي الأُخُوَّةَ الإِيمَانِيَّةَ أَسَاسُ بِنَاءِ المُجتَمَعِ المُسلِمِ، فحِينَ ءَاخَى النَّبِيُّ ﷺ بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، جَمَعَ اللهُ بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ عَلَى الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَالنُّصرَةِ وَالإِيثَارِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الخَيرِ، فَصَارُوا أُمَّةً وَاحِدَةً، كَالبُنيَانِ المَرصُوصِ، يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا، وَهَذَا مَا تَحتَاجُهُ الأُمَّةُ فِي كُلِّ زَمَانٍ، لِتَنهَضَ بِدِينِهَا، وَتَثبُتَ عَلَى عَقِيدَتِهَا، وَتَرفَعَ رَايَةَ الحَقِّ.
❖ *مَوعِظَةٌ فِي ذِكرَى الهِجرَةِ*
❁ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ ذِكرَى الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ لَيست مُجَرَّدَ حَادِثَةٍ نَتَذَكَّرُهَا بِالأَلسِنَةِ، بَل هِيَ مَدرَسَةٌ نَتَعَلَّمُ مِنهَا الصَّبرَ عَلَى الشَّدَائِدِ وَالبَلَايَا، وَالثَّبَاتَ فِي وَجهِ البَاطِلِ، وَنُصرَةَ الحَقِّ بِالعِلمِ وَالعَمَلِ وَالبَذلِ وَالدَّعوَةِ.
❁ فَمَن أَرَادَ أَن يَنتَفِعَ بِذِكرَى الهِجرَةِ، فَليُهَاجِر مِنَ المَعصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ الغَفلَةِ إِلَى الذِّكرِ، وَمِنَ الجَهلِ إِلَى العِلمِ، وَمِنَ التَّفَرُّقِ إِلَى الأُخُوَّةِ، وَمِنَ الضَّعفِ إِلَى الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ. فَالهِجرَةُ الحَقِيقِيَّةُ أَن يَهجُرَ العَبدُ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَأَن يَستَقِيمَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَن يَثبُتَ عَلَى عَقِيدَةِ أَهلِ الحَقِّ.
❁ وَمَا أَحوَجَ الأُمَّةَ اليَومَ إِلَى دُرُوسِ الهِجرَةِ، فِي الصَّبرِ وَالوَحدَةِ، وَنُصرَةِ الدِّينِ، وَالتَّعَلُّمِ وَالتَّعلِيمِ، وَالأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللهِ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَاهِلِينَ﴾.
❖ *خَاتِمَةٌ*
❁ لَمَّا هَاجَرَ المُصطَفَى ﷺ طَابَت بِهِ طَيبَةُ، وَأَضَاءَ بِقُدُومِهِ كُلُّ مَا كَانَ مِنهَا مُظلِمًا، وَسَرَى السُّرُورُ إِلَى القُلُوبِ بِحُلُولِهِ بِهَا، فَالهِجرَةُ النَّبَوِيَّةُ المُبَارَكَةُ بَدَايَةُ عَهدٍ مَجِيدٍ، وَإِيذَانٌ بِأَنَّ البَاطِلَ مَهمَا عَلَا فَإِلَى زَوَالٍ، وَأَنَّ الحَقَّ مَهمَا حُورِبَ فَلَهُ يَومٌ تَعلُو فِيهِ رَايَتُهُ، وَأَنَّ نَصرَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الصَّادِقِينَ الثَّابِتِينَ، وَأَنَّ طَرِيقَ الدَّعوَةِ يَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ وَثَبَاتٍ وَتَضحِيَةٍ وَحُسنِ تَوَكُّلٍ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
❁ إِنَّ الهِجرَةَ النَّبَوِيَّةَ دُرُوسٌ وَعِبَرٌ، فَفِيهَا الثَّبَاتُ عَلَى التَّوحِيدِ، وَالصَّبرُ عَلَى الأَذَى، وَنُصرَةُ الدِّينِ، وَبَذلُ النَّفسِ وَالمَالِ، وَحُسنُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَالأَخذُ بِالأَسبَابِ، وَالوَفَاءُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالأُخُوَّةُ فِي اللهِ، وَبِنَاءُ المُجتَمَعِ عَلَى المَحَبَّةِ وَالتَّعَاوُنِ وَالنُّصرَةِ.
❁ وَلَيسَتِ الهِجرَةُ مُجَرَّدَ ذِكرَى تُروَى، بَل هِيَ مَدرَسَةٌ لِتَجدِيدِ العَهدِ مَعَ اللهِ، وَهِجرَةٌ مِنَ المَعصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ الغَفلَةِ إِلَى الذِّكرِ، وَمِنَ الضَّعفِ إِلَى الثَّبَاتِ، وَمِنَ التَّفرِيقِ إِلَى الأُخُوَّةِ وَالاجتِمَاعِ عَلَى الحَقِّ.
❁ نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَجعَلَ قُلُوبَنَا عَامِرَةً بِحُبِّ وَتَعظِيمِ وَإِجلَالِ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَن يُثَبِّتَنَا عَلَى هَديِهِ وَطَرِيقَتِهِ، وَأَن يُعِيدَ عَلَينَا ذِكرَى الهِجرَةِ بِالخَيرِ وَالبَرَكَاتِ، وَأَن يَلطُفَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَن يَجعَلَنَا مِنَ النَّاصِرِينَ لِدِينِهِ، المُتَّبِعِينَ لِنَبِيِّهِ، الثَّابِتِينَ عَلَى عَقِيدَةِ الحَقِّ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
________________________________________
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
________________________________________
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي: 00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
________________________________________
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
________________________________________.
|
|