حقيقة إجماع أهل السُّنَّة على تكفير ابن تيمية
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
1
وبعدُ فقد اطَّلعنا على مقال لبعض الجَهَلَة المُتصولحة يستهزئ بمَن قال بوُقوع الإجماع على تكفير ابن تيمية؛ والجاهل المذكور لم يعرف أنَّه بذلك يستهزئ ببعض كبار فُقهاء أهل السُّنَّة والجماعة كما سنبيِّن.
2
وأنكر المُتصولح المذكور آنفًا -لقلَّة اطِّلاعه على مذاهب العُلماء- وُجود نقل يُؤيِّد وُقوع إجماع أهل السُّنَّة على تكفير ابن تيمية! ولسان الحال يُنشد:
زَعَمَ الفَرَزدَقُ أَن سَيَقتُلُ مِربَعًا * أَبشِر بِطُولِ سَلَامَةٍ يَا مِربَعُ!
3
فقد ذكر عالم الشَّام في زمانه الفقيه الشَّافعيُّ الكبير تقيُّ الدِّين الحصنيُّ في [دفع شُبَه مَن شبَّه وتمرَّد] تكفير العُلماء وقُضاة المذاهب الأربعة لابن تيميَّة ثُمَّ ختم بقوله: <فصارَ كُفرُهُ بذلكَ مُجمَعًا عليهِ> انتهَى.
4
وكلام الحصنيِّ هُو الرَّأي المنصور في القُرآن الكريم فإنَّ مَن حمل المُتشابَه على ظاهره في الاستواء وغيره فإنَّه مُكذِّب بقوله تعالَى: {لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ} لا يشكُّ في ذلك بليد ذهن فضلًا عن ذكيٍّ جيِّد الفهم والذَّوق.
5
نعم؛ بعض العُلماء لم يثبُت عنده بالنَّقل المُعتبر والبيِّنة الشَّرعيَّة ما صدر من ابن تيمية مِن صريح الكُفر فتوقَّف في تكفيره لعلَّة ذلك؛ وليس لأنَّه يتوقَّف في تكفير مَن كذَّب قوله تعالَى {لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ}.
6
وأمَّا مَن ثبت عنده صريح الكُفر على ابن تيمية فإنَّه لم يتردَّد في أن يقول فيه كما قال التَّقيُّ الحصنيُّ رحمه الله: <ولم يزل ينتقل مِن سجن إلى سجن حتَّى أهلكه الله عزَّ وجلَّ في سجن الزَّندقة والكُفر> إلخ..
7
وحكم الجاهل أنَّ التَّقيَّ السُّبكيَّ توقَّف في تكفير ابن تيمية مع أنَّه قال فيه: (فلم يدخُل في فرقة مِن الفِرق الثَّلاثة والسَّبعين الَّتي افترقت عليها الأُمَّة) إلخ.. فتأمَّل كيف أخرجه مِن سائر الفِرق الَّتي تنتسب إلى الإسلام.
8
وقال صاحب [دفع شُبَه مَن شبَّه وتمرَّد]: <وكان الشَّيخ زين الدِّين ابن رجب الحنبليُّ ممَّن يعتقد كُفر ابن تيميَّة، وله عليه الرَّدُّ، وكان يقول بأعلَى صوته في بعض المجالس: "معذور السُّبكيُّ" يعني في تكفيره> انتهَى.
9
فكلام التَّقيِّ السُّبكيِّ وكلام التَّقيِّ الحصنيِّ وكلام زين الدِّين بن رجب -وهُو فقيه حنبليٌّ حافظ تُوُفِّي آخر القرن الثَّامن للهجرة- كُلُّ ذلك يحكُم بكذب الجاهل فيما نسبه إلى قاضي القُضاة التَّقيِّ السُّبكيِّ رحمه الله.
10
وأنكر الجاهل على مَن حَكَمَ بكُفر مَن لم يُكفِّر ابن تيمية؛ دون أن يشرح قولهم؛ فإنَّهُم يُكفِّرون مَن ثبتت عنده مسائل الكُفر الَّتي وقع فيها ابن تيمية ومع ذلك ترك تكفيره فهذا يصحُّ أن يُقال فيه إنَّه لم يُكفِّر الكافر.
11
وكان العلاء البُخاريُّ يُصرِّح بتكفير مَن سمَّى ابن تيمية شيخ الإسلام؛ وقال في [مُلجمة المُجسِّمة]: <ومَن قال بأنَّ الله جسم فهُو كافر إجماعًا. ولهذا قال إمام الحرمين في "الإرشاد" إثبات الجهة لله كُفر صُراح> انتهَى.
12
فهذا الجاهل استهزأ أوَّلًا بمَن قال في ابن تيمية: (فصارَ كُفرُهُ بذلكَ مُجمَعًا عليهِ) دون أن يعلم أنَّه يستهزئ بفقيه شافعي كبير ثُمَّ ذمَّ مَن كفَّر مَن لم يُكفِّر ابن تيمية دون أن يعلم أنَّه يذُمُّ فقيهًا حنفيًّا كبيرًا فتأمَّلوا!
13
ودافع الجاهل عن ابن تيمية فزعم أنَّ توبته ثابتة بخطِّ يده! وغفل الجاهل أنَّ مجلس استتابته كان قبل سنوات كثيرة من إجماع القُضاة على تكفيره سنة 722 للهجرة؛ زد على هذا أنَّ ابن تيمية نقض توبته مرارًا.
14
فقد ذكر العلَّامة الكوثريُّ توبة ابن تيمية ثُمَّ قال: (لكن لم تمض مُدَّة على ذلك حتَّى نقض ابن تيمية عُهوده ومواثيقه كما هي عادة أئمَّة الضَّلال وعاد إلى دعوته الضَّالة ورجع إلى عادته القديمة في الإضلال) انتهَى.
15
لكن تسرُّع الجاهل في الدِّفاع عن ابن تيمية أوقعه في الغفلة عن تلك التَّواريخ الَّتي ما كان ينبغي أن تغيب عن باحث يُريد تحقيق مسألته؛ فضاع عُمرُه هباء في الدِّفاع عن رأسٍ مِن رُؤوس المُشبِّهة المُجسِّمة.
16
وقد دسَّت الأيادي الأثيمة على بعض عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة في كُتُبهم القول بعدم كُفر المُجسِّمة والعياذ بالله؛ وكان ممَّن دُسَّ عليهم في ذلك الإمام فخر الدِّين الرَّازيُّ ولهذا اخترت ختم المقال بنقل قوله في المُجسِّمة.
17
فقال -الرَّازيُّ- في [تفسيره]: <الدَّليل دلَّ على أنَّ مَن قال إنَّ الإله جسم فهُو مُنكر لله تعالَى وذلك لأنَّ إله العالم موجود ليس بجسم ولا حالٌّ في الجسم فإذا أنكر المُجسِّم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالَى> إلخ..
نهاية المقال.
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي: 00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
.
|
|