*رِحلَةُ الهِجرَةِ: دُرُوسُ الحُبِّ وَالفِدَاءِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ وَنُصرَةِ الدِّينِ*
❖ *مُقَدِّمَةٌ*
❁ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، المَوجُودِ أَزَلًا وَأَبَدًا بِلَا مَكَانٍ، المُنَزَّهِ عَنِ الحُدُودِ وَالجِهَاتِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، سَيِّدِ المُرسَلِينَ، وَإِمَامِ المُتَّقِينَ، وَقُدوَةِ الصَّابِرِينَ، وَعَلَى ءَالِهِ وَأَصحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَمَنِ اقتَفَى أَثَرَهُم إِلَى يَومِ الدِّينِ.
❁ أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّ الهِجرَةَ النَّبَوِيَّةَ المُبَارَكَةَ لَيسَت حَادِثَةً تُروَى فَحَسبُ، وَلَا ذِكرَى تَمُرُّ عَلَى الأَلسِنَةِ ثُمَّ تُنسَى، بَل هِيَ مَدرَسَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الصَّبرِ وَالثَّبَاتِ، وَالتَّوكُّلِ وَاليَقِينِ، وَالفِدَاءِ وَالوَفَاءِ، وَالأَمَانَةِ وَحُسنِ الخُلُقِ، وَنُصرَةِ الدِّينِ بِالعِلمِ وَالعَمَلِ وَالبَذلِ وَالدَّعوَةِ.
❁ فَفِي الهِجرَةِ نَرَى كَيفَ امتَثَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَمرَ رَبِّهِ، وَخَرَجَ مِن مَكَّةَ طَائِعًا للهِ، لَا خَوفًا وَلَا جُبنًا، وَكِيفَ أَبطَلَ اللهُ مَكرَ قُرَيشٍ، وَحَفِظَ حَبِيبَهُ ﷺ فِي الغَارِ، وَكِيفَ ظَهَرَ صِدقُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي صُحبَتِهِ وَفِدَائِهِ، وَكِيفَ تَجَلَّى إِيثَارُ الأَنصَارِ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم، حَتَّى صَارَتِ الهِجرَةُ مَنبَعًا لِلعِبَرِ، وَزَادًا لِلمُؤمِنِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ.
❁ وَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا نَتَعَلَّمُهُ مِن هَذِهِ الذِّكرَى أَنَّ الحَقَّ لَا يُنصَرُ بِالأَمَانِيِّ، وَإِنَّمَا يُنصَرُ بِصِدقِ الإِيمَانِ، وَحُسنِ التَّوكُّلِ، وَبَذلِ النَّفسِ وَالنَّفِيسِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، وَالثَّبَاتِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالاقتِدَاءِ بِرَسُولِهِ ﷺ فِي أَخلَاقِهِ وَأَفعَالِهِ وَدَعوَتِهِ.
❖ *مَوعِظَةٌ فِي ذِكرَى الهِجرَةِ*
❁ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ ذِكرَى الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ لَيست مُجَرَّدَ حَادِثَةٍ نَتَذَكَّرُهَا بِالأَلسِنَةِ، بَل هِيَ مَدرَسَةٌ نَتَعَلَّمُ مِنهَا الصَّبرَ عَلَى الشَّدَائِدِ وَالبَلَايَا، وَالثَّبَاتَ فِي وَجهِ البَاطِلِ، وَنُصرَةَ الحَقِّ بِالعِلمِ وَالعَمَلِ وَالبَذلِ وَالدَّعوَةِ.
❁ فَمَن أَرَادَ أَن يَنتَفِعَ بِذِكرَى الهِجرَةِ، فَليُهَاجِر مِنَ المَعصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ الغَفلَةِ إِلَى الذِّكرِ، وَمِنَ الجَهلِ إِلَى العِلمِ، وَمِنَ التَّفَرُّقِ إِلَى الأُخُوَّةِ، وَمِنَ الضَّعفِ إِلَى الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ. فَالهِجرَةُ الحَقِيقِيَّةُ أَن يَهجُرَ العَبدُ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَأَن يَستَقِيمَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَن يَثبُتَ عَلَى عَقِيدَةِ أَهلِ الحَقِّ.
❁ وَمَا أَحوَجَ الأُمَّةَ اليَومَ إِلَى دُرُوسِ الهِجرَةِ، فِي الصَّبرِ وَالوَحدَةِ، وَنُصرَةِ الدِّينِ، وَالتَّعَلُّمِ وَالتَّعلِيمِ، وَالأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللهِ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَاهِلِينَ﴾.
❖ *الأَمرُ بِالهِجرَةِ بَعدَ ثَلَاثَ عَشرَةَ سَنَةً مِنَ الدَّعوَةِ*
❁ بَعدَ ثَلَاثَ عَشرَةَ سَنَةً مِن مَبعَثِ النَّبِيِّ ﷺ، قَضَاهُنَّ فِي الدَّعوَةِ إِلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى فِي مَكَّةَ، جَاءَ أَمرُ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالهِجرَةِ إِلَى يَثرِبَ، فَامتَثَلَ ﷺ أَمرَ رَبِّهِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا طَائِعًا للهِ تَعَالَى.
❁ وَلَم تَكُن هِجرَتُهُ ﷺ خَوفًا مِنَ المُشرِكِينَ وَلَا جُبنًا، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ أَشجَعَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهَا كَانَت طَاعَةً لِأَمرِ اللهِ، وَتَحمُّلًا لِلمَشَاقِّ فِي سَبِيلِهِ، وَانتِقَالًا بِالدَّعوَةِ إِلَى مَرحَلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الثَّبَاتِ وَالنُّصرَةِ وَالتَّمكِينِ.
❁ فَالهِجرَةُ النَّبَوِيَّةُ لَم تَكُن جُبنًا، وَلَا هُرُوبًا، وَلَا تَرَاجُعًا عَن دَعوَةِ الحَقِّ؛ بَل تَنفِيذًا لِأَمرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَطَرِيقًا إِلَى نُصرَةِ الدِّينِ، وَإِعلَاءِ كَلِمَةِ التَّوحِيدِ.
❖ *مِن دُرُوسِ الهِجرَةِ: الأَخذُ بِالأَسبَابِ وَصِدقِ التَّوَكُّلِ عَلَى الله*
❁ وَمِن أَوَّلِ مَا تُعَلِّمُنَا إِيَّاهُ الهِجرَةُ مِن دُرُوسٍ، يَا عِبَادَ اللهِ: الجَمعُ بَينَ الأَخذِ بِالأَسبَابِ وَصِدقِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ خَالِقِ الأَسبَابِ؛ فَقَد أَتقَنَ النَّبِيُّ ﷺ تَخطِيطَهُ لِلرِّحلَةِ أَتَمَّ إِتقَانٍ، فَاختَارَ رَفِيقًا هُوَ أَفضَلُ أَصحَابِهِ، إِنَّهُ الصِّدِّيقُ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَغَيَّرَ الطَّرِيقَ المَعهُودَ لَدَى المُشرِكِينَ، وَاستَأجَرَ دَلِيلًا عَارِفًا بِالطَّرِيقِ، وَتَزَوَّدَ بِزَادِ السَّفَرِ، مُستَذكِرًا قَولَ رَبِّهِ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوَى﴾.
❁ فَهَذَا هُوَ المَنهَجُ النَّبَوِيُّ: أَخذٌ بِالأَسبَابِ مَعَ صِدقِ التَّوَكُّلِ وَحُسنِ الِاعتِمَادِ عَلَى خَالِقِهَا عَزَّ وَجَلَّ؛ فَلَا يَركَنُ المُؤمِنُ إِلَى الأَسبَابِ دُونَ التَّوَكُّلِ، وَلَا يَنشَغِلُ بِهَا مَعَ الغَفلَةِ عَن دُعَاءِ اللهِ سُبحَانَهُ.
❁ عِبَادَ اللهِ، حِينَ اقتَرَبَ المُشرِكُونَ مِن فَمِ الغَارِ، وَضَاقَتِ الأَسبَابُ فِي ظَاهِرِهَا، تَجَلَّتِ الثِّقَةُ بِنَصرِ اللهِ فِي أَعظَمِ صُوَرِهَا؛ فَقَالَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهُوَ يَرَى أَقدَامَ المُشرِكِينَ فَوقَ الغَارِ: «لَو أَنَّ أَحَدَهُم نَظَرَ إِلَى قَدَمِهِ لَأَبصَرَنَا تَحتَ قَدَمَيهِ»، فَجَاءَتِ الكَلِمَةُ الَّتِي أَبقَاهَا القُرآنُ، وَستَبقَى مَبثُوثَةً فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ: ﴿لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾.
❁ وَمَعِيَّةُ اللهِ المَذكُورَةُ فِي القُرآنِ لَيسَت مَعِيَّةً بِالحِسِّ وَالجِهَاتِ، فَقَد تَأتِي بِمَعنَى النُّصرَةِ وَالكِلَاءَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ الزَّبِيدِيُّ وَغَيرُهُ. فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَهَا العُيُونُ، فَكَانَ خَيطُ العَنكَبُوتِ الوَاهِي أَشَدَّ حَصَانَةً مِن دُرُوعِ الحَدِيدِ، وَكَانَت حَمَامَتَانِ وَحشِيَّتَانِ سَبَبًا فِي صَرفِ جَحَافِلِ الشِّركِ، عَلَى كَثرَةِ عَدَدِهَا وَعُدَّتِهَا.
❁ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
❁ فَهَذَا إِعلَامٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يُضَيِّعُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ، وَلَا يَخذُلُهُم إِذَا صَدَقُوا مَعَهُ. فَلَا تَحزَنُوا، يَا أَتبَاعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَهمَا اشتَدَّ الكَربُ، وَتَدَاعَتِ الأُمَمُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَاللهُ قَادِرٌ عَلَى نَصرِهَا، وَهُوَ سُبحَانَهُ نِعمَ المَولَى وَنِعمَ النَّصِيرُ.
❖ *مِن دُرُوسِ الهِجرَةِ: الأَمَانَةُ وَحُسنُ الخُلُقِ*
❁ مِن دُرُوسِ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَّمَنَا الأَمَانَةَ وَحِفظَ الحُقُوقِ، فَقَد استَبقَى ابنَ عَمِّهِ الطَّيِّبَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِيَرُدَّ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهلِهَا، وَلَم يَأخُذهَا مَعَهُ وَلَم يَجعَلهَا مَوضعَ انتِقَامٍ مِنهُم، مَعَ أَنَّهُم تَآمَرُوا عَلَى قَتلِهِ، وَأَرَادُوا إِطفَاءَ دَعوَتِهِ العَلِيَّةِ.
❁ فَقُرَيشٌ، عَلَى كُفرِهَا وَعِنَادِهَا، كَانَت تَعرِفُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ الصَّادِقُ الأَمِينُ، وَكَانَ مَن مَلَكَ مِنهُم شَيئًا ثَمِينًا وَأَرَادَ السَّفَرَ وَضَعَهُ عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِثِقَتِهِم بِأَمَانَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَذَّبُوهُ وَعَانَدُوهُ وَآذَوهُ، فَلَم يُقَابِلهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثلِ فِعلِهِم، وَلَكِنَّهُ قَابَلَ الإِسَاءَةَ بِالأَمَانَةِ، وَالعُدوَانَ بِالوَفَاءِ، وَالغَدرَ بِحُسنِ الخُلُقِ.
❁ وَفِي ذَلِكَ دَرسٌ عَظِيمٌ لِكُلِّ مُسلِمٍ، أَنَّ الأَمَانَةَ لَا تَسقُطُ بِسُوءِ خُلُقِ صَاحِبِهَا، وَلَا تُؤكَلُ أَموَالُ النَّاسِ بِدَعوَى الخُصُومَةِ أَوِ الغَضَبِ، فَالمُؤمِنُ يَثبُتُ عَلَى خُلُقِهِ وَدِينِهِ، وَيُؤَدِّي الحَقَّ إِلَى أَهلِهِ، وَيَقتَدِي فِي ذَلِكَ بِسَيِّدِ الخَلقِ ﷺ.
❖ *مِن دُرُوسِ الهِجرَةِ: إِبطَالُ مَكرِ قُرَيشٍ وَحِفظُ اللهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ*
❁ لَمَّا رَأَت قُرَيشٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد صَارَ لَهُ أَصحَابٌ مِن غَيرِهِم بِغَيرِ بَلَدِهِم، وَرَأَوا خُرُوجَ أَصحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ إِلَى المَدِينَةِ، عَرَفُوا أَنَّهُم قَد نَزَلُوا دَارًا وَأَصَابُوا جِوَارًا وَمَنَعَةً، فَخَافُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَيقَنُوا أَنَّ أَمرَهُ سَيَعظُمُ، فَاجتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدوَةِ، وَهِيَ دَارُ قُصَيِّ بنِ كِلَابٍ الَّتِي كَانَت قُرَيشٌ لَا تَقضِي أَمرًا عَظِيمًا إِلَّا فِيهَا، يَتَشَاوَرُونَ فِيمَا يَصنَعُونَ فِي أَمرِ النَّبِيِّ ﷺ.
❁ فَاعتَرَضَهُم إِبلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ فِي هَيئَةِ شَيخٍ نَجدِيٍّ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدَّارِ، فَلَمَّا رَأَوهُ قَالُوا: مَنِ الشَّيخُ؟ فَقَالَ: شَيخٌ مِن أَهلِ نَجدٍ، سَمِعَ بِالَّذِي اجتَمَعتُم لَهُ، فَحَضَرَ مَعَكُم لِيَسمَعَ مَا تَقُولُونَ، وَعَسَى أَلَّا تَعدَمُوا مِنهُ رَأيًا وَلَا نُصحًا. فَقَالُوا: أَجَل، فَادخُل. فَدَخَلَ مَعَهُم، وَكَانَ حَاضِرًا فِي مَجلِسِ مَكرِهِم وَكيدِهِم.
❁ فَقَالَ قَائِلٌ مِنهُم: احبِسُوهُ فِي الحَدِيدِ، وَأَغلِقُوا عَلَيهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَ غَيرَهُ. فَقَالَ الشَّيخُ النَّجدِيُّ: لَا وَاللهِ، مَا هَذَا لَكُم بِرَأيٍ، فَلَو حَبَستُمُوهُ لَخَرَجَ أَمرُهُ مِن وَرَاءِ البَابِ إِلَى أَصحَابِهِ، فَلَأَوشَكُوا أَن يَثِبُوا عَلَيكُم، فَيَنتَزِعُوهُ مِن أَيدِيكُم.
❁ ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنهُم: نُخرِجُهُ مِن بَينِ أَظهُرِنَا، فَنَنفِيهِ مِن بِلَادِنَا، فَإِذَا خَرَجَ عَنَّا فَلَا نُبَالِي أَينَ ذَهَبَ. فَقَالَ الشَّيخُ النَّجدِيُّ: لَا وَاللهِ، مَا هَذَا لَكُم بِرَأيٍ، أَلَم تَرَوا حُسنَ حَدِيثِهِ، وَحَلَاوَةَ مَنطِقِهِ، وَغَلَبَتَهُ قُلُوبَ الرِّجَالِ بِمَا يَأتِي بِهِ؟ وَاللهِ لَو فَعَلتُم ذَلِكَ مَا أَمِنتُم أَن يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَيَغلِبَ عَلَيهِم بِقَولِهِ وَحَدِيثِهِ، ثُمَّ يَسِيرَ بِهِم إِلَيكُم.
❁ فَقَالَ أَبُو جَهلٍ بنُ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللهُ: وَاللهِ إِنَّ لِي فِيهِ رَأيًا مَا أَرَاكُم وَقَعتُم عَلَيهِ بَعدُ. قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الحَكَمِ؟ قَالَ: أَرَى أَن تَأخُذُوا مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلدًا نَسِيبًا وَسِيطًا، ثُمَّ نُعطِيَ كُلَّ فَتًى مِنهُم سَيفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَعمِدُوا إِلَيهِ بِأَجمَعِهِم، فَيَضرِبُوهُ ضَربَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ فِي القَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَا يَقدِرُ بَنُو عَبدِ مَنَافٍ عَلَى حَربِ قَومِهِم جَمِيعًا. فَقَالَ الشَّيخُ النَّجدِيُّ: القَولُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأيُ لَا أَرَى غَيرَهُ.
❁ فَأَتَى جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا تَبِت هَذِهِ اللَّيلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ الَّذِي كُنتَ تَبِيتُ عَلَيهِ، وَأَخبَرَهُ بِمَكرِ القَومِ، وَبِإِذنِ اللهِ تَعَالَى لَهُ بِالخُرُوجِ. فَلَمَّا كَانَتِ العَتَمَةُ مِنَ اللَّيلِ اجتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ فَيَثِبُونَ عَلَيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «نَم عَلَى فِرَاشِي، وَتَسَجَّ بِبُردِي هَذَا الحَضرَمِيِّ الأَخضَرِ، فَنَم فِيهِ، فَإِنَّهُ لَن يَخلُصَ إِلَيكَ شَيءٌ تَكرَهُهُ مِنهُم».
❁ فَنَامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَفِي ذَلِكَ مَوقِفٌ عَظِيمٌ مِن مَوَاقِفِ الفِدَاءِ وَالصِّدقِ وَالثَّبَاتِ، إِذ بَذَلَ نَفسَهُ دُونَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَاطمَأَنَّ إِلَى وَعدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَثَبَتَ فِي مَوضِعٍ اجتَمَعَت فِيهِ سُيُوفُ الأَعدَاءِ وَنِيَّاتُ الغَدرِ.
❁ ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيهِم، وَأَخَذَ حَفنَةً مِن تُرَابٍ فِي يَدِهِ، وَقَد أَخَذَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَبصَارِهِم عَنهُ فَلَا يَرَونَهُ، فَجَعَلَ يَذرِي ذَلِكَ التُّرَابَ عَلَى رُؤُوسِهِم، وَهُوَ يَتلُو أَوَائِلَ سُورَةِ يس: ﴿يس وَالقُرآنِ الحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ تَنزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَومًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُم فَهُم غَافِلُونَ لَقَد حَقَّ القَولُ عَلَى أَكثَرِهِم فَهُم لَا يُؤمِنُونَ إِنَّا جَعَلنَا فِي أَعنَاقِهِم أَغلَالًا فَهِيَ إِلَى الأَذقَانِ فَهُم مُقمَحُونَ وَجَعَلنَا مِن بَينِ أَيدِيهِم سَدًّا وَمِن خَلفِهِم سَدًّا فَأَغشَينَاهُم فَهُم لَا يُبصِرُونَ﴾.
❁ فَلَم يَبقَ مِنهُم رَجُلٌ إِلَّا وَقَد وَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَأسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ انصَرَفَ إِلَى حَيثُ أَرَادَ اللهُ لَهُ أَن يَذهَبَ. فَلَمَّا أَصبَحُوا وَجَدُوا عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَعَرَفُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد فَاتَهُم، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَد أَبطَلَ مَكرَهُم، وَخَيَّبَ سَعيَهُم، وَحَفِظَ نَبِيَّهُ المُصطَفَى ﷺ مِن كَيدِهِم.
❁ وَفِي ذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذ يَمكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثبِتُوكَ أَو يَقتُلُوكَ أَو يُخرِجُوكَ وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيرُ المَاكِرِينَ﴾. فَأَمَّا المَكرُ مِنَ الخَلقِ فَهُوَ خُبثٌ وَخِدَاعٌ لِإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الغَيرِ بِاستِعمَالِ حِيلَةٍ، وَأَمَّا مَا يُضَافُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَلَيسَ بِهَذَا المَعنَى، فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الخُبثِ وَالحِيلَةِ، وَإِنَّمَا مَعنَاهُ مُجَازَاةُ الكَافِرِينَ بِالعُقُوبَةِ مِن حَيثُ لَا يَدرُونَ. وَقَد قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «وَالمَكرُ مِنَ اللهِ هُوَ جَزَاؤُهُم بِالعَذَابِ عَلَى مَكرِهِم مِن حَيثُ لَا يَشعُرُونَ».
❁ وَمِن دُرُوسِ هَذَا المَشهَدِ أَنَّ البَاطِلَ مَهمَا اجتَمَعَ وَدَبَّرَ وَمَكَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَخرُجُ عَن قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ اللهَ يَحفَظُ دِينَهُ وَنَبِيَّهُ وَأَولِيَاءَهُ، وَيُبطِلُ كَيدَ الكَافِرِينَ مِن حَيثُ لَا يَشعُرُونَ. وَفِيهِ أَيضًا أَنَّ المُؤمِنَ يَثبُتُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَيَأخُذُ بِالأَسبَابِ المَشرُوعَةِ، وَيُحسِنُ التَّوَكُّلَ عَلَى رَبِّهِ، فَمَن كَانَ اللهُ حَافِظَهُ فَلَا يَضُرُّهُ مَكرُ المَاكِرِينَ.
❖ *الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَفِيقُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الهِجرَةِ*
❁ لَمَّا وَجَدَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِخوَانَهُ المُسلِمِينَ قَد تَتَابَعُوا مُهَاجِرِينَ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، جَاءَ هُوَ أَيضًا يَستَأذِنُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الهِجرَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى رِسلِكَ، فَإِنِّي أَرجُو أَن يُؤذَنَ لِي». فَقَالَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: وَهَل تَرجُو ذَلِكَ؟ بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي. فَقَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «نَعَم».
❁ فَحَبَسَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ نَفسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَهَيَّأَ لِصُحبَةِ حَبِيبِهِ المُصطَفَى ﷺ فِي هَذِهِ الهِجرَةِ المُبَارَكَةِ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى عَظِيمِ مَحَبَّتِهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِخِدمَتِهِ وَنُصرَتِهِ، وَحِرصِهِ عَلَى أَن يَكُونَ مَعَهُ فِي أَخَصِّ مَوَاطِنِ الصَّبرِ وَالثَّبَاتِ وَالتَّوكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
❁ فَكَانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَفِيقَ الغَارِ، وَصَاحِبَ الهِجرَةِ، وَمَن شَرَّفَهُ اللهُ بِالصُّحبَةِ الخَاصَّةِ فِي تِلكَ الرِّحلَةِ العَظِيمَةِ، حَتَّى أَنزَلَ اللهُ فِي شَأنِ هَذَا المَوقِفِ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾.
❖ *الصِّدِّيقُ يَبكِي فَرَحًا بِصُحبَةِ النَّبِيِّ ﷺ*
❁ كَانَ سَيِّدُنَا أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَثِيرَ الحُبِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ، شَدِيدَ التَّعَلُّقِ بِهِ، وَكَانَت لَهُ مَوَاقِفُ كَثِيرَةٌ مَشهُودَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدقِ مَحَبَّتِهِ، وَعَظِيمِ مَوَدَّتِهِ، وَكَمَالِ وَفَائِهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
❁ وَمِن ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَبلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَد أُذِنَ لَهُ فِي الخُرُوجِ، أَيِ الهِجرَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، قَالَ أَبُو بَكرٍ: الصُّحبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَم». فَبَكَى أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سُرُورًا؛ لِأَنَّهُ سَيَصحَبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هِجرَتِهِ المُبَارَكَةِ.
❁ وَقَالَت أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا: «فَرَأَيتُ أَبَا بَكرٍ يَبكِي، وَمَا كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ أَحَدًا يَبكِي مِنَ الفَرَحِ حَتَّى رَأَيتُ أَبَا بَكرٍ». فَكَانَت دُمُوعُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ دُمُوعَ مَحَبَّةٍ وَشَوقٍ وَفَرَحٍ بِصُحبَةِ أَحَبِّ الخَلقِ إِلَيهِ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ مَنزِلَتِهِ، وَصِدقِ قَلبِهِ، وَعَظِيمِ حُبِّهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
❖ *مَحَبَّةُ أَبِي بَكرٍ وَحِرصُهُ عَلَى سَلَامَةِ النَّبِيِّ ﷺ*
❁ وَمِن مَشَاهِدِ المَحَبَّةِ وَالفِدَاءِ فِي الهِجرَةِ مَا كَانَ مِن حَالِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمَّا خَرَجَ هُوَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الغَارِ؛ فَقَد كَانَ يَمشِي مَرَّةً أَمَامَ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَرَّةً خَلفَهُ، وَمَرَّةً عَن يَمِينِهِ، وَمَرَّةً عَن شِمَالِهِ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَذكُرُ الرَّصَدَ فَأَكُونُ أَمَامَكَ، وَأَذكُرُ الطَّلَبَ فَأَكُونُ خَلفَكَ، وَمَرَّةً عَن يَمِينِكَ، وَمَرَّةً عَن يَسَارِكَ؛ لِآمَنَ عَلَيكَ.
❁ فَلَمَّا انتَهَيَا إِلَى فَمِ الغَارِ، قَالَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَا تَدخُلُهُ حَتَّى أَدخُلَهُ قَبلَكَ، فَإِن كَانَ فِيهِ شَيءٌ نَزَلَ بِي قَبلَكَ. فَدَخَلَهُ، وَجَعَلَ يَلتَمِسُ بِيَدِهِ مَوَاضِعَ الجُحُورِ، فَكُلَّمَا وَجَدَ جُحرًا قَامَ إِلَى ثَوبِهِ فَشَقَّهُ، ثُمَّ أَلقَمَهُ الجُحرَ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَوبِهِ كُلِّهِ، وَبَقِيَ جُحرٌ فَوَضَعَ عَقِبَيهِ عَلَيهِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
❁ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِن كَانَت لَدغَةٌ أَو لَسعَةٌ، فَلتَكُن بِي دُونَكَ». وَرُوِيَ أَنَّهُ أُصِيبَ فِي إِصبَعِهِ، فَجَعَلَ يَمسَحُ الدَّمَ عَن إِصبَعِهِ وَيَقُولُ:
هَل أَنتِ إِلَّا إِصبَعٌ دَمِيتِ ~ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ
❁ فَفِي هَذَا المَوقِفِ الجَلِيلِ تَظهَرُ عَظَمَةُ مَحَبَّةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَشِدَّةُ فِدَائِهِ لَهُ، وَحِرصُهُ عَلَى سَلَامَتِهِ، حَتَّى كَانَ يَتَمَنَّى أَن يَنزِلَ الأَذَى بِهِ وَلَا يَصِلَ إِلَى حَبِيبِهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَهَذَا مِن أَعظَمِ دُرُوسِ الهِجرَةِ فِي صِدقِ المَحَبَّةِ وَالوَفَاءِ وَالبَذلِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى.
❖ *فِدَاءُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الغَارِ*
❁ وَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «لَمَّا كَانَ لَيلَةُ الغَارِ، قَالَ أَبُو بَكرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعنِي أَدخُل قَبلَكَ، فَإِن كَانَت حَيَّةٌ أَو شَيءٌ كَانَت لِي قَبلَكَ. قَالَ: ادخُل. فَدَخَلَ أَبُو بَكرٍ، فَجَعَلَ يَلتَمِسُ بِيَدَيهِ، فَكُلَّمَا رَأَى جُحرًا أَخَذَ بِثَوبِهِ فَشَقَّهُ، ثُمَّ أَلقَمَهُ الجُحرَ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَوبِهِ أَجمَعَ. قَالَ: فَبَقِيَ جُحرٌ فَوَضَعَ عَقِبَهُ عَلَيهِ، ثُمَّ أَدخَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ. فَلَمَّا أَصبَحَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: فَأَينَ ثَوبُكَ يَا أَبَا بَكرٍ؟ فَأَخبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجعَل أَبَا بَكرٍ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَومَ القِيَامَةِ. فَأَوحَى اللهُ إِلَيهِ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدِ استَجَابَ لَكَ». أَخرَجَهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي «الحِليَةِ».
❁ وَقَدِ اختَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَبِيبَهُ أَبَا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِيُرَافِقَهُ فِي الهِجرَةِ، فَدَخَلَا إِلَى الغَارِ، وَفِيهِ ثُقُوبٌ، فَجَعَلَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَسُدُّ الثُّقُوبَ بِثَوبِهِ، وَبَقِيَ ثُقبٌ فَسَدَّهُ بِرِجلِهِ؛ لِيَحمِيَ حَبِيبَهُ وَقُرَّةَ عَينِهِ مُحَمَّدًا ﷺ.
❁ وَرُوِيَ أَنَّهُ لُدِغَ فِي رِجلِهِ، فَمَا حَرَّكَهَا وَمَا أَزَاحَهَا؛ حِرصًا عَلَى رَاحَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَلَامَتِهِ، فَلَمَّا اشتَدَّ عَلَيهِ الأَلَمُ بَكَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَنَزَلَت دَمعَتُهُ وَأَيقَظَت رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَمَسَحَ لَهُ بِرِيقِهِ الطَّاهِرِ، فَشُفِيَ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى.
❁ وَفِي هَذَا المَشهَدِ تَتَجَلَّى مَحَبَّةُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَصِدقُ فِدَائِهِ، وَكَمَالُ وَفَائِهِ، فَقَد قَدَّمَ نَفسَهُ لِلأَذَى، وَفَضَّلَ أَن تَكُونَ اللَّسعَةُ وَاللَّدغَةُ فِيهِ وَلَا تَصِلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَانَ ذَلِكَ دَرسًا عَظِيمًا فِي الحُبِّ وَالوَفَاءِ وَالبَذلِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى.
❁ وَقَد قِيلَ فِي هَذَا المَعنى:
هَادِينَا وَالصِّدِّيقُ مَعًا ~ فِي الغَارِ ثُقُوبًا وَجَدَا
وَأَبُو بَكرٍ فِيهَا وَضَعَ ~ ثَوبًا مَزَّقَهُ إِذ وَرَدَا
وَيَسُدُّ البَاقِيَ مِن خَوفٍ ~ بِالرِّجلِ لِكَي يَحمِيَ طَهَا
لَدَغَتهُ الأَفعَى مِن جَوفٍ ~ مَا حَرَّكَهَا وَمَا زَاحَا
فَبَكَى مِن أَلَمٍ أَتعَبَهُ ~ وَالدَّمعَةُ أَيقَظَتِ المَحبُوبَا
بِالرِّيقِ الطَّاهِرِ طَيَّبَهُ ~ وَاستَرَاحَ مِنَ الأَلَمِ المَكروبَا
❖ *فِي غَارِ ثَورٍ: حِفظُ اللهِ لِحَبِيبِهِ ﷺ*
❁ وَصَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى غَارِ ثَورٍ، فَدَخَلَاهُ مُتَوَكِّلَينِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَقَد لَحِقَ بِهِمَا طَلَبُ المُشرِكِينَ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى حَفِظَ حَبِيبَهُ المُصطَفَى ﷺ وَصَاحِبَهُ، وَصَرَفَ عَنهُمَا كَيدَ أَعدَائِهِمَا.
❁ فَحَمَى اللهُ تَعَالَى حَبِيبَهُ ﷺ بِخَيطِ العَنكَبُوتِ، وَهُوَ مِن أَوهَنِ البُيُوتِ، وَجَاءَت حَمَامَةٌ فَبَاضَت عَلَى فَمِ الغَارِ، فَأَعمَى اللهُ تَعَالَى أَبصَارَ المُشرِكِينَ عَن رُؤيَةِ المُصطَفَى ﷺ، وَرَدَّهُم خَائِبِينَ، لِيَعلَمَ المُؤمِنُ أَنَّ الحِفظَ حِفظُ اللهِ، وَأَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ، وَأَنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ أَن يَحفَظَ عَبدًا حَفِظَهُ بِمَا شَاءَ، وَلَو بِأَضعَفِ الأَسبَابِ فِي نَظَرِ النَّاسِ.
❁ وَفِي هَذَا المَوقِفِ الجَلِيلِ دَرسٌ عَظِيمٌ فِي صِدقِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَالثِّقَةِ بِوَعدِهِ، وَحُسنِ الظَّنِّ بِهِ، فَكَم مِن أَمرٍ يَرَاهُ النَّاسُ ضَعِيفًا، وَيَجعَلُهُ اللهُ سَبَبًا لِلنَّجَاةِ، وَكَم مِن كَيدٍ أَحكَمَهُ أَهلُ البَاطِلِ، فَأَبطَلَهُ اللهُ بِلُطفِهِ وَقُدرَتِهِ.
❖ *حِينَ يَحفَظُ اللهُ حَبِيبَهُ ﷺ: خُيُوطُ العَنكَبُوتِ أَقوَى مِن سُيُوفِ قُرَيشٍ*
❁ وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا لَجَأَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى الغَارِ، أَظهَرَ اللهُ تَعَالَى مِن ءَايَاتِ حِفظِهِ وَلَطَائِفِ نُصرَتِهِ مَا تَطمَئِنُّ بِهِ قُلُوبُ المُؤمِنِينَ؛ فَأَمَرَ شَجَرَةً فَسَتَرَت حَبِيبَهُ ﷺ، وَبَعَثَ العَنكَبُوتَ فَنَسَجَت عَلَى فَمِ الغَارِ، وَأَمَرَ حَمَامَتَينِ وَحشِيَّتَينِ فَوَقَفَتَا عَلَى بَابِهِ، فَكَانَت هَذِهِ الأَسبَابُ الضَّعِيفَةُ فِي أَعيُنِ النَّاسِ جُندًا مِن جُنُودِ اللهِ، يَدفَعُ بِهَا عَن نَبِيِّهِ ﷺ كَيدَ الكَافِرِينَ.
❁ وَأَقبَلَ فِتيَانُ قُرَيشٍ مِن كُلِّ بَطنٍ، تَسُوقُهُم أَحقَادُهُم، وَتَحمِلُهُم أَطمَاعُهُم، وَمَعَهُم عِصِيُّهُم وَسُيُوفُهُم، حَتَّى وَقَفُوا عَلَى مَقرُبَةٍ مِنَ الغَارِ، وَلَكِنَّ الحِفظَ كَانَ حِفظَ اللهِ، وَالسِّترَ كَانَ سِترَ اللهِ، فَنَظَرَ بَعضُهُم فِي الغَارِ، فَلَم يَرَ إِلَّا حَمَامَتَينِ وَحشِيَّتَينِ عَلَى فَمِهِ، فَرَجَعَ خَائِبًا إِلَى أَصحَابِهِ، وَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَد دَرَأَ عَنهُ وَعَن صَاحِبِهِ بِهِمَا.
❁ إِنَّهُ مَشهَدٌ مِن أَعظَمِ مَشَاهِدِ اليَقِينِ؛ فَقُرَيشٌ بِسُيُوفِهَا وَرِمَاحِهَا وَرِجَالِهَا وَمَكرِهَا، وَالغَارُ الضَّيِّقُ، وَالصَّاحِبَانِ الكَرِيمَانِ، وَأَمَامَ البَابِ خُيُوطُ عَنكَبُوتٍ وَحَمَامَتَانِ؛ ثُمَّ تَكُونُ تِلكَ الخُيُوطُ أَقوَى مِن سُيُوفِهِم، وَتَكُونُ تِلكَ الحَمَامَتَانِ أَثبَتَ مِن كُلِّ حِيلِهِم، لِيَعلَمَ المُؤمِنُ أَنَّ مَن تَوَلَّاهُ اللهُ فَلَا خَوفٌ عَلَيهِ، وَمَن حَفِظَهُ اللهُ فَلَا يَصِلُ إِلَيهِ كَيدُ الكَائِدِينَ.
❁ وَقَد صَدَقَ مَن قَالَ:
أَيُّهَا المُدَّعِي الفَخَارَ دَعِ الفَخـ ~ ـرَ لِذِي الكِبرِيَاءِ وَالجَبَرُوتِ
نِسجُ دَاوُودَ لَم يَفِد صَاحِبَ الغَا ~ رِ وَكَانَ الفَخَارُ لِلعَنكَبُوتِ
❁ فَالهِجرَةُ تُعَلِّمُنَا أَنَّ النَّصرَ لَيسَ بِكَثرَةِ العَدَدِ وَلَا بِقُوَّةِ العُدَّةِ، وَإِنَّمَا النَّصرُ مِن عِندِ اللهِ تَعَالَى، يُؤَيِّدُ بِهِ مَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ، وَيَحفَظُ بِهِ أَولِيَاءَهُ وَأَصفِيَاءَهُ. فَمَن كَانَ اللهُ مَعَهُ بِالحِفظِ وَالنَّصرِ كَانَ عَزِيزًا وَلَو قَلَّ نَاصِرُهُ، مَنصُورًا وَلَو كَثُرَ عَدُوُّهُ، مَحفُوظًا وَلَو أَحَاطَت بِهِ أَسبَابُ الهَلَكَةِ؛ فَسُبحَانَ مَن جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى، وَكَلمَةَ اللهِ هِيَ العُليَا.
❖ *بَرَكَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الهِجرَةِ*
❁ وَمِن مَشَاهِدِ بَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الهِجرَةِ أَنَّهُ مَرَّ فِي أَثنَاءِ رِحلَتِهِ المُبَارَكَةِ مَعَ صَاحِبِهِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى خَيمَةِ أُمِّ مَعبَدٍ، وَاسمُهَا عَاتِكَةُ بِنتُ خَالِدٍ الخُزَاعِيَّةُ، وَكَانَت عَلَى طَرِيقِهِمَا، تَجلِسُ بِفِنَاءِ خَيمَتِهَا، تَسقِي المَارَّةَ مِنَ المَاءِ وَاللَّبَنِ، وَتُكرِمُ الضَّيفَ بِمَا تَيَسَّرَ لَهَا.
❁ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى شَاةٍ عِندَهَا، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» فَقَالَت: شَاةٌ أَضَرَّ الجَهدُ بِهَا، وَلَيسَ بِهَا قُوَّةٌ تَلحَقُ بِالغَنَمِ فَتَرعَى مَعَهَا. فَقَالَ ﷺ: «هَل بِهَا مِن لَبَنٍ؟» فَقَالَت: هِيَ أَجهَدُ مِن ذَلِكَ. فَمَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ ظَهرَهَا وَضَرعَهَا، وَسَمَّى اللهَ تَعَالَى وَدَعَا، فَدَرَّت بِبَرَكَتِهِ ﷺ لَبَنًا كَثِيرًا، فَحَلَبَ مِنهَا مَا كَفَاهُم وَأَروَاهُم، وَحَلَبَ بَعدَ ذَلِكَ إِنَاءً ءَاخَرَ، فَتَرَكَهُ عِندَهَا مَملُوءًا.
❁ ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طَرِيقِهِ بَعدَ أَن ظَهَرَت لِأُمِّ مَعبَدٍ بَرَكَتُهُ، وَبَايَعَهَا عَلَى الإِسلَامِ، وَاستَمَرَّت أَثَرُ تِلكَ البَرَكَةِ فِي شَاتِهَا، حَتَّى كَانَت مِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضلِهِ وَعُلُوِّ مَرتَبَتِهِ ﷺ.
❁ وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ دَرسٌ عَظِيمٌ فِي أَنَّ بَرَكَةَ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَكرَمَ حَبِيبَهُ المُصطَفَى ﷺ بِالمُعجِزَاتِ وَالخَوارِقِ، فَالشَّاةُ الضَّعِيفَةُ الَّتِي لَا يُرجَى لَبَنُهَا دَرَّت بِبَرَكَةِ مَسحِهِ وَدُعَائِهِ ﷺ، لِيَزدَادَ المُؤمِنُونَ مَحَبَّةً لَهُ، وَتَعظِيمًا لِقَدرِهِ، وَيَقِينًا بِصِدقِ نُبُوَّتِهِ.
❖ *حَرَارَةُ اللِّقَاءِ فِي طَيبَةَ*
❁ هُنَاكَ فِي طَيبَةَ، كَانَ المُؤمِنُونَ مِن مُهَاجِرِينَ وَأَنصَارٍ يَنتَظِرُونَ بِلَهَفٍ وَشَوقٍ وُصُولَ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ، وَيَتَوَافَدُونَ إِلَى مَشَارِفِ المَدِينَةِ مِن نَاحِيَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ، يَرقُبُونَ قُدُومَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَبَعضُهُم يَتَسَلَّقُ الأَشجَارَ، وَيَنظُرُ إِلَى بُعدٍ، لَعَلَّهُ يَرَى أَثَرًا أَو يَلمَحُ بُشرَى القُدُومِ.
❁ وَبَينَمَا هُم عَلَى هَذِهِ الحَالِ مِنَ الانتِظَارِ وَالشَّوقِ، إِذَا بِرَجُلٍ يُنَادِي بِأَعلَى صَوتِهِ: هَا قَد جَاءَ مَن تَنتَظِرُونَ يَا أَهلَ المَدِينَةِ. فَتَكِرُّ الجُمُوعُ عَائِدَةً لِاستِقبَالِ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ، وَالحُبُّ يَسبِقُهَا، وَالبِشرُ يَملَأُ وُجُوهَهَا، وَلِسَانُ حَالِهَا يَقُولُ:
طَلَعَ البَدرُ عَلَينَا ~ مِن ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ
❖ *المُؤَاخَاةُ بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ*
❁ استَبشَرَ المُسلِمُونَ بِقُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَصَلَ إِلَى يَثرِبَ، الَّتِي سَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ المُنَوَّرَةَ، فَأَشرَقَت بِقُدُومِهِ، وَفَرِحَ أَهلُهَا بِحُلُولِهِ فَرَحًا عَظِيمًا.
❁ وَءَاخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَينَ أَهلِهَا وَالمُهَاجِرِينَ، وَسَمَّى أَهلَهَا الأَنصَارَ؛ لِأَنَّهُم نَصَرُوا دِينَ اللهِ تَعَالَى، وَءَاوَوا إِخوَانَهُمُ المُهَاجِرِينَ، وَبَذَلُوا لَهُم مِنَ النَّفسِ وَالمَالِ وَالمَأوَى مَا تَظهَرُ بِهِ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَصِدقُ الأُخُوَّةِ.
❁ وَبِقُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَا أَقَامَهُ مِن أُخُوَّةٍ إِيمَانِيَّةٍ، انطَفَأَت فِتنَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَت بَينَ قَبِيلَتَيِ الأَوسِ وَالخَزرَجِ بِيَثرِبَ بَعدَ أَن دَامَت سَنَوَاتٍ، فَصَارَ المُسلِمُونَ عَلَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا يُفَرِّقُ بَينَهُم طَمَعٌ وَلَا دُنيَا، وَلَا يُبَاعِدُ بَينَهُم حَسَدٌ وَلَا ضَغِينَةٌ، حَتَّى غَدَوا كَالبُنيَانِ المَرصُوصِ، يَشُدُّ بَعضُهُم بَعضًا.
❖ *مِن دُرُوسِ الهِجرَةِ: صِدقُ البَذلِ وَعِظَمُ التَّضحِيَةِ*
❁ مِن دُرُوسِ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ نُصرَةَ الدِّينِ تَحتَاجُ إِلَى صَبرٍ وَثَبَاتٍ وَبَذلٍ، فَقَد تَرَكَ المُهَاجِرُونَ دِيَارَهُم وَمَسَاكِنَهُمُ الَّتِي نَشَؤُوا فِيهَا، وَفَارَقُوا أَموَالَهُم وَأَهلِيهِم وَمَا أَلِفُوهُ مِن أَوطَانِهِم، ابتِغَاءَ مَرضَاةِ اللهِ تَعَالَى، وَنُصرَةً لِدِينِهِ، وَطَاعَةً لِرَسُولِهِ ﷺ.
❁ وَلِذَلِكَ سُمُّوا مُهَاجِرِينَ؛ لِأَنَّهُم هَجَرُوا أَوطَانَهُم للهِ، وَلَحِقُوا بِدَارٍ لَيسَ لَهُم بِهَا أَهلٌ وَلَا مَالٌ، حِينَ هَاجَرُوا إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، فَكَانَت هِجرَتُهُم بُرهَانًا عَلَى صِدقِ إِيمَانِهِم، وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّ رِضَا اللهِ عِندَهُم أَعظَمُ مِنَ الدُّورِ وَالأَموَالِ وَالأَوطَانِ.
❁ فَنَصَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَرَفَعَ ذِكرَهُم، وَجَعَلَهُم قُدوَةً لِمَن بَعدَهُم فِي البَذلِ وَالتَّضحِيَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ، لِيَعلَمَ المُؤمِنُ أَنَّ مَن تَرَكَ شَيئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا، وَأَنَّ نُصرَةَ الدِّينِ لَا تَتِمُّ بِالأَمَانِيِّ، بَل بِصِدقِ العَزمِ، وَحُسنِ التَّوكُّلِ، وَبَذلِ النَّفسِ وَالنَّفِيسِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى.
❖ *الأَنصَارُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم: مَدرَسَةُ الإِيثَارِ فِي ذِكرَى الهِجرَةِ*
❁ لَقَد كَانَ مِنَ المُهَاجِرِينَ مَن تَرَكَ الدَّارَ وَالمَالَ وَالأَهلَ وَالوَلَدَ وَالمَتَاعَ، ابتِغَاءَ مَرضَاةِ اللهِ تَعَالَى، وَنُصرَةً لِدِينِهِ، وَطَاعَةً لِرَسُولِهِ ﷺ، فَفَازُوا بِشَرَفِ الهِجرَةِ وَالسَّبقِ وَالفِدَاءِ.
❁ وَأَمَّا الأَنصَارُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم، فَقَد استَقبَلُوا إِخوَانَهُمُ المُهَاجِرِينَ بِقُلُوبٍ مُؤمِنَةٍ، وَنُفُوسٍ كَرِيمَةٍ، وَمَدُّوا لَهُم يَدَ المُسَاعَدَةِ وَالعَونِ، وَبَذَلُوا لَهُم مِن أَموَالِهِم وَدِيَارِهِم وَمَتَاعِهِم، حَتَّى كَانَ الأَنصَارِيُّ يُقَاسِمُ أَخَاهُ المُهَاجِرَ مَالَهُ وَمَتَاعَهُ، مُؤثِرًا لَهُ عَلَى نَفسِهِ، وَرَاجِيًا بِذَلِكَ رِضَا اللهِ تَعَالَى.
❁ وَفِي صَنِيعِهِم هَذَا ظَهَرَت حَقِيقَةُ الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ، وَتَجَلَّت مَعَانِي الإِيثَارِ وَالنُّصرَةِ وَالمَحَبَّةِ فِي اللهِ، حَتَّى صَارُوا مَثَلًا عَظِيمًا فِي البَذلِ وَالوَفَاءِ، وَقَد أَثنَى اللهُ تَعَالَى عَلَيهِم بِقَولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبلِهِم يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ﴾.
❁ فَجَزَى اللهُ الأَنصَارَ عَنِ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزَاءِ، وَرَضِيَ عَنِ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ أَجمَعِينَ، فَقَد كَانُوا بُنَاةَ المَجدِ الإِسلَامِيِّ الأَوَّلِ، وَحَمَلَةَ لِوَاءِ الدَّعوَةِ، وَصَفحَةً مُشرِقَةً فِي تَارِيخِ الأُمَّةِ.
❖ *الأُخُوَّةُ بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ*
❁ عِندَمَا نَتَكَلَّمُ عَنِ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، نَتَذَكَّرُ أُخُوَّةً صَادِقَةً جَمَعَت بَينَ كُلِّ مُهَاجِرٍ وَأَنصَارِيٍّ، أُخُوَّةً أَعلَنَت لِلبَشَرِيَّةِ انتِصَارَ الأُخُوَّةِ فِي اللهِ عَلَى العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ، وَانتِصَارَ كَلِمَةِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» عَلَى شِعَارِ الجَاهِلِيَّةِ وَالوَثَنِيَّةِ.
❁ وَفِي هَذِهِ الأُخُوَّةِ ظَهَرَ انتِصَارُ الإِيمَانِ بِاللهِ الوَاحِدِ عَلَى العَقَائِدِ الوَثَنِيَّةِ، وَانتِصَارُ الخَيرِ عَلَى الشَّرِّ، وَالفَضِيلَةِ عَلَى الرَّذِيلَةِ، بِبَرَكَةِ النُّورِ المُنتَشِرِ مِن هَديِ النَّبِيِّ الرَّسُولِ المُهَاجِرِ، الصَّادِقِ الأَمِينِ الصَّابِرِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللهِ، تَاجِ رُسُلِ اللهِ ﷺ.
❁ فَقَد ءَاخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، فَصَارُوا بِالإِيمَانِ إِخوَةً، وَبِالمَحَبَّةِ أُسرَةً وَاحِدَةً، وَبِالنُّصرَةِ بُنيَانًا مَرصُوصًا يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا، لَا تَفرِيقَ بَينَهُم بِحَسَبٍ وَلَا نَسَبٍ وَلَا مَالٍ وَلَا قَبِيلَةٍ، إِنَّمَا جَمَعَهُم دِينُ اللهِ، وَوَحَّدَت قُلُوبَهُم كَلِمَةُ التَّوحِيدِ.
❁ فَتَأَمَّل، يَا أَيُّهَا المُؤمِنُ، حَالَ الأَنصَارِ، وَقَد كَانُوا يُؤثِرُونَ إِخوَانَهُم عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ. وَاسأَل نَفسَكَ: هَل نَحنُ اليَومَ أُمَّةُ الأُخُوَّةِ الصَّادِقَةِ؟ وَهَل يَشعُرُ أَحَدُنَا بِأَخِيهِ المُسلِمِ المُستَضعَفِ شُعُورَ الجَسَدِ الوَاحِدِ، كَمَا أَوصَى بِذَلِكَ نَبِيُّنَا ﷺ؟ هَذَا هُوَ المِيزَانُ الَّذِي يَنبَغِي أَن نَضَعَهُ بَينَ أَعيُنِنَا.
❁ وَهَكَذَا عَلَّمَتنَا الهِجرَةُ أَنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ فِي صِدقِ الإِيمَانِ، وَأَنَّ الأُمَّةَ إِذَا اجتَمَعَت عَلَى الحَقِّ، وَتَآخَت فِي اللهِ، وَتَعَاوَنَت عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى، صَارَت أَقوَى مِن كُلِّ عَصَبِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ، وَأَثبَتَ مِن كُلِّ بَاطِلٍ زَائِلٍ.
❖ *مِن دُرُوسِ الهِجرَةِ وَعِبَرِهَا: هِجرَةُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ*
❁ رَوَى ابنُ الأَثِيرِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ إِسلَامُ عُمَرَ فَتحًا، وَكَانَت هِجرَتُهُ نَصرًا، وَكَانَت إِمَارَتُهُ رَحمَةً، وَلَقَد رَأَيتُنَا وَمَا نَستَطِيعُ أَن نُصَلِّيَ فِي البَيتِ حَتَّى أَسلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسلَمَ عُمَرُ قَاتَلَهُم حَتَّى تَرَكُونَا فَصَلَّينَا».
❁ وَرَوَى ابنُ الأَثِيرِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ العَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَا عَلِمتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ المُهَاجِرِينَ هَاجَرَ إِلَّا مُختَفِيًا، إِلَّا عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَإِنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِالهِجرَةِ تَقَلَّدَ سَيفَهُ، وَتَنَكَّبَ قَوسَهُ، وَانتَضَى فِي يَدِهِ أَسهُمًا، وَاختَصَرَ عَنزَتَهُ، وَمَضَى قِبَلَ الكَعبَةِ، وَالمَلَأُ مِن قُرَيشٍ بِفِنَائِهَا، فَطَافَ بِالبَيتِ سَبعًا مُتَمَكِّنًا، ثُمَّ أَتَى المَقَامَ فَصَلَّى مُتَمَكِّنًا، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى الحِلَقِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ لَهُم: شَاهَتِ الوُجُوهُ، لَا يُرغِمُ اللهُ إِلَّا هَذِهِ المَعَاطِسَ، مَن أَرَادَ أَن تَثكُلَهُ أُمُّهُ، وَيُوتِمَ وَلَدَهُ، وَيُرمِلَ زَوجَتَهُ، فَليَلقَنِي وَرَاءَ هَذَا الوَادِي. قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا تَبِعَهُ أَحَدٌ إِلَّا قَومٌ مِنَ المُستَضعَفِينَ عَلَّمَهُم وَأَرشَدَهُم، وَمَضَى لِوَجهِهِ».
❁ وَفِي هِجرَةِ الفَارُوقِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ دُرُوسٌ عَظِيمَةٌ، مِن أَجلِّهَا القُوَّةُ فِي الحَقِّ، وَالثَّبَاتُ عَلَيهِ، وَالجَهرُ بِهِ، وَأَلَّا يَخَافَ قَائِلُ الحَقِّ فِي اللهِ لَومَةَ لَائِمٍ، وَالدِّفَاعُ عَنِ المُستَضعَفِينَ، وَإِظهَارُ عِزَّةِ المُسلِمِ وَعَدَمُ الذُّلِّ لِلكَافِرِينَ.
❁ وَفِيهَا أَيضًا أَنَّ مَن فَتَحَ اللهُ قَلبَهُ لِلإِيمَانِ، وَجَعَلَهُ مِن أَولِيَائِهِ وَأَهلِ طَاعَتِهِ، تَغَيَّرَ حَالُهُ، وَانتَقَلَ مِن ظُلمَةِ الجَاهِلِيَّةِ إِلَى نُورِ الهِدَايَةِ، فَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ قَبلَ الإِسلَامِ يُعَادِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالمُسلِمِينَ، ثُمَّ لَمَّا فَتَحَ اللهُ قَلبَهُ بِنُورِ الهِدَايَةِ صَارَ الفَارُوقَ عُمَرَ، أَفضَلَ وَلِيٍّ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ بَعدَ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.
❁ فَرَضِيَ اللهُ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَجَزَاهُ عَنِ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزَاءِ، فَقَد كَانَت هِجرَتُهُ نَصرًا، وَحَيَاتُهُ بَذلًا، وَإِمَارَتُهُ رَحمَةً، وَسِيرَتُهُ مَدرَسَةً فِي العَدلِ وَالعِزَّةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى.
❖ *مِن دُرُوسِ الهِجرَةِ وَعِبَرِهَا: مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ*
❁ مِنَ الصَّفَحَاتِ المُشرِقَةِ فِي ذِكرَى الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ ذِكرُ سَيِّدِنَا مُصعَبِ بنِ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ الَّذِي كَانَ مِن فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَخِيَارِهِم، وَمِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الإِسلَامِ، أَعلَنَ إِسلَامَهُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي دَارِ الأَرقَمِ، وَكَتَمَ إِسلَامَهُ أَوَّلَ أَمرِهِ خَوفًا مِن أُمِّهِ وَقَومِهِ، وَكَانَ يَختَلِفُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سِرًّا، حَتَّى بَصُرَ بِهِ عُثمَانُ بنُ طَلحَةَ العَبدَرِيُّ يُصَلِّي، فَأَعلَمَ أَهلَهُ وَأُمَّهُ، فَأَخَذُوهُ وَحَبَسُوهُ، فَلَم يَزَل مَحبُوسًا إِلَى أَن هَاجَرَ إِلَى أَرضِ الحَبَشَةِ فِي الهِجرَةِ الأُولَى، ثُمَّ عَادَ مِنَ الحَبَشَةِ إِلَى مَكَّةَ.
❁ وَكَانَ مُصعَبٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَتَى مَكَّةَ شَبَابًا وَجَمَالًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ يُحِبَّانِهِ حُبًّا شَدِيدًا، وَكَانَت أُمُّهُ كَثِيرَةَ المَالِ، تُكسِيهِ أَحسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الثِّيَابِ وَأَرَقَّهَا، وَكَانَ أَعطَرَ أَهلِ مَكَّةَ، يَلبَسُ الحَضرَمِيَّ مِنَ النِّعَالِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذكُرُهُ وَيَقُولُ: «مَا رَأَيتُ بِمَكَّةَ أَحَدًا لِمَّةً وَلَا أَرَقَّ حُلَّةً وَلَا أَنعَمَ نِعمَةً مِن مُصعَبِ بنِ عُمَيرٍ».
❁ وَلَكِنَّ الإِيمَانَ إِذَا خَالَطَت بَشَاشَتُهُ القُلوبَ غَيَّرَ مَقَايِيسَ الحَيَاةِ، وَجَعَلَ رِضَا اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ أَعظَمَ مِن كُلِّ زِينَةٍ وَمَتَاعٍ، فَتَرَكَ مُصعَبٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ نَعِيمَ الدُّنيَا، وَصَبَرَ عَلَى الشِّدَّةِ وَالفَقرِ وَالأَذَى فِي سَبِيلِ اللهِ، وَصَارَ مَثَلًا لِلشَّابِّ الَّذِي ءَاثَرَ الآخِرَةَ عَلَى الدُّنيَا، وَاختَارَ مَحَبَّةَ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ عَلَى نَعِيمٍ زَائِلٍ وَزِينَةٍ فَانِيَةٍ.
❁ وَعَن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ قَالَ: أَقبَلَ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ ذَاتَ يَومٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ فِي أَصحَابِهِ، وَعَلَيهِ قِطعَةُ نَمِرَةٍ قَد وَصَلَهَا بِقِطعَةِ جِلدٍ، فَلَمَّا رَآهُ أَصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ نَكَّسُوا رُؤُوسَهُم رَحمَةً لَهُ، لِمَا رَأَوا مِن حَالِهِ بَعدَ أَن كَانَ يَلبَسُ فَاخِرَ الثِّيَابِ، فَسَلَّمَ، فَرَدَّ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَحسَنَ عَلَيهِ الثَّنَاءَ، وَقَالَ: «لَقَد رَأَيتُ هَذَا، يَعنِي مُصعَبًا، وَمَا بِمَكَّةَ فَتًى مِن قُرَيشٍ أَنعَمَ عِندَ أَبَوَيهِ نَعِيمًا مِنهُ، ثُمَّ أَخرَجَهُ مِن ذَلِكَ الرَّغبَةُ فِي الخَيرِ فِي حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ».
❁ وَعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مُصعَبِ بنِ عُمَيرٍ مُقبِلًا، وَعَلَيهِ إِهَابُ كَبشٍ قَد تَنَطَّقَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «انظُرُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَد نَوَّرَ اللهُ قَلبَهُ، لَقَد رَأَيتُهُ بَينَ أَبَوَيهِ يُغذِيَانِهِ بِأَطيَبِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَدَعَاهُ حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى مَا تَرَونَ».
❁ ولَمَّا بَايَعَ أَهلُ العَقَبَةِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، رَجَعُوا إِلَى قَومِهِم، فَدَعَوهُم إِلَى الإِسلَامِ سِرًّا، وَتَلَوا عَلَيهِمُ القُرآنَ، وَكَانُوا اثنَي عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَاذَ بنَ عَفرَاءَ وَرَافِعَ بنَ مَالِكٍ، يَطلُبُونَ مِنهُ أَن يَبعَثَ إِلَيهِم رَجُلًا مِن عِندِهِ، يُفَقِّهُهُم فِي الدِّينِ، وَيُقرِئُهُمُ القُرآنَ.
❁ فَبَعَثَ إِلَيهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ مُصعَبَ بنَ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَدِمَ إِلَى المَدِينَةِ مُهَاجِرًا، وَنَزَلَ عَلَى سَعدِ بنِ زُرَارَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَكَانَ يَأتِي الأَنصَارَ فِي دُورِهِم وَقَبَائِلِهِم، فَيَدعُوهُم إِلَى الإِسلَامِ، وَيَقرَأُ عَلَيهِمُ القُرآنَ، فَيُسلِمُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، حَتَّى ظَهَرَ الإِسلَامُ وَفَشَا فِي دُورِ الأَنصَارِ كُلِّهَا، وَكُسِرَت أَصنَامُهُم، وَصَارَ المُسلِمُونَ أَعَزَّ أَهلِ المَدِينَةِ.
❁ وَكَانَ مُصعَبٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُقرِئُهُمُ القُرآنَ، وَيُعَلِّمُهُم أَمرَ الدِّينِ، وَقَد أَسلَمَ عَلَى يَدَيهِ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وَسَعدُ بنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، فَكَانَت هِجرَتُهُ إِلَى المَدِينَةِ مِن أَعظَمِ أَسبَابِ انتِشَارِ الإِسلَامِ فِيهَا، وَتَهيِئَةِ القُلُوبِ لِاستِقبَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
❁ وَفِي ذَلِكَ دَرسٌ عَظِيمٌ لِلدُّعَاةِ وَطُلَّابِ العِلمِ، أَنَّ الدَّعوَةَ إِلَى اللهِ تَحتَاجُ إِلَى صِدقٍ، وَحِكمَةٍ، وَصَبرٍ، وَرِفقٍ، وَتَحمُّلٍ، وَأَنَّ الشَّابَّ المُؤمِنَ إِذَا صَدَقَ فِي نُصرَةِ دِينِ اللهِ جَعَلَ اللهُ لَهُ أَثَرًا عَظِيمًا فِي القُلُوبِ، وَرُبَّ دَاعِيَةٍ وَاحِدٍ يُحيِي اللهُ بِهِ بَلَدًا، وَيَفتَحُ بِهِ قُلُوبًا كَثِيرَةً.
❁ وَفِي يَومِ أُحُدٍ حَمَلَ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِوَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا اضطَرَبَت صُفُوفُ المُسلِمِينَ ثَبَتَ بِاللِّوَاءِ ثَبَاتَ الأَبطَالِ، فَأَقبَلَ عَلَيهِ ابنُ قُمَيئَةَ، فَضَرَبَ يَدَهُ اليُمنَى فَقَطَعَهَا، وَمُصعَبٌ يَقُولُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ﴾، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ اليُسرَى، فَحَنَا عَلَيهِ ابنُ قُمَيئَةَ فَضَرَبَ يَدَهُ اليُسرَى فَقَطَعَهَا، فَضَمَّ اللِّوَاءَ بِعَضُدَيهِ إِلَى صَدرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ﴾، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيهِ الثَّالِثَةَ بِالرُّمحِ، فَأَنفَذَهُ، فَوَقَعَ مُصعَبٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ شَهِيدًا، وَسَقَطَ اللِّوَاءُ.
❁ وَقَد رُوِيَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ الفَضلِ أَنَّهُ قَالَ: قُتِلَ مُصعَبٌ، وَأَخَذَ اللِّوَاءَ مَلَكٌ فِي صُورَتِهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَهُ فِي ءَاخِرِ النَّهَارِ: «تَقَدَّم يَا مُصعَبُ»، فَالتَفَتَ إِلَيهِ المَلَكُ وَقَالَ: لَستُ بِمُصعَبٍ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ مَلَكٌ أُيِّدَ بِهِ.
❁ وَعَن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عَلَى مُصعَبِ بنِ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهُوَ مَصرُوعٌ يَومَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلًا﴾، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ يَشهَدُ عَلَيكُم أَنَّكُم شُهَدَاءُ عِندَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ»، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، ائتُوهُم فَزُورُوهُم وَسَلِّمُوا عَلَيهِم، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيهِم أَحَدٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ إِلَّا رَدُّوا عَلَيهِ السَّلَامَ». رَوَاهُ ابنُ سَعدٍ فِي «الطَّبَقَاتِ».
❁ رَحِمَ اللهُ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مُصعَبَ الجُودِ وَالخَيرِ، مُصعَبَ بنَ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَد كَانَ فِي حَيَاتِهِ مِثَالًا لِلشَّابِّ المُؤمِنِ الصَّادِقِ، وَفِي هِجرَتِهِ مِثَالًا لِلدَّاعِيَةِ المُخلِصِ، وَفِي شَهَادَتِهِ مِثَالًا لِلثَّبَاتِ وَالفِدَاءِ حَتَّى ءَاخِرِ النَّفَسِ.
❖ *مِن دُرُوسِ الهِجرَةِ: صُهَيبٌ الرُّومِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَرِبحُ البَيعِ*
❁ وَمِن صَفَحَاتِ الهِجرَةِ المُشرِقَةِ قِصَّةُ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ صُهَيبِ بنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ إِلَى الإِسلَامِ، وَمِن أَهلِ الصِّدقِ وَالثَّبَاتِ وَالفِدَاءِ فِي نُصرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
❁ وَلَمَّا اشتَدَّ إِيذَاءُ المُشرِكِينَ لِلمُؤمِنِينَ، وَأَذِنَ اللهُ لَهُم بِالهِجرَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، أَرَادَ صُهَيبٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَن يَلحَقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِخوَانِهِ المُهَاجِرِينَ، وَكَانَ قَد صَارَ لَهُ بِمَكَّةَ مَالٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا عَلِمَ المُشرِكُونَ بِخُرُوجِهِ لَحِقُوا بِهِ، وَأَبَوا أَن يُخَلُّوا سَبِيلَهُ إِلَّا أَن يَترُكَ لَهُم مَالَهُ.
❁ فَوَقَفَ صُهَيبٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي وَجهِهِم وَقَالَ: «يَا مَعشَرَ قُرَيشٍ، لَقَد عَلِمتُم أَنِّي مِن أَرمَاكُم رَجُلًا، وَأَيمُ اللهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرمِيَ بِكُلِّ سَهمٍ مَعِيَ فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ أَضرِبَكُم بِسَيفِي حَتَّى لَا يَبقَى فِي يَدِي مِنهُ شَيءٌ، فَاقدَمُوا إِن شِئتُم، وَإِن شِئتُم دَلَلتُكُم عَلَى مَالِي، وَتَترُكُونِي وَشَأنِي». فَقَبِلُوا مَالهُ، وَدَلَّهُم عَلَى مَوضِعِهِ، وَتَرَكُوهُ يَمضِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
❁ فَخَرَجَ صُهَيبٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مُهَاجِرًا، قَد تَرَكَ مَالَهُ كُلَّهُ ابتِغَاءَ مَرضَاةِ اللهِ، وَلَم يَحمِل مَعَهُ مِن دُنيَاهُ إِلَّا مَا يَلبَسُهُ عَلَى جَسَدِهِ، لَكِنَّهُ حَمَلَ قَلبًا مَملُوءًا بِالإِيمَانِ، وَنَفسًا صَادِقَةً فِي مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ.
❁ وَتَابَعَ صُهَيبٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ طَرِيقَهُ حَتَّى أَدرَكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي قُبَاءَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسًا وَحَولَهُ أَصحَابُهُ، فَلَمَّا رَآهُ نَادَاهُ مُتهَلِّلًا: «رَبِحَ البَيعُ أَبَا يَحيَى، رَبِحَ البَيعُ أَبَا يَحيَى». وَعِندَهَا نَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ﴾.
❁ وَكَانَ صُهَيبٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن أَهلِ النُّصرَةِ وَالثَّبَاتِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَد قَالَ عَن نَفسِهِ: «لَم يَشهَد رَسُولُ اللهِ ﷺ مَشهَدًا قَطُّ إِلَّا كُنتُ حَاضِرَهُ، وَلَم يُبَايِع بَيعَةً قَطُّ إِلَّا كُنتُ حَاضِرَهَا، وَلَا غَزَا غَزَاةً أَوَّلَ الزَّمَانِ وَءَاخِرَهُ إِلَّا كُنتُ فِيهَا عَن يَمِينِهِ أَو شِمَالِهِ، وَمَا خَافَ المُسلِمُونَ أَمَامَهُم قَطُّ إِلَّا كُنتُ أَمَامَهُم، وَلَا خَافُوا وَرَاءَهُم إِلَّا كُنتُ وَرَاءَهُم، وَمَا جَعَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَينِي وَبَينَ العَدُوِّ».
❁ وَفِي قِصَّةِ صُهَيبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ دَرسٌ عَظِيمٌ فِي أَنَّ حَقِيقَةَ الرِّبحِ لَيسَت فِي كَثرَةِ المَالِ، وَلَا فِي زِينَةِ الدُّنيَا، بَل فِي رِضَا اللهِ تَعَالَى، وَنُصرَةِ دِينِهِ، وَصُحبَةِ رَسُولِهِ ﷺ. فَقَد خَسِرَ صُهَيبٌ مَالَهُ فِي أَعيُنِ أَهلِ الدُّنيَا، وَلَكِنَّهُ رَبِحَ البَيعَ عِندَ اللهِ، وَفَازَ بِشَرَفِ الهِجرَةِ وَصِدقِ البَذلِ وَعِظَمِ المَنزِلَةِ.
❁ فَرَضِيَ اللهُ عَن صُهَيبٍ الرُّومِيِّ، وَجَزَاهُ عَنِ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزَاءِ، فَقَد بَاعَ دُنيَاهُ بِآخِرَتِهِ، وَتَرَكَ مَالَهُ لِيَنجُوَ بِدِينِهِ، فَكَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ ءَاثَرُوا مَا عِندَ اللهِ عَلَى مَا عِندَ النَّاسِ.
❖ *قِصَّةُ أُمِّ أَيمَنَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي الهِجرَةِ*
❁ رَوَى ابنُ سَعدٍ عَن عُثمَانَ بنِ القَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَت أُمُّ أَيمَنَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، أَمسَت بِالمُنصَرَفِ وَدُونَ الرَّوحَاءِ، فَعَطِشَت، وَلَيسَ مَعَهَا مَاءٌ، وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَأَجهَدَهَا العَطَشُ، فَدُلِّيَ عَلَيهَا مِنَ السَّمَاءِ دَلوٌ مِن مَاءٍ بِرِشَاءٍ أَبيَضَ، فَأَخَذَتهُ، فَشَرِبَت مِنهُ حَتَّى ارتَوَت.
❁ فَكَانَت رَضِيَ اللهُ عَنهَا تَقُولُ: مَا أَصَابَنِي بَعدَ ذَلِكَ عَطَشٌ، وَلَقَد تَعَرَّضتُ لِلعَطَشِ بِالصَّومِ فِي الهَوَاجِرِ فَمَا عَطِشتُ. وَفِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا خَرَجَت مُهَاجِرَةً مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، وَهِيَ مَاشِيَةٌ لَيسَ مَعَهَا زَادٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمسُ إِذَا بِإِنَاءٍ مُعَلَّقٍ عِندَ رَأسِهَا، فَشَرِبَت مِنهُ حَتَّى رَوِيَت، وَمَا عَطِشَت بَقِيَّةَ عُمُرِهَا.
❁ وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ عِبرَةٌ جَلِيلَةٌ فِي فَضلِ الهِجرَةِ وَصِدقِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ أُمَّ أَيمَنَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا خَرَجَت مُهَاجِرَةً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، فَلَطَفَ اللهُ بِهَا عِندَ شِدَّةِ العَطَشِ، وَأَظهَرَ لَهَا مِن كَرَمِهِ مَا يُثَبِّتُ القُلوبَ عَلَى اليَقِينِ.
❁ وَتُعَلِّمُنَا هَذِهِ القِصَّةُ أَنَّ مَن صَدَقَ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَتَوَكَّلَ عَلَيهِ حَقَّ التَّوَكُّلِ، كَفَاهُ اللهُ مَا أَهَمَّهُ، وَفَتَحَ لَهُ أَبوَابَ الفَرَجِ مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُ، فَسُبحَانَ مَن يَرزُقُ عِبَادَهُ وَيَلطُفُ بِأَولِيَائِهِ وَيُكرِمُ أَهلَ الصِّدقِ وَاليَقِينِ.
❖ *قِصَّةُ المُهَاجِرَةِ الصَّادِقَةِ وَابنِهَا الشَّابِّ*
❁ أَخرَجَ البَيهَقِيُّ فِي «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي المُهَاجِرَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي أَحيَا اللهُ تَعَالَى بِدُعَائِهَا وَلَدَهَا بَعدَ مَا مَاتَ، عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امرَأَةٌ مُهَاجِرَةٌ، وَمَعَهَا ابنٌ لَهَا قَد بَلَغَ، فَأَضَافَ المَرأَةَ إِلَى النِّسَاءِ، وَأَضَافَ ابنَهَا إِلَينَا، فَلَم يَلبَث أَن أَصَابَهُ وَبَاءُ المَدِينَةِ، فَمَرِضَ أَيَّامًا، ثُمَّ قُبِضَ، فَغَمَّضَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَمَرَ بِجَهَازِهِ، فَلَمَّا أَرَدنَا أَن نُغَسِّلَهُ، قَالَ: يَا أَنَسُ، ائتِ أُمَّهُ فَأَعلِمهَا».
❁ قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَأَعلَمتُهَا، فَجَاءَت حَتَّى جَلَسَت عِندَ قَدَمَيهِ، فَأَخَذَت بِهِمَا، ثُمَّ قَالَت: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسلَمتُ لَكَ طَوعًا، وَخَلَعتُ الأَوثَانَ زُهدًا، وَهَاجَرتُ إِلَيكَ رَغبَةً، اللَّهُمَّ لَا تُشمِت بِي عَبَدَةَ الأَوثَانِ، فَلَا تَحمِل عَلَيَّ هَذِهِ المُصِيبَةَ اليَومَ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا تَقَضَّى كَلَامُهَا حَتَّى حَرَّكَ قَدَمَيهِ، وَأَلقَى الثَّوبَ عَن وَجهِهِ، وَطَعِمَ وَطَعِمنَا مَعَهُ، وَعَاشَ حَتَّى قَبَضَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ، وَحَتَّى هَلَكَت أُمُّهُ، وَعَاشَ لِخِلَافَةِ عُمَرَ».
❁ وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ تَذكِيرٌ بِفَضلِ صِدقِ الهِجرَةِ، وَصِدقِ اللُّجُوءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَحُسنِ الظَّنِّ بِهِ عِندَ الشَّدَائِدِ وَالمِحَنِ، فَإِنَّ هَذِهِ المَرأَةَ المُهَاجِرَةَ صَدَقَت فِي إِسلَامِهَا وَهِجرَتِهَا، وَلَجَأَت إِلَى رَبِّهَا مُتَضَرِّعَةً، فَأَظهَرَ اللهُ تَعَالَى لَهَا مِن لُطفِهِ وَكَرَمِهِ مَا كَانَ ءَايَةً وَعِبرَةً.
❁ وَتُعَلِّمُنَا هَذِهِ القِصَّةُ أَنَّ العَبدَ إِذَا ضَاقَت بِهِ الأَسبَابُ، فَبَابُ اللهِ لَا يَضِيقُ، وَإِذَا عَظُمَت عَلَيهِ المُصِيبَةُ، فَالرُّجُوعُ إِلَى اللهِ هُوَ المَفزَعُ وَالمَلجَأُ، وَأَنَّ صِدقَ الإِيمَانِ وَحُسنَ التَّوَكُّلِ وَالدُّعَاءَ بِقَلبٍ مُنكَسِرٍ مِن أَعظَمِ أَسبَابِ الفَرَجِ وَالرَّحمَةِ.
❖ *خَاتِمَةٌ*
❁ وَبَعدُ، فَهَذِهِ مَشَاهِدُ مُبَارَكَةٌ مِنَ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ، تَجمَعُ بَينَ العِبرَةِ وَالمَوعِظَةِ، وَتُظهِرُ مَعَانِيَ الصَّبرِ وَالثَّبَاتِ، وَحِفظِ اللهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَصِدقِ أَصحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَمَا بَذَلُوهُ مِن أَنفُسِهِم وَأَموَالِهِم وَأَوطَانِهِم فِي سَبِيلِ نُصرَةِ هَذَا الدِّينِ العَظِيمِ.
❁ فَالهِجرَةُ تُعَلِّمُنَا أَنَّ مَن كَانَ اللهُ حَافِظَهُ فَلَا يَضُرُّهُ مَكرُ المَاكِرِينَ، وَأَنَّ مَن صَدَقَ فِي نُصرَةِ دِينِ اللهِ رَفَعَ اللهُ ذِكرَهُ، وَأَنَّ الأُمَّةَ لَا تَنهَضُ إِلَّا بِالعِلمِ وَالأُخُوَّةِ، وَالأَمَانَةِ وَالصِّدقِ، وَالتَّضَحِيَةِ وَالإِيثَارِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى عَقِيدَةِ الحَقِّ.
❁ وَمَا أَحوَجَنَا اليَومَ إِلَى أَن نَجعَلَ مِن ذِكرَى الهِجرَةِ بَابًا لِمُحَاسَبَةِ النَّفسِ، وَتَجدِيدِ العَهدِ مَعَ اللهِ تَعَالَى، فَنُهَاجِرَ مِنَ المَعصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ الغَفلَةِ إِلَى الذِّكرِ، وَمِنَ الجَهلِ إِلَى العِلمِ، وَمِنَ التَّفَرُّقِ إِلَى الأُخُوَّةِ، وَمِنَ الضَّعفِ إِلَى الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ.
❁ نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا صِدقَ الاقتِدَاءِ بِنَبِيِّهِ المُصطَفَى ﷺ، وَأَن يَجعَلَ قُلُوبَنَا عَامِرَةً بِمَحَبَّتِهِ وَتَعظِيمِهِ، وَأَن يَجعَلَنَا مِنَ النَّاصِرِينَ لِدِينِهِ، الثَّابِتِينَ عَلَى الحَقِّ، المُتَخَلِّقِينَ بِأَخلَاقِ أَهلِ الهِجرَةِ وَالنُّصرَةِ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
________________________________________
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
________________________________________
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي: 00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
________________________________________
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
________________________________________.
|
|